المحاولات التي أجرتها مؤسسات الإنتاج التلفزيوني على النصوص السينمائية القديمة في التراث المصري للأفلام، وقف حيالها الجمهور والنقاد ما بين مؤيد ومعارض، فلم تحظ كل الأعمال المنقولة حرفياً من الشاشة الكبيرة إلى الشاشة الصغيرة بالإعجاب، حيث ظهرت أغلب التجارب متهافتة وضعيفة وبدت كأنها مجرد تقليد أعمى ونزوع فاشل إلى استغلال النجاح الجماهيري بغير أدنى محاولة للإضافة الغيجابية لتحسين الشكل والمضمون أو تطويع النص السينمائي لخدمة التوظيف الدرامي الجديد، اللهم غير عملية المط والتطويل التي شوهت العمل الأصلي فخصمت من رصيده الشعبي وهبطت به إلى مستوى أقل بكثير مما كان عليه.
الإشكالية ذاتها ظلت عقبة أمام عمليات التجريب الأخرى التي مثلت تيارا موازيا للتيار السينمائي، فأدى ذلك إلى التراجع النسبي في بقية المحاولات التي كان مُزمعاً تنفيذها لو أقبل الجمهور بشكل كبير على المسلسلات المنقولة عن الأفلام، وقد تم رصد ميزانيات ضخمة لإنجاز كميات وفيرة من الأعمال الدرامية المماثلة، لكن الخوف من الفشل أحبط كافة الاستعدادات وحول النوايا في اتجاه آخر، تماماً مثلما حدث في مسلسلات السير الذاتية في مراحل رواجها الأولى قبل نحو عشر سنوات ثم اختفائها التدريجي بعد الملل الذي أصاب المتحمسين لها لكثرة انتشارها والمغالطات التي اعترتها وتسببت في بعض المشكلات للكُتاب والمخرجين والأبطال.
من بين ما تم نقله من شاشة السينما إلى الشاشة الصغيرة مسلسل «رد قلبي» المأخوذ عن الفيلم الشهير بنفس العنوان للكاتب الكبير يوسف السباعي والأبطال شكري سرحان وأحمد مظهر ومريم فخر الدين وصلاح ذو الفقار، والمسلسل المذكور بالتحديد أخذ نصيب الأسد من النقد اللاذع، لأن الجمهور عقد مقارنات تلقائية آن ذاك بين أبطال الفيلم القديم وأبطال المسلسل الجديد محمد رياض ونرمين الفقي وغيرهما ولم يشعر بثمة تقارب بين الحالتين على أي مستوى، وزاد على ذلك الحملة التي شنتها بطلة الفيلم إنجي أو مريم فخر الدين على نظيرتها نرمين التي جسدت نفس الشخصية، فضلاً عن سهام النقد الأخرى التي أصابت بقية الأبطال الرئيسيين والثانويين.
وكذلك كان مسلسل «الزوجة الثانية» واحداً من الأعمال التي واجهت موجة من الرفض الكامل لعدم تقبل الجمهور بوجود بدلاء لسعاد حسني وشكري سرحان وصلاح منصور، فلم يكن أبطال المسلسل أيتن عامر وعمرو عبد الجليل على المستوى المقنع من وجهة نظر من شاهد وأمعن في المشاهدة وأعمل حسه النقدي وفق ذائقته الفنية ورأيه في الحبكة الدرامية بما أضيف إليها من مُكسبات الطعم والنكهة الشعبية. وفي مسلسل «أدهم الشرقاوي» الذي قام ببطولته محمد رجب وأعيد تدويره نقلاً عن الفيلم المهم لعبد الله غيث وتوفيق الدقن ولبنى عبد العزيز وشويكار وزين العشماوي وعبد الوارث عسر ومحمد رضا وسميحة أيوب، مع صوت عبد الحليم حافظ المُعبر عن الملحمة الشعبية المعروفة، حدثت نفس المقارنات الجماهيرية ولم ينتصر أحد لفكرة الاستنساخ، بل قوبل العمل بكثير من التحفظ وبالقطع كانت صور الأبطال القدامى حاجزاً منيعاً أمام التفاعل المرجو فباءت التجربة أيضاً بالفشل.
وعلى مستوى المقارنة بين فاتن حمامة وفردوس عبد الحميد في العمل الأدبي الفارق للكاتبة سكينة فؤاد «ليلة القبض على فاطمة» جاء المعيار مختلفا لأول مرة، حيث رحبت القاعدة العريضة من الجمهور لأول مرة بالمسلسل وأثنت الغالبية العظمى على أداء فردوس عبد الحميد وفاروق الفيشاوي بما يؤكد أن القاعدة في الحكم ليست مُطلقة وأن العبرة بالإجادة والقيمة الإبداعية المُضافة التي يتحدد على أثرها رأي الجمهور والنقاد.
هناك أعمال أخرى كمسلسل «الصبر في الملاحات» الذي حالفة التوفيق في الإذاعة وأيضاً نجح النجاح المتوقع في السينما بنفس الأبطال تقريباً نبيلة عبيد وتحية كاريوكا وسعيد صالح، ويعد أيضاً من الاستثناءات القليلة في عملية النقل النصي من الإذاعة أو السينما إلى التلفزيون أو العكس. وربما يأتي القياس على رواية «ميرامار» لأديب نوبل نجيب محفوظ منطقياً، فالرواية تم تجسيدها إذاعياً وسينمائياً بأبطال مختلفين وفي الحالتين نجحت نجاحاً مُلفتاً، فقد قام ببطولتها في الإذاعة عزت العلايلي، بينما قُدمت في السينما من خلال بطولة جماعية لعدد من النجوم منهم، شادية ويوسف شعبان وعبد المنعم إبراهيم وعماد حمدي وآخرون.
ويبقى فيلم «العار» للكاتب محمود أبو زيد والمخرج علي عبد الخالق نموذجاً معكوساً ودليلاً على عدم ضمان النجاح للأعمال المقصوصة والملصوقة إلا في ظروف معينة وبحسب الحالة الإبداعية والفنية الخاصة، فتوافر المُعطيات اللازمة لخروج المسلسل المنقول بشكل لائق من الممكن أن يغير من الحُكم السلبي عليه ويضعه في قائمة الأعمال المتميزة فيخرج عن إطار الرفض المُسبق ويفلت من معايير المقارنة الصعبة التي تأتي غالباً في صالح الفيلم السينمائي لاعتبار الأولوية والأسبقية وتأثير الصورة الانطباعية الأولى التي ترسخ في عقل ووجدان وذاكرة المُتلقي.