السينما الأمريكية بكل غزارة إنتاجها وحيوية حضورها بعيدا عن أية ملاحظات تسجل ضدها، دائما ما تحيلنا إلى سؤال جوهري نطرحه أولا على أنفسنا: “هل إن الفيلم السينمائي غايته الجوهرية ان يحقق المتعة الخفيفة للمتلقين؟”. العودة السريعة إلى تاريخ السينما الأمريكية ستفضي بنا إلى الاجابة بنعم، إلاَّ ان هذه الاجابة ليست منصفة، وتبدو متسرعة جدا لكونها لا تتضمن الحقيقة كاملة، رغم أنها تحمل قدرا كبيرا من المصداقية لأن نمط الإنتاج الأمريكي في المجمل العام قد كرّس هذا المفهوم عن السينما بمختلف الأجيال التي تعاقبت على إدارة شركات الإنتاج (عام 1911 شهد تأسيس ويست كوست وهي أول شركة إنتاج في هوليوود) لكن في مقابل ذلك هناك قوة لا يستهان بها من الإنتاج السينمائي تحمل في خطابها نتاجا سينمائيا يحمل في داخله بنية فنية أكبر من أن تُختَصَر غايتها في إشاعة المتعة الخفيفة فقط، خاصة وأن صناع السينما الأمريكية منذ انطلاقتها في أوائل القرن العشرين (عام 1908 تم تصوير أول فيلم في هوليوود) وضعوا نصب أعينهم الوصول إلى مساحات أوسع خارج السوق الأمريكية، وهذا يعني أنهم كانوا يفكرون منذ البدء في أن تكون حمولتهم الفنية منفتحة على ثقافات الشعوب الأخرى، وقد عبر أساطين الإنتاج عن ذلك عبر وسائل متنوعة نضجت وتطورت بمرور الزمن، ومن صُوَرِها انتقال الكاميرات السينمائية إلى مواقع تصوير خارج أمريكا، إلى آسيا على سبيل المثال وافريقيا، لأن الفيلم من وجهة نظر المنتج الأمريكي يبقى مشروعا تجاريا غايته الربح والوصول إلى أسواق جديدة مهما كانت بعيدة، فالمهم بالنسبة له زيادة الأرباح لكي تستمر عجلة الإنتاج بالدوران والتطور، والبقاء في المرتبة الأولى بمركز الإنتاج ولا يستطيع أي منافس آخر أن يزاحمه على الموقع والهيمنة .
السينما مشروع اقتصادي
التفكير ازاء السينما من منظور اقتصادي باعتبارها مشروعا تجاريا كان سر نجاحها في أمريكا كفن وصناعة، وهذا ما وفَّر بالتالي بيئة مناسبة لكي يصبح الفن السينمائي قوة ثقافية هائلة على المستوى العالمي، والفضل في ذلك يعود إلى طبيعة العقلية الأمريكية البرغماتية، وهذه القوة بقدر ما تحمل من خصوصية محلية في تقديم التسلية بعناصر معينة كرَّستها عبر سنين من التجارب والإنتاج إلا انها ضخَّت من خلالها ثقافة أمريكية تمكنت من ان تمهد الأجواء النفسية عالميا لهيمنة المشروع الأمريكي بحلقتيه السياسي والاقتصادي.
مع جوهرية هذا الهدف في الخطاب الفني للإنتاج السينمائي الأمريكي والذي تمكنت عجلة الإنتاج من تقديمه بأجمل صورة، كانت السينما الأمريكية حريصة كما أشرنا إلى ان تغازل الثقافات الأخرى، وتستميلها إلى حاضنتها، وهذا ما يؤكد على أن الفيلم من وجهة نظر الأمريكان أنفسهم ليس للمتعة الخالية من المحتوى الفكري القابل للنقاش كما يبدو ظاهريا في الكلائش التي كرستها في نماذج فيلمية يسودها الأكشن والجنس والكوميديا والاستعراضات الموسيقية، إنما كانت العقول التي تدير ماكنة هذا المشروع تسعى إلى ان تجعله جزءا حيويا وأساسيا من الصناعة، بمعنى ان يتحول الفن إلى مصدر جوهري للدخل القومي، بما يعني ان تدخل في هيكليته الإنتاجية قوة بشرية كبيرة قوامها يتشكل من شرائح مختلفة، بينهم نخبة مثقفة من الكتاب والفنانين والحرفيين بكل الاختصاصات والمهارات التقنية، إضافة إلى جيش عريض من العمال المَهَرة، والنتيجة كانت أن هذه القوة الاقتصادية بمرور الزمن وتراكم الإنتاج وتوسعه تحولت إلى قوة ثقافية تتوسع مديات تأثيراتها إلى أبعد نقطة في الكرة الأرضية فترسخ عن طريقها نموذج “الحلم الأمريكي” متجسدا بتوفر فرصة الصعود السريع من القاع إلى القمة .
فالسينما الأمريكية بالمحصلة النهائية قد تحولت إلى منظومة مقنَّنَة لصناعة ثقافة معينة بمواصفات محلية يراد لها ان تكون عالمية وتكون ذراعا قوية لتمرير وهيمنة الخطاب الأمريكي الموجه إلى العالم، ولا أظن أن هناك أحد لا يتفق مع الرأي الذي يؤكد نجاح هذا الخطاب وشيوعه، خاصة بعد أن سقط جدار برلين مطلع تسعينيات القرن الماضي وانتهت بذلك فترة من الصراع بين القطبين الأمريكي والسوفييتي “عُرِفت بالحرب الباردة” لينفرد الأمريكان في الاستحواذ والسيطرة على العالم.
الشبَّاك أولاً
شباك التذاكر للفيلم الأمريكي ما يزال يتربع على العرش متوَّجا بأعلى الايرادات، مثلا، فيلم “جوكر “Joker ) إنتاج 2019 من تمثيل جواكين فينكس، وصلت إيراداته بعد مضي شهر ونصف على عرضه في الصالات إلى مليار دولار، وهو رقم كبير جدا إذا ما قورن بميزانيته الصغيرة التي كانت 65 مليون دولار، على ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال إجراء مقارنة ما بين الإنتاج الأمريكي وجميع النتاجات السينمائية الخارجة من بيئات وثقافات مختلفة سواء في الشرق أو الغرب، حتى أن حِدَّة المنافسة قد تراجعت بين الإنتاج الأمريكي وبين عدد من الدول الأوروبية المتقدمة في الصناعة السينمائية مثل فرنسا، وفشلت معظم إجراءات الحماية التي وضعتها باريس لصد الهجوم الكاسح للفيلم الأمريكي داخل السوق الفرنسية.
ما يميز الأمريكان في تعاملهم مع الفن السينمائي انهم لم يتخلوا عن فكرة أساسية رافقت تفكيرهم منذ ان اقتحموا عالم الفن السينمائي، وهذه الفكرة تتمحور في سؤال جوهري: “هل سيحقق الفيلم الأرباح المرجوَّة؟” فرغم مرور أكثر من مئة عام على مشوارهم في الإنتاج السينمائي إلا انهم كانوا وما زالوا يقفون أمام هذا السؤال مع أي فيلم يقدِمُون على إنتاجه، وإذا ما تيقنوا بأن لا أرباح يمكن جنيها آنذاك لن يترددوا في التخلي عنه مهما كانت درجة مستواه الفني مرتفعة أو أن اسم المخرج الذي يقف خلف طرحه يعد في نظرهم من العقول الإبداعية الفذة، فهذا لا يشكل لهم أولوية للاستمرار في إنتاج الفيلم، طالما ستتمخض عنه خسارة مالية للشركة، ولهذا دائما ما يتخلى المنتج الأمريكي عن مشاريع سينمائية ربما يطرحها مخرجون أفذاذ أمثال فرانسيس فورد كابولا أومارتن سكورسيزي، ورغم اعتراف معظم أقطاب السينما الأمريكية بعبقرية مخرج مثل كابولا إلاَ انه توقف مرغما عن العمل منذ أكثر من ربع قرن، لأنه لم يجد من يقف معه، ويمول مشاريع أفلامه، طالما انها غير مضمونة في تحقيق إيرادات عالية من وجهة نظر الشركات الإنتاجية رغم أهمية وفرادة ما قد تحمله من أفكار فنية قد تدفع التفكير السينمائي في إطاره الأسلوبي والجمالي إلى آفاق جديدة على مستوى الرؤى والتقنيات والمعالجات الإخراجية، والمخرج سكورسيزي أيضا لم يكن بمنأى عن هذا التعامل حيث بقي سيناريو فيلمه الأخير “الايرلندي” (The Irishman) محتفظا به في أدراج مكتبه بعد أن ظل يدور به لسنوات عديدة على شركات الإنتاج زادت عن عشرين عاما من دون أن يجد منتجا يموله، مع أن سكورسيزي يعد من أهم صناع الأفلام والمتعة السينمائية الأمريكية.
الاستحواذ على المتلقي
إصرار أقطاب الصناعة السينمائية الأمريكية على ترديد هذا السؤال: “هل سيربح الفيلم؟ ” لا يعني مطلقا أن الفيلم الأمريكي من وجهة نظرهم مجرد مشروع تجاري غايته تحقيق المزيد من الأموال، ومثلما أشرنا مثلت السينما لديهم مشروعا كبيرا جدا لاستيعاب طاقات وعقول بشرية في ميادين اختصاصية مختلفة إضافة إلى أنه منتوج ثقافي له طابع شعبي، ومن هنا يحرص صانع الفيلم وبحرص شديد على ان لا تكون رسالته مباشرة في غاياتها بغض النظر عن محتواها الايديولوجي، وهذا واحد من أسرار النجاح، فما يسعون إليه هو الاستحواذ على حواس المتلقي، وهذه مسألة بغاية الأهمية والحساسية وليس من السهل الامساك بها والتحكم باتجاهاتها ولن يكون ذلك إلا من خلال اللعب على وتر المشاعر والعواطف بأسلوب ناعم يتسلل إلى حواس المتلقي من غير أن يشعر بذلك.
الحفاظ على تحقيق الأرباح في صناعة السينما الأمريكية خَلق عنصرا مميزا انفردت به شركات الإنتاج في هوليوود تمثل في توفير ميزانيات ضخمة وصلت إلى 300 مليون دولار لإنتاج فيلم واحد كما في فيلم (Pirates of the Caribbean) إنتاج عام 2007 وهذا ما لم تستطع أي شركة أخرى في العالم ان تنافسهم عليه، وبالتالي ستدر عليهم مثل هذه النتاجات إيرادات تفوق رأس المال بأرقام مضاعفة، بغض النظر في ما إذا كان الفيلم مجرد أكشن واستعراض للقوة التي غالبا تتمتع بها الشخصية الرئيسية كما في سلسلة أفلام روكي ورامبو، ومن المؤكد كل ذلك سينعش سوق الإنتاج السينمائي، ويفتح فرصا أكبر أمام العاملين للاستمرار في العمل.
تنوع الموضوعات
ما يثير الاهتمام في الصناعة الأمريكية للأفلام انها لا تقدم لنا صنفا معينا من الأفلام، بل دائما ما نجد أنفسنا أمام تنوع كبير في الموضوعات والأفكار والشخصيات، حتى أننا نجد بين هذا الكم الكبير من الأافلام الذي يتجاوز 800 فيلم في العام الواحد أمام مائدة لا تتشابه فيها أصناف الأكلات (فقط إنتاج السينما الهندية يتجاوز الأمريكية حيث يصل إلى 1200 فيلم سنويا) هذا يعني أن صناعة السينما الأمريكية بقدر اهتمامها بتحقيق الأرباح فهي معنية أيضا في ان تخاطب وتراعي مختلف الأذواق لدى المتلقين، وسيكون أمامهم كل خيارات التي يرغبون بها، من عنف وجنس وأكشن وقصص حب وأفلام موسيقية.
مقاربة مع السينما العربية
وإذا ما حاولنا ان نجري مقارنة بين الإنتاج السينمائي الأمريكي مع ما موجود في المنطقة العربية سنجد ان الإنتاج في مصر قد استوعب الدرس الأمريكي بدرجة ما، وهذا ما ساعده على ان يستمر لمدة تزيد على المئة عام رغم عدم جواز المقارنة بين نمطي الإنتاج من الناحية الفنية والتقنية وعدد الأفلام المنتجة سنويا، فالفرق بينهما كبير وليس في صالح الإنتاج المصري، لكن مجرد محاولة اقتفاء أثر التجربة الأمريكية في تحقيق المتعة الشعبية والربح كما في أفلام المخرج حَسن الأِمام على سبيل المثال لا الحصر، هي التي منحته فرصة ان يبقى ويحافظ على هذه الصناعة وان نشاهد بين فترة وأخرى أفلاما من نوع آخر تنفلت عن دائرة النتاجات المتواضعة فنيا التي عودنا عليها سياق الإنتاج المصري، وهذا ما تجسَّد في أفلام عدد محدود من المخرجين أمثال: كمال سليم، صلاح أبو سيف، حسين كمال، يوسف شاهين، شادي عبد السلام، محمد خان، عاطف الطيب، يسري نصر الله، داؤود عبد السيد، خالد الحجر، كاملة أبو ذكري، ايناس الدغيدي.
أما في المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب) فقد انساق النتاج السينمائي هناك مقتفيا نمط الإنتاج الأوروبي وخاصة الفرنسي، مبتعدا بذلك عن آليات الإنتاج الأمريكي، ولهذا لم تتمكن هذه السينما من تحقيق قاعدة إنتاجية متينة مثل مصر، لأنها لم تضع في حساباتها تحقيق الأرباح المادية بقدر ما يُنظر إليها من قبل جميع الدوائر المرتبطة بحلقات الإنتاج باعتبارها خطابا ثقافيا نخبويا ليس الهدف منه تحقيق متعة شعبية تحقق أرباحا، وهذا الحال ينطبق على بقية البلدان العربية مثل سوريا والعراق ولبنان، فلاغرابة إذن أن تبقى عجلة الإنتاج في هذه البلدان تراوح في مكانها منذ عقود ولم تتقدم خطوات واسعة كما هو الحال في أمريكا أو الهند أو مصر.