الموقف الخلاصي في شعرية «قدّاس زهرة الملح» لميلود علي خيزار

نقترب من القصيدة، نعيد القراءة، ندرك بعد حين أنّنا في حالة اندماج تام مع أفق المعنى الشّعري، إنّها حالة ثانية لإنجاز نص شبيه، لكن على مستوى الوعي الشعري بوجود «أنا متلقية». تُنتِج هذه الحالة في أفق التلقي رغبة في الاستزادة من المعنى، الذي يكثف قلق الذات أمام صدمات الأسطر الشعرية المتداولة، في نصوص تبدو منفصلة عن الذات الشاعرة التي أنجزتها، فالنص هاجس بسؤال الفوضى في إتاحة معنى سكينة التلقي، لأنّ المتلقي لا يستقر على هوامش اللامعنى في الكتابة الشعرية الحداثية، التي لا أتصوّرها إلا عابرة للزّمنية، ذلك «إنّ النص المتجذر في التجربة الإنسانية، والحامل لموقف كوني من الوجود والإنسان، والمراهن على الجمال والحرية، لا يمكن إلا أن يكون حداثيا مهما كانت قدامته التاريخية»، وهو ما يمكن استقراءه في أفق القصيدة الخيزارية التي تعلن موقفا شعريا في حركة الشاعر الوجودية، فالموقف الشّعري نضالي، في حين إنّ القصيدة بيان ضد سكونية ما، تثير انتباه الشاعر وتحدّد رؤيته الوجودية، كما هو الحال في نصوص «قدّاس زهرة الملح» للجزائري ميلود علي خيزار.

الموقف الخلاصي في فوضى الشعر:

يختلف الشاعر اختلافا جذريا عن راهن العالم، إذ لو كان موافقا له لما استفاقت لحظته الشعرية، لكنّه يتوافق مع نسق القصيدة، إذ تنسج طيفه العالق بين المواجهة واللغة، بين الجمالية والحرّية، ومن هنا تأتي أهمية البيانية في «قدّاس زهرة الملح»، ثلاثة دلالات مختلفة، تشحن المعنى بنوع من التفاصل البنيوي المنتج للموقف، فدلالة «القداس» لا تحمل سوى دلالة الخلاص المشحونة بها على الدّوام، أمّا «الزهرة» فلا يمكن أن نفصلها عن جمالية المشهدية الكونية، في حين إنّ «الملح» إضافة عن رمزيته الاجتماعية في دوام التواصل، فإنّه لا يثير سوى نبرة العطش الشديد لماء الحياة، ومنه لا تكون قصائد هذه المجموعة سوى بحث متواصل عن خلاص ما، يتوخّاه الشاعر لإرواء عطش يقف به على حافة جمالية، تبدو ممكنة لكنّها مستحيلة، وهو ما يكثف من قلق الشعرية في الأفق النابض بالموقف الإنساني الجمالي، العاثر بين وهاد الوجودية النّاشزة.
يرسم النشاز اتهامية منضبطة بموقف فعّال يحذوه الأمل في الخلاص من لوثة تقبيح المشهد الوجودي العالق في التحييد، ولهذا يضع الشاعر ذاته في مواجهة العالم بإعلانه بيانية الانفصال في «لَسْتُهُ»، النصية التي يكشف فيها عن جذور الخلاص وانفكاك الرّؤية عن الذات الجمعية السالبة:
«احتفظوا لشفاهكم الناعمة
بقبلة يهوذا الناعمة
أنا لست ذلك الرّجل»
يتجلى مفهوم الخلاص والاتهام في «يهوذا»، حيث يبني الشاعر موقفه الانفصالي عن الما ـ يحدث في تاريخية عالقة ومبهمة، لا تحرّر سوى سراديب التاريخ الخلفية غير المنتهية إلى نهاية، وتلك هي صيرورة الشعر، حين ينهض فاصلا في ثورته ضد الإشكال الوجودي العميق.

القصيدة محور «التخلّي»:

أيُّ شكل لحركة الشاعر يفسّر لمرافقه ديمومة الكلام في معاني الثورة والخلاص، مرافقة الشاعر تضع المتلقي أمام إمكانية فهم العالم من شرفة جمالية تؤكد عطش الوجودية للحظة التوادد والتقارب، ولعلّ كينونة «الملح» تختزن الشعور بأهمّية التواصل، رغم قلق الشاعر ونفوره من الما – يحدث، ولهذا يجري كلاميا خلف معنًى يريده للقصيدة، ويجعله مفهوما يترغّبه في كلامية «الملح» التي يفجّر فيها أثر العطش والجمال والتواصل حين يدمجها في البيانية العنوانية لـ«ملح الكلام»، النص الأحبولة، الذي يجعل من القصيدة مؤهّلة للكشف عن «ضرورة ما تقتلعها من اللسان تجعلها ممكنة»، كما يرى جمال الدين بن الشيخ، فالشاعر يبحث عن معنى للقصيدة، «تعني القصيدة لي.. تمامكِ»، تبقى المخاطَبَة مبهمة في تلافيف الكلام الخارج من الذات والصّائر إلى العالم مواجها لا مهادنا، القصيدة: «تعني لي تخوم الصّمت، حيث الموت سيّد والعزاء نبيذ أغنية تجدّد حكمة النسيان». تصمت القصيدة أم يصمت الشاعر حيال عالم يؤول إلى مراسيم جنائزية، يلتهي فيها كل بذاته لا يروم سوى «نسيان» ذاكرة اللقاء، أو ما تعيشه الذات من لحظة الفجيعة، لكن الصّمت يبقى عتبة للنسيان، فحينما نصمت، نبدأ في تحرير مهرجان الانفصال عن العالم لنرجع إلى أنفسنا: «ننسى، عادة، لتصير حادثة الحياة جديرة بوجودنا العبثي»، إذن الانفصال عن العالم، تحريرٌ للذات من عبث الوجود، هو ما يمنح «التخلّي» بالمفهوم الصوفي جذره الوجودي البادئ بالحياة والمنتهي إلى الذات، مقامين للمساءلة في وضعين وجوديين مختلفين، مقام التحفيز في الحياة ومقام التجلي في الذات.

تكبر فجوة الوجود ولا يصمت الشعر عن ترديد حكمة الكلام في العثور على ظلالنا في مسيرة الحياة. الذات هي الظل الممكن في مسرحية التأكيد الوجودي على الموت، لكنّنا لا ننتبه إلى أنطولوجيا رقصنا العبثي فوق جثث الظل الذي نمثله

النسيان والظل الوجودي للإنسان:

تكبر فجوة الوجود ولا يصمت الشعر عن ترديد حكمة الكلام في العثور على ظلالنا في مسيرة الحياة. الذات هي الظل الممكن في مسرحية التأكيد الوجودي على الموت، لكنّنا لا ننتبه إلى أنطولوجيا رقصنا العبثي فوق جثث الظل الذي نمثله: «ننسى كيف يحيا الموت في أنقاضنا، لا شيء مثل الموت حيّ بيننا»، تنتج هذه البراءة الكلامية حقيقة جوهرية في مرآة الانفصال عن العالم الذي لا يذكرنا بحقائقنا. لا شيء في العالم ثابت سوى معنى الموت، الموت يؤبّننا ويعود كي يتربّع عرش الحياة، ونعيد حوله جوقة الرقص الحافلة بالنسيان، ولا ينسى العابر لعتبة العالم بمصباح القصيدة أن يؤثث معناها في ما تعنيه له: «تعني لي دخولي في فراش الحلم، محموما بنور الوعي، مسكونا بمس الشك… موجوعا بأسئلة الوجود»، هذه الانعطافة تجعل الشاعر مفارقا لما يرتاح إليه العالم من كينونة مادية، إنّه منفصل عما يمكن تسميته بـ«المنزل»، و«كم هي حقيقية المنازل التي لا نملك»، هكذا تأمّل غاستون باشلار في رسالة عنوان قصيدة «منزل الرّيح» للوي غيوم، فالحلم معادل موضوعي للعالم، بل يعوّض العالم بالنسبة للشاعر، ففي منزل «الحلم» الخيزاري ينبثق «نور الوعي» و«مس الشك» و«أسئلة الوجود»، وهي مسارات القلق المفقودة في أركيولوجيا تاريخيةِ الوجوديةِ المنساقة خلف الظل، الغافلة عن كينونة حقيقة الموت، الحافلة بالحياة. هل يمكن أن يمنحنا الموت حياة حقيقة، لاستمراره بالحياة واندثارنا في عدمه؟ إنّه السؤال الجوهري للأديان والفلسفة والشعر أيضا.

خَلاصية النسيان وعودة الوعي:

ما الذي يمكننا أن ننساه حتى نشعر بذواتنا، أو بالكينونة الغائبة في الوجود؟ يبدو أنّ الوجود شعريا مسافة لتذكر الموت كحقيقة مستمرة، ونسيان الإنسان ذاته كحقيقة عابرة، لكن التجاوز الوجودي يكمن في المعرفة بالنسيان لتحقيق الانفصال بين الزيف والحقيقة، بين الواقع والخيال، بين التواصل والانقطاع، فالشاعر يرتب كينونته داخل فضاء النسيان، لا ليفكك دواليب الذاكرة الوجودية، ولكن ليعيد لها روح الإنسان التواق لمعرفة الأشياء كشفا وذوقا: «أشعلت روحي كي أضيء مسافة النسيان»، حينما ندرك النسيان فإنّنا لحظتها نشعل فتيل الذاكرة، أو عودة الوعي الغائب و«إعادة المعنى للإنسان باعتباره كائنا منذورا لأن يعرف الله، لأنّه خلقه من أجل أن يعرفه ويعترف به»، كما تفيد رؤية ابن عربي، فالنسيان في المدى الشّعري ليس نافيا، بل خَلاصيا للعودة إلى كنه الوجود المحقَّق في الموت، باعتبار أنّ الباقي والمستمر الحقيقي هو خالق الموت، أي الحقيقة الكبرى ننساها لكي نتشبث بحقيقة ما هو عابر، فلا يتحقق وجودنا في «منزل الحلم» بتعبير لوي غيوم، أو «فراش الحلم» بتعبير ميلود خيزار، الذي يستمر قائلا: «رأيت أنّي كنت بين المشي والطيران، تحضنني كمنجة ما يسمّى الشعر»، مسافة لا يمكن لغير الشعر أن يدركها باعتبار جوهره الحلمي. تعيش الكينونة الشاعرة أو تدرك وجودها بين «المشي والطيران»، بين حقيقة النور في معرفة الحق وحقيقة الناس في موجود الوجود أو الوجود في العالم بتعبير هايدغر.
تمتلك الرّؤية الشعرية محنة الشرود في الماوراء، في رونق الكتابة حين تعتلي شوكة الوخز، فيحوز الوجود نباهة الانتباه إلى الحقيقة، ليس في امتلاكها المطلق، لكن في تجلياتها على أفق الوعي، أو ما ترسمه القصيدة كـ»رواق معدني»: «بلى قطعت وحدي الرواق المعدني للعقل»، والمعدن هو أصل الأصالة في إدراك الجوهر، لمعان المحايثة للباطن، أين ترقد حقيقة الأشياء التي نصنع بها فرح الكائنات، للذهب رونق المعدن وصقالة العقل، حينها سوف يقيم الشاعر وليمة الذهول والوقوف على شطآن الحيرة كما وقف الذين اخترقوا حجب العقل، ووقفوا على لذّة «الذوق»، هناك يستفيق الشاعر حيث يتفجر بالكلام: «أدهشتني الجدران الشبيهة بالمرايا».

٭ كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية