قَبلَ الكاتب والممثلين وبقية العناصر الفنية الأخرى التي يتشكل منها العمل الدرامي، يتحمل المخرج مسؤولية صورته النهائية التي يظهر بها أمام المتلقين من حيث الشكل والمضمون، وفقا لما يحمله من قيم وأفكار وقناعات فنية صاغتها ثقافته وموهبته وتجربته الاحترافية، والمخرجون لا يتشابهون في ما بينهم من حيث رؤيتهم للفن عموما ولميدان عملهم بشكل خاص، وعلى ذلك تتباين أساليبهم الفنية وطرقهم في العمل. وما يمكن تحديده عند الحديث عن المخرجين، ان هناك صنفان: الأول يقتصر دوره على تفسير أو تنفيذ أو ترجمة ما يجدهُ مكتوبا في نص المؤلف على الورق، بدون محاولة منه في ان يحيد عنه، وعلى الأغلب هذا النمط يكاد ان يكون شائعا في المنطقة العربية عموما، والعراق باعتباره موضوع مقالنا، أبرز مثال على ذلك. والملاحظ أن أعمال هذه المجموعة لا تخرج عن إعادة إنتاج الأسلوب ذاته في جميع الأعمال، واختزال الخطاب الفني إلى درجة متواضعة من الفهم، والنزول به إلى مستوى من البساطة إلى الحد الذي يتماهى مع السطحية والسذاجة لأنه لا يضيف أي جديد إلى وعي المتلقي ولا يدفعه إلى التفكير والتأمّل، مكتفيا بالمتعة الآنيّة التي تتبخّر مع الانتهاء من مشاهدة العمل. هؤلاء المخرجون ينظرون إلى المتلقي باعتباره محدود الفهم والذكاء، وهذه النظرة القاصرة تحمل في داخلها إساءة له، سواء بقصد أو بدون قصد، لأنها تفترض مُسبقا ان جميع المتلقين كتلة واحدة، والمخرج الذي ينطلق من هذا الفهم للعمل الفني وللعلاقة مع المتلقي يكشف عن محدودية وعيه الفني. ومتابعتنا للأعمال العراقية خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحيل غالبية العاملين في ميدان الإخراج إلى هذا الصنف من المخرجين، خاصة في الأعوام الأخيرة بعد شيوع ظاهرة التهريج وباتت قاسما مشتركا في جميع الأعمال التي تعرض على القنوات الفضائية، ثم ارتفع سوقها بوتيرة عالية بعد ان دخلت إلى حلبة الاستسهال قناة “mbc” العراق وما تقدمه اليوم من إنتاج يُحسب ظلما على الدراما. مع أننا لا نشك مطلقا بما يمتلكه المخرجان أوس واسامة الشرقي من موهبة مميزة تجعلهما يتفردان عن بقية المخرجين في المنطقة العربية وليس في العراق فقط، إلا انهما وقفا عن نقطة البداية التي انطلقا منها قبل عدة أعوام في قناة “الشرقية” بمجموعة أعمال استعراضية، كانت في حينها حافلة بالدهشة والمتعة والغرابة، وكنا نتوقع منهما ان يتقدما بخطواتهما الفنية إلى مرحلة أكثر نضجا وهما مؤهلان إلى ذلك، ولكن على ما يبدو أن للسوق سطوته.
مخرجون شعراء
الصنف الثاني من المخرجين يضع نفسه في مواجهة ندية مع الكاتب وأفكاره، بمعنى انه لا يرى النص وفق مسار المؤلف ولا يخضع لرؤيته التي بثها في المتن الحكائي، انما يحاول انطلاقا من مخيلته ان يجد معالجة فنية تعكس ذاته كفنانٍ خالقٍ، والخطوة الأولى بالنسبة له ان يقرأ ما بين السطور لاكتشاف ما غاب عن المؤلف من ثيمات وأجواء، والذهاب إلى أبعد من ذلك بإطلاق مخياله لابتكار عوالم جديدة تمنح النص دلالات جديدة لم يمسك بها المؤلف. هذا النموذج من المخرجين والذي يفتقده النتاج الدرامي في العراقي هو الأقرب إلى حقيقة الدور الذي ينبغي ان يكون عليه المخرج في إطار فهمه للعمل الفني والرسالة التي يبعث بها إلى المتلقي في خطابه الفني بشكل تلميحي غير مباشر. وبدون شك يقع على عاتق هؤلاء مسؤولية الارتقاء بمستويات لغة العمل من الناحية الجمالية، لأنهم حريصون بطبيعة تكوينهم الفني وثقافتهم وموهبتهم على تجاوز ما كانوا قد توصلوا إليه من أساليب واشكال في الطرح في تجاربهم السابقة، ودائما ما يكونون في حالة من القلق الإبداعي ما ان يبدأوا بمشروع جديد، ويبقى هذا القلق يلازمهم من لحظة التخطيط الأولى على الورق إلى لحظة الانتهاء من العمل وعرضه على الشاشة. وأبرز ما يبدو على شخصياتهم يتجلى في التفكير الدائم بضرورة تجاوز محطات فنية سبق ان مروا بها وأنجزوها، لأنهم ينظرون إلى أي مشروع جديد كما لو انه مغامرة لمستكشف في أرض مجهولة لم يصل إليها من قبل. والمغامرة الفنية بجوهرها لابد ان تكون تجربة معبأة بالدهشة والغموض والمتعة، وهي في محصلتها النهائية بمثابة اكتشاف كنوز جميلة في عالم يبدو قاحلا.
السيناريو أولا وليس النص
إن لغة الدراما لم تصل إلى ما وصلت إليه من ثراء في التعبير عن مكنونات النفس الإنسانية، وما تخبئه الأشياء المحيطة بنا من دلالات، لولا جهود كتيبة من المخرجين الذين يتوازى جهدهم الفني ورؤاهم مع بقية المبدعين في حقول الشعر والرسم والنحت والرواية، لانهم ينطلقون من طاقة التخييل وما تمنحه لهم من مساحة شاسعة في اللعب، وفي تفاصيل هذا اللعب الفني يأخذون النص المكتوب على الورق إلى مستويات جديدة من القراءة والخَلق فيبعثون الروح في شخصياته وأزمنته وأمكنته.
فالسيناريو الذي يكتبه المخرج ليس مجرد تنفيذ أو ترجمة لكلمات المؤلف، إنما صياغة فنية قائمة على مفردات وجملٍ تتشكِّل من جنسٍ فنيٍ آخر يتحرك فيه المخرج غير الذي بنى عليه المؤلف نصه، حيث تنتقل البنية الحكائية من شكلها الأدبي إلى شكل فني مرئي مكتوب بلغة يتداخل فيها الصوت والصورة، وما بين اللغتين (الكلمة المكتوبة والصورة) مسافة بعيدة تتحرك فيها مخيلة المخرج بما يمتلكه من أداة فنية تمنحها له مفردات العمل الفني. فمهمة المخرج تبدأ من بناء اللقطة وما تحمله من عناصر مثل: حجم اللقطة، زاوية النظر، التكوين، حركة الكاميرا، الصمت، الايقاع، اللون، التعبير، الإيماءة، وتتجلى في هذه المهمة خلق المناخ والايقاع العام للعمل الفني، وللأسف الشديد لم نعثر في الإنتاج الدرامي العراقي منذ تسعينات القرن الماضي على المخرج الذي يضطلع بمثل هذه المهمة.
الكاميرات الرقمية
من حيث التقنيات فإن الثورة التي حصلت في عالم الكاميرات الرقمية على المستوى العالمي جاءت بنتائج مهمة لصالح الدراما التلفزيونية، ربما بدرجة أكبر من السينما، وعلى إثر هذا التحول التقني وجدنا الكاميرات الرقمية تدخل الإنتاج التلفزيوني والسينمائي على حد سواء، فتغيرت الصورة من حيث الدقة وفرز الألوان والعمق البؤري وتنوّعُ العدسات والحساسية العالية ازاء الإضاءة، ولم تعد هذه المزايا مقتصرة على كاميرات السينما، حتى أصبحت الكاميرات تتنقل بين عالمي الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، فمخرج دراما التلفزيون يستخدم اليوم تقنيات الإنتاج السينمائي ليقدم لنا دراما تلفزيونية تحاكي الفيلم السينمائي من حيث جودة الصورة والأماكن الواقعية التي كان من الصعب ان تنتقل إليها كاميرات التلفزيون التقليدية. كما أن العامل التقني أتاح للإنتاج الدرامي امكانية عرضه في دور العرض السينمائية بعد ان شهدت هي الأخرى تحولا تقنيا أزاح آلات العرض التقليدية، وبدلا عنها حلت آلات عَرض رقمية لا تحتاج سوى فلاش ميموري أو أقراص مدمجة، ولم يعد هناك عُلب أفلام معدنية (بوبينات) تتكدس في غرفة العرض. أُشيرُ إلى هذه التفاصيل لِأصِل إلى ان الإنتاج الدرامي العراقي لم تنعكس عليه هذه التحولات التقنية لصالح نضجه الفني شكلا ومضمونا وأسلوبا، بينما شهدنا انعكاسه واضحا في نتاج بلدان عربية مختلفة مثل مصر وسوريا ولبنان وتعدى ذلك إلى عدد من دول الخليج بدرجة ما.
طبخة عراقية
منذ مطلع تسعينات القرن الماضي بدأ النتاج العراقي يشهد تراجعا كبيرا في مستواه الفني، واستمر على هذا المنوال إلى هذه الأيام، فمن حيث الكم تكاد ماكنة الإنتاج تكون قد توقفت منذ أكثر من عشرة أعوام، وما يتم تقديمه من أعمال خلال فترات متباعدة لا تحمل لونا ولا طعما ولا رائحة لتضاف إلى ركام ما سبق إنتاجه، بمعنى انها تحمل ذات العلل المستفحلة منذ أكثر من ثلاثين عاما، خاصة في ما يتعلق بالموضوعات التي يتم تناولها والتي يغلب عليها هروبها من مناقشة واقع الإنسان العراقي بجرأة وعمق، وما يحيطه من ظواهر وتحولات أخذته إلى عالم تحتشد فيه الأساطير والخرافات، وتركت في أعماقه بقعا معتمة وضَعت هويته الوطنية والإنسانية في مفترق طرق جميعها لا تبعث على التفاؤل، بل ترسم صورة قاتمة عنه تتشظى فيها ذاته إلى أجزاء متناثرة مثل وطنه، وغالبا ما يتم العزف وبشكل مُكرر على نغمة نشاز يتم بموجبها ترحيل الأزمات إلى الماضي وتحميله مسؤولية بؤس ورداءة الحاضر، وغالبا ما تكون الطبخة الدرامية العراقية حافلة بالخمّارات وفتيات الليل والسماسرة واللصوص والمجرمين، وكأنَّ بلاد ما بين النهرين تخلو من كائنات إنسانية تواجه الحياة وتحدياتها.
روّاد مبدعون
منذ منتصف ستينات القرن العشرين بدأ الإنتاج الدرامي مع انطلاقة البث التلفزيوني في العراق عام 1956 فكان أول بلد عربي أطلق محطة بث. ومع مطلع العقد السابع من القرن الماضي ارتفع الرصيد الفني للدراما المنتجة في العراق، جميعها كانت من إنتاج وحدة الإنتاج الدرامي في تلفزيون العراق الرسمي، ويعزى تطورها الملحوظ آنذاك يعود بدرجة أساسية إلى وجود مخرجين يملكون وعيا وموهبة وخبرة في إدارة العمل، يقف في مقدمتهم المخرج المصري ابراهيم عبد الجليل الذي قدم أعمالا مميزة في العراق، ومن بعده يأتي المخرج عمانوئيل رسّام. وبرحيل هذين الاسمين عن الحياة افتقدت الدراما إلى شخصية المخرج الذي يملك أسلوبا خاصا يفرضه على كافة العناصر الفنية، وهذا ما نجده طاغيا في أعمال ابراهيم عبد الجليل، منها على سبيل المثال (الدّواسِر، الذئب وعيون المدينة، النسر وعيون المدينة) وأعمال المخرج عمانوئيل رسّام (تحت موس الحلاق، الأيام العصيبة، فتاة في العشرين، حرب البسوس). في ما بعد وتحديدا مطلع تسعينات القرن الماضي راهن جمهور الدراما في العراق على المُخرِجَين (حَسن حُسني وصلاح كَرم) ليكونا استمرارا لمسيرة عبد الجليل ورسّام، إلاّ أنهما لم يحافظا على المستوى الفني الذي ظهرا فيه في بداياتهما وانكسر الخط البياني لأعمالهما متراجعا إلى الخلف خلال الأعوام الأخيرة خاصة تلك التي تم إنتاجها في سوريا بعد العام 2003 ولعل مسلسل “الفندق” تأليف حامد المالكي وإخراج حسن حسني، الذي عرض في شهر رمضان الماضي مثال على ذلك.
ازاء ذلك لا غرابة أن يكون النتاج العراقي بعيدا عن اهتمام وحسابات المتابعين للدراما التلفزيونية سواء من إدارة الفضائيات العربية أو المُعلِنين فيها أو عموم المتلقين، طالما افتقد إلى مخرج ساحر خلاق، يملك رؤية وأسلوبا واحترافية عالية، وبهذه المواصفات إذا ما توفرت وتم دعمها بدلا من أسماء معينة تحتكر ميدان الإخراج مثل جمال عبد جاسم وأكرم كامل وهاشم ابوعراق ورجاء كاظم منذ فترة طويلة رغم أنها لم تقدم ما يبقى عالقا في ذاكرة المتلقي، عند ذاك يمكن ان نرى منجزا فنيا يستحق الاستقطاب والمشاهدة اعتمادا على نفس الأدوات العاملة حاليا والتي تحتاج فقط إلى لمسةِ وإدارةِ وتحكمِ وتنظيمِ مخرجٍ مبتكرٍ حتى نراها بصورة أخرى.