في البدء نحب أهلنا، نجد أنفسنا محاطين بهم، نألفهم ونتعلق بهم. في بعض لحظات الانفصال عنهم يخترقنا ألم الفراق مثل سكين حادة، ويترك جراحا عميقة في نفوسنا، نشفى منها ربما مع الوقت، ولكننا أبدا لا ننساها. ليس سهلا أن نتقبل انقطاع الحبل السري الذي يربطنا بهم. الذهاب إلى المدرسة أول مرة كان قاتلا لعواطفنا، فتلك الرحلة المبكرة إلى فضاء يخلو من الأهل، كانت التدريب الأول لتحمل مشاق الانفصالات التالية، تلك التي ستفرضها علينا الحياة تباعا، ولا مفر منها مهما حاولنا التمسك بمن وما نحب.
تُخلصنا هذه الدنيا ممن اعتقدنا طويلا أنهم جزء منا، أو قطعة من أرواحنا، فترمي بنا بعيدا عنهم، فيما نحاول في كامل قوتنا أن نُبقي الخيط الرفيع بيننا وبينهم. نجد دوما ما يبقينا على تواصل معهم، إلى أن ينقطع ذلك الخيط إلى الأبد. وقد مررنا جميعا بمراحل كتابة الرسائل الورقية للأحبة من الأهل والأصدقاء. كتبنا الكثير من تلك الرسائل، التي حملت أشواقنا ودموعنا وأرواحنا. كثيرا ما لثمنا ورق الرسائل ليوصل قُبَلَنا وإن لم تكن مرئية، وكثيرا ما شممناها عسى أن نشم ما تبقى من لمس الأصابع الحبيبة لها. فعلنا ذلك طويلا، ولعلنا ظننا أن الأشواق ستلازم أمكنتها العميقة في القلب، ولا شيء سيتغير البتة في نظام مشاعرنا التي غدرت بها كل التوقعات. حتى الورق خاننا، فمن يكتب رسالة ورقية اليوم غير المؤسسات والبنوك التي ترسل لنا فواتير آخر الشهر؟ وهي الأخرى إلى زوال حتما.
خانتنا الاختلافات أيضا، وجعلت الحب يبدو قزما أمام جبروت الظنون السيئة، يخسر الحب أمام إشاعة مفبركة، أو اختلاف سياسي أو ديني بسيط، وينهار تماما أمام تقاطعات المعتقد والفكر والإيديولوجيا. هكذا تُنتهك مشاعرنا حتى نجد أنفسنا نبني جدرانا بيننا وبين من تقاسمنا معهم القلب ذات يوم. أين يذهب الحب، نتساءل، بعد أن تتعكر الأجواء في سمائنا المشتركة التي شهدت أفراحا سابقة، ويتوقف ذلك النبض الجميل الإيقاع؟ من يعرف جوابا شافيا؟ عسى أن يجد المعلولُ دواءً لعلة الفراق، ولوعة الشوق، وحرقة الجمرة التي ترفض أن تبرد. تنتهي العلاقات كما أي شيء آخر، تموت بعد عمر قد يطول أو يقصر، وإن ظلت صامدة في القلب، حتى ينطفئ المرء وينتهي.
إن أردنا أن نصنف العلاقات وفق معطيات المصلحة والصحبة والمحبة، سنجد أنها تتعدد بشكل يصعب علينا فرزها، فنحن نصاحب أناسا قد تجمعنا بهم نقاط مشتركة، وهذا المشترك هو الذي يحدد العلاقة، وهو نفسه العامل الذي قد يغشنا، ويجعلنا لا نفهم بالضبط نوع تلك العلاقة التي تربطنا بالآخر. لقد قرأنا عن درجات الحب وفق قدماء العرب، فقيل إنها اثنتا عشرة درجة، كما قيل إنها عشر درجات أو سبع درجات. كل اجتهد حسب فهمه اللغوي لهذا الموضوع رغم أنه سيكولوجي محض بالنسبة لي. وربما ما أعجبنا في تلك التقسيمات والدرجات هي الكثرة والاختلاف، فنحن حين نقع في الحب لا نعرف هل ما نشعر به شغف أم ود أم وجد، أم هوى أم غيره، فسيكولوجيا الإنسان معقدة تماما مثل جسده، لهذا كثيرا ما نخطئ ولا نفرق بين الحب والإعجاب، أو بين الحب والاشتهاء، أو حتى بين الصداقة والرفقة.
يخوض الأدب في العلاقات، كما الدراما والسينما، وقد كانت كلها ولا تزال وسائل جيدة لتعليمنا ما لا نعرف، ثم ازدهر قطاع بأكمله يهتم بتوضيح نوعية العلاقات وطرق بنائها.
للأسف نحن لا نملك ميزانا، أو مقياسا، أو آلة ما تقيس مشاعرنا وتضعها في الخانة المناسبة، ولكن ربما للتمهل وظيفة المقياس في جعلها تتوضح، حتى ينكشف عنها غطاء الغموض، هذا إذا كان التمهل كافيا، لأنه دون خوض تجربة الاحتكاك المباشر بالآخر، يصبح بلا منفعة، ولن يحقق أي نتائج مرغوبة.
يخوض الأدب في العلاقات، كما الدراما والسينما، وقد كانت كلها ولا تزال وسائل جيدة لتعليمنا ما لا نعرف، ثم ازدهر قطاع بأكمله يهتم بتوضيح نوعية العلاقات وطرق بنائها. ومع هذا ثمة ما يشوش علينا ويجعلنا نقع في المحظور نفسه عدة مرات، حين نخفق في بعض صداقاتنا وزمالتنا وشراكتنا. نحتار حين نعطي بلا حساب، حين نثق ثقة عمياء، حين لا ننتظر سوى الحب كمكافأة، فلا نحصل سوى على أقساط غير كافية لتغطية القليل مما أعطينا. تخيب آمالنا، وترفع الصدمة من هول الحدث العاطفي غير المتوقع ليجرفنا إلى أسوأ الأمكنة في أنفسنا.
ومع هذا لا داعي للتهويل، فلكل شخص تجربة فريدة من نوعها، حتى إن شهقنا من شدة التشابه بيننا وبين ما كتبته إيزابيل ألليندي عن نفسها وعن شخصيات مستمدة من عائلتها، أو بين ما كتبه تشيخوف أو دوستويفسكي، أو جبران خليل جبران، أو أعمال أخرى كثيرة، شرحت النفس البشرية وأخرجت خباياها للقارئ، مثل أغلب الأعمال الروائية الروسية الكلاسيكية وأدب أمريكا اللاتينية، مُنَبهة إيانا باكرا إلى أن المشاعر خطيرة، ويجب الاحتراس من الانسياق خلفها، أو إهدارها دفعة واحدة من أجل شخص وحيد، أو الاقتصاد فيها لدرجة البخل، أو الثقة في ثباتها، فيما هي أكثر ما يتغير فينا مع الأيام.
أريد أن أقول إن انتصاري للحب لا يعني أن حِيَل الحياة ستتوقف، أو أنها ستكافئنا بما نستحقه، فهي مخادعة، ومتغيرة مثل فصول السنة، فيها الماطر العاصف، وفيها الضاحك المبتهج، وهي إن جعلتنا متشابهين مرات، فقد جعلتنا مختلفين مرات أخرى، مع تذكيرنا دائما أننا خلقنا من الطينة نفسها، ولهذا قد تكون إحدى الروايات التي غاصت في أعماق هذا الإنسان ضمادة لجراحنا وتقلباتنا.
ما أريد أيضا أن أفهمه هو هل تنمو المشاعر مثلنا ومثل الكائنات الحية كلها على هذا الكوكب، فتبلغ عمرا معينا فتموت؟ فمن خلال تجربتي الشخصية توقفت عدة مرات أمام علاقات نشأت في فورة تعاطف أو إعجاب، ونمت بشكل أثار استغرابي، فبعضها تحول إلى شجرة ضارة في حياتي، وكاد يلتهم كل شيء جميل في داخلي، وبعضها الآخر ذبل ومات بعد عمر قصير، وآخر أثمر وظللني بمحبة لا تزال تتسع وتجذب أشخاصا جميلين مع الأيام يزيدونني طمأنينة وامتنانا. وهذا ليس كل شيء، في ما يخصني أنا أيضا أجدني في تقلبات عاطفية تجاه البعض، خائفة من التقصير معهم، ومع أولئك الذين لا يكفون عن العطاء بشكل يفوق طاقة استيعابي وعطائي. أليس الحب معادلة يتساوى فيها طرفان؟ فلماذا نفشل أحيانا في أن نكون عادلين ومتساوين مع الطرف المحب لنا، وما الذي يمنعنا من منح المحبة كاملة لمن يتفانون في محبتنا؟ ولماذا أحيانا نذهب بكل جوارحنا في الاتجاه الخاطئ، بسرعة الاصطدام الذي يحطمنا لا محالة؟
يقول علم النفس، إن عقولنا مجهزة للحب ولإصلاح التمزقات التي تحدث في حال انتهائه، ومن الغرابة أني قرأت حوارا لباحث في جامعة سانت لويس الأمريكية نشرته صحيفة «هافنغتون بوست» أن الأفراد الذين يتخلصون من شريكهم بحثا عن شريك جديد لديهم قدرة أكبر على الوفاء في العلاقة الجديدة، وبعبارة أخرى قال برايان بوتوايل «إن دوائر الدماغ التي تحدد العلاقات العاطفية هي نفسها تلك المرتبطة بالسلوكيات التي تسبب الإدمان، لهذا للتغلب على أي انفصال يجب اتباع خطوات التغلب على إدمان المخدرات».
لا أدري الآن هل يوافقني القراء على أن جرعة الحب اليومية التي نحتاجها يجب أن تكون صغيرة جدا حتى لا نبلغ مرحلة الإدمان، تحسبا لأي انفصال طارئ قد يحول حياتنا إلى جحيم؟ وإن كان الجواب بنعم فكيف نداوي حبنا الطفولي لآبائنا، وأخوتنا، حين يغادرون هذه الدنيا فجأة؟ وقد اعتقدنا طويلا أنه حب صغير ولم يبلغ أبدا حجم العشق والوله الذي حظي به أشخاص من خارج الفضاء العائلي. ها نحن مجددا أمام سؤال عويص آخر، يحتاج لكثير من البحث، ولا أدري إن كنا سنجد جوابا شافيا له.
شاعرة وإعلامية من البحرين