لن يكتمل أي عرض مسرحي إلاّ إذا كان الممثل عنصره الأساسي، باعتباره مركز القلب في العرض، إلى جانب النص والمتلقي، ولن يتحول الحوار الذي يشكل عنصرا محوريا في النص، إلى عالم نابض بالحياة، إلاّ عبر الممثل، لكونه الوسيط الحيوي بين النص والدلالات الإخراجية والمتلقين، وإذا ما توفَّرت في الممثل إلى جانب الموهبة، خبرة متراكمة مجسدة في تقنيته الخاصة، فإنه بذلك سيتمكن من أن يحيل عوالم وإشارات النص إلى تفاصيل وسلوكيات وأفعال قرينة للواقع، ومن أن يفرز حضوره عن غيره من الممثلين.
هناك قلة من الممثلين في العراق من الذين يقفون على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا، توفرت في شخصيتهم الفنية طاقة خاصة، قبل أن يدرسوا فن التمثيل منهجيا، فتجدهم يتوهجون أثناء أدائهم، وهم يتنقلون في عوالم الشخصية السايكولوجية بين الوعي واللاوعي، معتمدين على خامتهم الفريدة التي تعينهم بشكل خفي وغامض على أن يتوصلوا إلى حلول ساحرة بسلاسة ومرونة، وكأنهم يبدون لنا لا يبذلون أي جهد للتعبير عن الحالات الدرامية المُركَّبة في بناء الشخصية، ومثل هذا الممثل الذي تسري الموهبة في شرايينه بالفطرة، إذا ما صقل موهبته بالدراسة الأكاديمية، نظرا لما ستمدُّه من معارف وتقنيات في مدارس التمثيل، وما تقدمه من خبرات في التحليل والتصور والتركيب وفي إطلاق العنان للمخيلة، بالتالي ستكون الحصيلة العلمية التي تلقاها، بمثابة المَاء الذي يُسقي نبتة موهبته، فتنمو وتزُهر وتفوح بعطرها على المتلقين. والممثل العراقي ريكاردوس يوسف تنطبق عليه مجموع هذه التوصيفات، ففي كل ما قدمه ويقدمه من شخصيات، يمارس لعبته بمتعة واضحة في الخروج من شخصيته والدخول في الشخصيات التي يقدمها بمرونة يُحسد عليها، حتى أن الحدود تتماهى في لعبته للشخصية المسرحية، ما بين عوالمها الداخلية والخارجية، والمتلقي يصبح غير قادر عن الإفلات من حالة الاندماج والتوحد مع ما يقدمه.
ما أن وصَل يوسف إلى العاصمة بغداد في منتصف سبعينات القرن الماضي، قادما من محافظة نينوى، ليدرس المسرح في كلية الفنون الجميلة، حتى فرض حضوره الآسر على خشبة المسرح بين زملائه الطلبة، عندما أسند له المخرج سامي عبد الحميد شخصية «كلكامش» التي أعدها مسرحيا عن نَص الملحمة العراقية التي سبق أن فك رموزها العلامة طه باقر، وفي حينه كان ريكاردوس طالبا في المرحلة الثانية من دراسته، فكان تألقه المدهش في هذه التجربة أفضل فرصة له لكي يثير انتباه الوسط المسرحي في العاصمة إلى ما يمتلكه من سطوة في الحضور عندما يقف على خشبة المسرح، فحدثت أول نقطة تحول في مسيرته المسرحية، حيث بدأ نشاطه يتجاوز حدود خشبة مسرح الكلية، ليكون ضمن صفوة نجوم المسرح العراقي، حينها جاءته الفرصة عام 1977 ليكون ضمن الشخصيات الرئيسية في فيلم «بيوت في ذلك الزقاق « للمخرج قاسم حَوَل.
ولعل ذكاءه كممثل يتجلى في ما يمتلكه من فطنة دراماتورجية في توظيف تقنيات الأداء الجسدي والصوتي لصالح تقديم الشخصية، كما لو أنه يتصرف بعفوية، واسترخاء وفعالية داخلية، لتكون مصدر حيوية ونشاط لبقية العناصر التي تتشارك معه اللحظات الدرامية، مع أنه بغاية الحرص على مراقبة أداءه، وتنظيمه وتوظيفه بحدود مرسومة، لا يسمح فيها لطاقته الانفعالية في أن تخرج عن مدركاته الحسية وحدود ما يتطلبه عمل الممثل في أن يكون مَرِنا ومسترخيا ومتوهجا في آن فيما هو يتنقل في أدائه من حالة إلى أخرى، وهذا يشير إلى أنه ممثل قادر على الأمساك والسيطرة على تدفق مشاعره مهما كانت الشخصية التي يقدمها ذات طاقة انفعالية.
قبل أن يلتحق للدراسة في كلية الفنون كان أحد أبرز أبطال العراق في لعبة القفز بالعصا بمدينة الموصل، أيام كانت ألعاب الساحة والميدان مزدهرة فيها، وتضم بين صفوفها عديد النجوم الذين رفدوا المنتخبات العراقية، وهذه البداية الرياضية انعكست على أن يكون حضوره مميزا عن بقية الممثلين، في رشاقته ولياقته البدنية العالية ومرونته الجسدية، وكل هذه الخصائص من أولويات ما ينبغي أن تتوفر في الممثل. ومن السمات المهمة الأخرى التي جعلته في مكانة خاصة ما يتمتع به من حيوية لافتة للنظر، سواء في الحياة الاجتماعية أو عندما يكون على خشبة المسرح.
التألق في مسرحية غاليلو
أيام كان طالبا في السنة الأخيرة من دراسته في كلية الفنون الجميلة عام 1978 جاءته الفرصة التي كان يبحث عنها، عندما مثَّل في مسرحية «غاليلو» للمؤلف برتولد برشت وإخراج الراحل عوني كرومي.
في هذا العرض وصل أداؤه لشخصية غاليلو أعلى ما يمكن أن يصله الممثل، وهو يمتحن تقنياته في إيصال التحولات النفسية التي تمر بها شخصية غاليلو في اللحظات التي يواجه فيها سلطة الكهنوت، وكذلك في تجسيد المراحل العمرية المتقدمة التي يصل اليها قبل أن يموت.
لا غرابة إذا ما قلنا أن أداءه لشخصية غاليلو أصبح مقياسا لكل الممثلين، إذا ما كانوا يطمحون أن تكون لهم مكانة مميزة في عالم التمثيل المسرحي، فقد أسدَل الستار على أعلى نقطة يمكن أن يرتقيها الأداء، حتى أصبح هذا العرض من العلامات الفارقة في تاريخ المسرح العراقي، ولا أظن أن أي ممثل آخر استطاع أن يتجاوز ما حققه ريكاردوس في هذه التجربة، والفضل في نجاحه يعود إلى المخرج عوني كرومي الذي اعتمد عليه في تقديم هذه الشخصية، ولقناعة كرومي أن هذا العرض سيكون بمثابة البوابة الجمالية التي سيدخل منها إلى حلقة المخرجين الكبار في المسرح العراقي، ولتأكيد ما اكتسبه من معارف وخبرات في المسرح الملحمي أثناء دراسته في ألمانيا في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي بعد نيله شهادة الدكتوراه في المسرح.
أحيانا ينضب عطاء الممثل، ويتوقف عن تقديم أي إضافة مهمة إلى مسيرته، والأسباب هنا مختلفة، لكن أبرزها عندما يشعر أنه قد وصل إلى مرحلة الكمال، حينها ينتهي الشغف لديه في اكتشاف ما هو جديد، ويموت الحافز الذي دفعه في بداياته إلى أن يخوض تجارب متنوعة بروح المُغامر، فيقف مراوحا عند آخر محطة وصل إليها، بالتالي ينطفئ الوهج الذي كان ينبعث من داخله وهو يقف على الخشبة، إلاَّ أن ريكاردوس يوسف ورغم مضي أكثر من ستة عقود على اقتحامه عالم التمثيل في المسرح والتلفزيون والسينما، ما يزال يسعى إلى خلخلة كل ما توصل إليه من تقنيات وحرفية، وكأنَّه لم يغادر ذلك الشاب المسحور بخشبة المسرح وفن التمثيل، ويطمح أن يقدم نفسه لجمهوره بكل ما يثير فيه الدهشة والاحساس بقوة الاشعاع الذي ينطلق من شخصية الممثل.
التنقل الحر بين المدارس الفنية
في تاريخ الممثل ريكاردوس عشرات العروض المسرحية التي شهدت على أنه ممثل من طراز خاص، يمتلك ما يكفي من القدرات الأدائية للتنقل بين مدارس التمثيل، سواء المسرح الملحمي/البرشتي، أو التمثيل وفقا لطريقة المعلم ستانسلافسكي، أو بقية المدارس الأخرى. ويقف خلف تلك العروض أهم المخرجين العراقيين الذين حفروا أسماءهم في ذاكرة المسرح العراقي.
ولا يجد أي مخرج صعوبة في التعامل معه، وهذا الأمر ينسحب أيضا على أدائه في الدراما التلفزيونية والسينما، فالاستجابة لديه لا تجعله يبذل مجهودا كبيرا حتى يتوافق أداؤه مع مقتضيات التمثيل أمام الكاميرا، فلا يسرف في الانفعالات، ولا يبالغ في التعبير الجسدي، ولا يتعمد أن يستدر عواطف المتلقي، وهذا لأن بوصلته التقنيّة ما تزال تعمل بشكل سليم، طالما لا يستند إلى أقنعة جاهزة في تقديم الشخصيات، بل ينحاز إلى خيار البحث والتقصي والتجريب قبل أن يبدأ في خلق سمات الشخصية داخل مرآة ذاته المبدعة.
وبعد أن أحيل إلى التقاعد قبل عشرة أعوام حيث كان يعمل أستاذا لفن التمثيل في عدد من معاهد وكليات الفنون الجميلة داخل العراق لأكثر من ثلاثة عقود، اختار مرغما مغادرة العراق بسبب تردي الأوضاع الأمنية ليستقر في الولايات المتحدة الأمريكية، إلاّ انه ورغم ظروف الغربة استطاع أن يلم شمل الفنانين المغتربين ويترأس فرع نقابة الفنانين العراقيين هناك، وفي رمضان هذا العام 2023 سيطل على الجمهور في مسلسل جديد من إنتاج إحدى القنوات الفضائية، ولا شك أبدا في أنه سيحقق حضورا كبيرا لدى الجمهور العراقي حال عرضه على الشاشة، لأنه يملك رصيدا كبيرا من الاحترام والمحبة نظرا لجاذبية أدائه.
الممثل ريكاردوس يوسف واحد من قلة قليلة جدا من الممثلين العراقيين والعرب، الذين لو توفرت فرصة أمامه ليقف أمام أفضل الممثلين المعروفين عالميا، لاستطاع أن يختطف منهم سحر حضورهم سواء على خشبة المسرح أو أمام الكاميرا، ولكن فرصة التواجد والانتشار في عالمنا العربي دائما لا تحكمها الموهبة ولا الامكانات التي يمتلكها الممثل، بقدر ما تتلاعب بها عوامل وظروف أخرى.
سيرته الذاتية تشير إلى أنه شارك في العروض المسرحية الآتية: «كلكامش» 1976 إخراج سامي عبد الحميد، «غاليلو» 1978 إخراج عوني كرومي، «ألف رحلة ورحلة» إخراج عزيز خيون، «شموكين» 1980 إخراج شفاء العمري، «السيف والطبل» 1991 إخراج شفاء العمري، «الزير سالم» شفاء العمري، «حسين رخيِّص»1981 إخراج محسن العلي، «نزق الآباء» إخراج سامي عبد الحميد، «دائرة الفحم البغدادية» إخراج ابراهيم جلال، «أميركا» إخراج وجدي العاني، «البدوي والمستشرق» 1994 إخراج عقيل مهدي، «جسر آرتا» إخراج بدري حسون فريد، «انسوا هيروستراد» إخراج فاضل خليل، «عيد وعرس» إخراج سليم الجزائري.