النائب العام الجديد في السودان لـ«القدس العربي»: لجنة التحقيق في فض الاعتصام لها سلطة الاعتقال وتقديم المتهمين للمحاكمة

عمار عوض
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: كشف النائب العام الجديد في السودان، تاج السر الحبر، في أول حوار صحافي خص به «القدس العربي» عن مباشرته بتشكيل العديد من لجان التحقيق للنظر في الانتهاكات والجرائم التي حدثت في ظل حكم الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، موكداً أن سلطاته التي فوضها للجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، تخولها الاعتقال وفتح دعاوى جنائية ورفح الحصانات عن المشتبه فيهم، ودعا المواطنين للتقدم بشكاويهم ودعاويهم وشهاداتهم في أي قضية تتعلق بالفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان.

■ ما خطط الإصلاح المؤسسي للنيابة العامة لتلعب دورها المنوط بها في ظل معايير دولية تتطلب الاستقلالية؟
□ قبل 2017، النيابة العامة كانت جزءا من وزارة العدل، وبعد ذلك صدر قانون النائب العام، وينص على استقلاليته من كل الجوانب إدارية كانت أو مالية. ولأن التجربة حديثة لناحية الوظائف المختلفة والاختصاصات، نأمل في إجراء إصلاحات جوهرية في النيابة لتلعب دورا في الأداء العدلي في السودان.
■ في سياق ذلك ما المعوقات التي تواجهونها؟
□ حالياً، نواجه عدة مشاكل، مثل المقر والميزانيات والموارد البشرية، حيث نعمل بـ20 ٪ فقط، فوكلاء النيابة لدينا 593، وأحجم الكثير من مستشاري وزارة العدل في وقت سابق عن العمل بالنيابة لأسباب خاصة. على أي حال سنعمل لاستقطاب كوادر للعمل بالنيابة، وطلبنا كمرحلة أولى التصديق على 500 وظيفة، وهذا سيحل مشاكل كثيرة خاصة في مناطق دارفور.
■ هل هنالك أي نية لتعديل قانون النيابة؟
□ بالنسبة لقانون النيابة يحتاج فعلا إلى تعديل، هناك مسائل ضرورية لا بد منها مثل تمكين النائب العام من إعادة الهيكلة، وترتيب الأوضاع داخل البيت بحيث يكون الأداء بكفاءة عالية، وخاصة أن النيابة تتعامل مع أجهزة أخرى مثل الشرطة وعدد من الأجهزة التنفيذية لتنفيذ أحكامها، وبالتالي، لا بد من تعديل قانون النيابة ليستوعب المتغيرات الجديدة.
■ كثيرون يرون التحدي في السودان هو وضعية حقوق الإنسان؟
□ أغلب المسائل التي أمامنا، انتهاكات لحقوق الإنسان، هناك بعض لجان التحقيق التي تم تكوينها وأصدرت بعض التقارير ليس باحترافية عالية قياساً إلى المستوى الذي تتطلبه المعايير الدولية ونحن مصادقون على كل العهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والعمل أمامنا كبير لإعادة إصلاح وهيكلة النيابة.
■ هل قامت النيابة بفتح تحقيقات من تلقاء نفسها أم ستنتظر شكاوى من المواطنين ومن ثم ترفع دعاوى جنائية؟
□ وفق قانون الإجراءات الجنائية هناك حالتان، إما شكوى أو بلاغ، والنائب العام لديه سلطة ليأخذ علما بأي جريمة حدثت، كما تعلم فإن الوثيقة الدستورية قد نصت على معاقبة كل الجرائم التي ارتكبت منذ عام 1989 وحتى تاريخه، ذلك يعني أن النيابة يجب أن تأخذ علما بأي جريمة، وعليه، لا تحتاج إلى تقديم شكوى. لكن الباب مفتوح لكل مواطن تضرر بسبب الممارسات السابقة، نحن على استعداد لتلقي البلاغ أو الشكوى وفق نص القانون وبعدها نبدأ إجراءات التحري.
■ كثرت اللجان التي تم تكوينها من قبلهم، ما الدافع إلى ذلك؟
□ بالفعل شكلنا لجان تحقيق متعلقة بانقلاب (الرئيس المخلوع عمر البشير) في يونيو/ حزيران 1989، فضلا عن قضايا الفساد الرئيسية، وكذلك حول الأحداث التي وقعت اثناء حراك سبتمبر/ أيلول 2013 وغيرها. والوثيقة الدستورية تنص على معاقبة كل الجرائم التي ارتكبت منذ عام 1989 حتى صدور الوثيقة، وذلك يعني فتح هذه الملفات، ومن الصعب جدا على النيابة بوضعها الحالي ومع تجربتها البسيطة أن تتولى بنفسها كل هذه الإجراءات، لذا شكلت عددا من اللجان الأساسية تشمل قضايا الإخلال بحقوق الإنسان التي حدثت منذ عام 1989 إلى أحداث سبتمبر التي قتل فيها حوالى 200 شخص خرجوا في مظاهرات سلمية وتمت مواجهتها بعنف غير مبرر، وأيضا خلال الفترة من 1989 كانت هناك مسائل مزعجة حيث تم تعذيب مواطنين في الحراسات والمعتقلات في ما يسمى تجاوزا (بيوت الأشباح). عليه، كان لا بد من التحقيق في كل هذه الانتهاكات على مستوى النيابة العامة، ونحن نامل في تكوين المفوضية الخاصة للعدالة الانتقالية لأنها مهمة جدا في هذه المرحلة. وسنستفيد من تجارب الدول الأخرى في المواقف المشابهة، وسنستمر فيها بالقدر المتاح من القدرات داخل النيابة بإشرافي المباشر، ثم بعد ذلك تواصل هذه الاجراءات في شكل لجان حتى تقدم هذه القضايا إلى محاكم.
■ واحد من مطالب الثورة تقديم رموز النظام السابق للمحاكمة، هل حققت معهم، وما هو وضعهم القانوني ؟
□ أي شخص حوله شبهات من رموز النظام البائد هو الآن على ذمة التحقيق في بلاغات مفتوحة، وعلى رأس هذه البلاغات قضية تقويض النظام الدستوري عام 1989 الذي يدخل تحت طائلته عدد من المعتقلين من العسكريين والمدنيين، وهناك بلاغات فساد مختلفة يجري تحقيق فيها، وهناك فساد الأراضي والخصخصة وبيع أصول الدولة بدون استيفاء الإجراءات المنصوص عليها في اللوائح. كل رموز النظام، وأي شخص عليه تهمة فساد الآن قيد التحقيق.
■ بالنسبة لبلاغ تقويض النظام الدستوري في 1989 (انقلاب البشير) هل نحن في مرحلة التحريات الأولية أم تم توجيه تهمة مبدئية؟
□ هنالك بلاغ مفتوح بدأت فيه إجراءات للتحقيقات، وأخذت أقوال عدد من الشهود، ومؤشرات خطة الاتهام واضحة، واليوم تم استجواب البعض لكن نحن عندنا إشكال أمني في إحضار المتهمين من سجن كوبر إلى موقع التحقيق، ولدينا ترتيبات حولها والبلاغ يمضي بإيقاع معقول.

جراحة قانونية

■ تحدثت الوثيقة الدستورية عن ضرورة تفكيك دولة التمكين بما في ذلك النيابة بالطبع، فما هي ملامح هذه الخطة، إن وجدت؟
□ لا يمكن أن تتم عملية التفكيك ما لم يتم تعديل القوانين السارية المفعول، لأن القوانين فيها أشياء كثيرة تغل يد الأجهزة إذا أرادت التحرك للأمام في هذا الموضوع، وهناك عدد من الآراء، منها رأي يقول إنه لا بد من استصدار قانون لتفكيك دولة التمكين لأعضاء النظام البائد القائمة الآن من حيث إعادة الهيكلة ومن حيث السياسات.
هناك لجنة تكونت لتعديل قانون النائب العام وأنا وضعت المؤشرات العامة لتعديل هذا القانون بجانب القانون الجنائي والأخير لا يشمل تخريب الاقتصاد والإهمال في حفظ المال العام، وأمامنا المادة 177 التي تتعلق بخيانة الأمانة وقانون الثراء الحرام.

دعا المواطنين للتقدم بشكاويهم ودعاويهم… وأكد متابعة قضايا فساد الأراضي

هذه القوانين لا بد من إعادة النظر فيها، لأن ثمة مسائل لا تدخل في الثراء الحرام أو خيانة الأمانة، وتدخل في عملية تخريب الاقتصاد، والآن لدينا لجنة لمراجعة هذه القوانين.
هناك بعض القوانين ذات أثر مزعج قليلا واستغلت بطريقة غير سليمة، ولم تحقق أغراضها، وإنما كانت لأغراض غير قانونية مثل المادة 152 التي تتعلق بالزي الفاضح، كانت مزعجة جدا للمجتمع. قانون النظام العام لا بد من تعديله. من حيث الهيكلة نحن في مرحلة إعادة ترتيب البيت داخليا، ومن حيث الإصلاح القانوني سنقوم بجراحة قانونية قد تكون مزعجة قليلا لكن لا بد منها.
■ منحتم لجنة التحقيق بفض الاعتصام سلطات النيابة العامة، لماذا؟ وماذا تنتظرون منها؟ بمعنى هل ستستفيد من تحرياتها في فتح تحقيق جنائي إذا تطلب الأمر؟
□ هذه المسألة كانت محل نقاش طويل مع وزير العدل، وخلصنا إلى ان اللجنة بتكوينها الأول وتحت قانون لجان التحقيق لا يمكن أن تحقق في جريمة الاعتصام. اللجنة بتشكيلها الأول لم يكن لها أن تقدم سوى تقرير، ولا أظن أن أسر الضحايا كان يمكن أن ينتظروا مدة 6 شهور، فيصدر قرار يقول لهم نحن وجدنا أن هناك جريمة ارتكبت، وعليكم التوجه للمحاكم، هذه مسألة غير مقبولة. ولذلك تدخلنا وتوصلنا إلى أنني كنائب عام أعطي سلطاتي للجنة التحقيق في فض الاعتصام، بحيث يكون لها سلطة التحري وتأمر بالقبض وتفتح بلاغات، وتباشر إجراءات، كما لو كانت نيابة عامة وتقدم المتهمين للمحاكمة، وأي شخص يثبت أن هناك بينة مبدئية ضده وله علاقة بفض الاعتصام يجب أن يقدم للمحاكمة. من هذه الزاوية فلا بد من ان تمنح لجنة تحقيق فض الاعتصام هذه السلطات.

توسيع اللجان

■ هنالك قضية كبيرة تتمثل في المختفين قسريا بعد فض الاعتصام ينتظر الناس التحقيق حولها، وهناك رأي يقول إن هذه اللجنة يجب أن يتم تعديلها لخلل في أعضائها؟
□ هنالك لجنة شكلها النائب العام السابق لكن المستوى وطريقة تشكيلها حقيقة لا يؤدي الغرض منها، الأربعاء الفائت، التقيت ببعض أسر المفقودين وسمعت وجهة نظرهم وسط نقاش تم على مستوى مجلس السيادة، وتوصل إلى أن هذه اللجنة القائمة حاليا لن تحقق النتائج المرجوة منها، لذلك قررت إعادة تشكيلها بمستوى أعلى بحيث تشمل كل الأجهزة على أن نستفيد أيضا من تجارب المكتب الإقليمي للمفوض السامي لحقوق الإنسان. بإيجاز هناك مسألتان، الأولى هي الجثامين التي تم دفنها دون أن يتم التعرف عليها، والمسألة الثانية المفقودون. لجنتان سأعيد تشكيلهما لتكونا لجنة واحدة فقط، لكن على مستوى أعلى بكثير حيث سيكون فيها رؤساء نيابة وأطباء شرعيون وممثل لأسر المفقودين، وهم قاموا بتسمية محام لهذا الغرض، وهذه اللجنة لها أن تستفيد من كل الخبرات ولن تحصر نفسها في دائرة السودان وستتجاوز حدوده إذا كان هناك مقتضى لذلك.
■ هناك سابقة لجان ديوانية التي شكلها البشير لقضايا مثل حراك سبتمبر وغيره، هل ما وصلت إليه اللجان السابقة سيهمل؟ وما الفرق بين اللجان السابقة واللجان التي شكلتها الآن؟
□ اطلعت على تقرير لجنة سبتمبر ولجنة أحداث بورتسودان وخلافها، هذه التقارير لم تكن تستوفي المعايير الدولية في أداء تحقيقاتها، ونحن طبعا لا نبخس من قاموا بهذه التحقيقات، ولكن سنستفيد من كل المعلومات الموجودة فيها، ومعضلة هذه اللجان أنها كانت كلما وصلت لنقطة معينة أو موقع معين لتوجيه سير الاتهام في جهة معينة، كانت الإجراءات تتوقف، ونحن سنتجاوز هذه المرحلة والعقبة وأي شخص يتضح لنا أن لديه علاقة أو مشتبه فيه فيما يتعلق بهذه الجرائم سنتخذ الإجراء المناسب في مواجهته.
■ ما هو الدور الذي ستلعبه النيابة بخصوص فساد الأراضي؟
□ كل قضايا الأراضي الآن قيد التحقيق، وأغلب رموز النظام متورطون في هذه التصرفات الفاسدة، وعلى رأسهم الوالي السابق عبد الرحمن الخضر. ومشكلة الأراضي أن الناس ترى أبراجا تنشأ فجأة أو أراضي تم توزيعها وساحات تم التصرف فيها. كل هذه الملفات مفتوحة الآن في التحقيق، ونحن من تلقاء أنفسنا فتحنا تحقيقا، ويمكن لكل مواطن لديه معلومة أن يقدمها، مستعدون للتحري والتحقيق فيها ولكن على مبدأ براءة المتهم إلى أن يثبت العكس. ومجال عملنا يشمل كردفان والبحر الأحمر.
■ الوثيقة الدستورية تنص على أن الفساد المالي لا يسقط بالتقادم، هل لديكم نية لتتبع أي أموال داخل أو خارج السودان والحجز عليها، أم أن هذه القضية ليست من صلاحياتكم؟
□ السودان صادق على العهد الدولي في مكافحة الفساد، ونحن سنستفيد من كل الآليات المقررة في هذا العهد، وستتم إجراءات ومخاطبات.
■ هل لديكم نية لمتابعة قضية مجزرة يناير2005 في بورتسودان التي قتل فيها عشرات المحتجين السلميين برصاص القوات النظامية؟
□ نعم، من الأشياء المؤسفة في هذه القضية أنها ظلت أمام المحكمة الدستورية لعدة أعوام حتى صدر فيها قرار بحق ذوي الضحايا باللجوء إلى القضاء. النظام السابق لا يسمح لك باللجوء إلى النيابة العامة لفتح بلاغات رغم وجود جرائم قتل لعدد كبير من الأشخاص أو النيابة العامة، ولا يؤخد العلم بوقوع هذه الجرائم بشكل تلقائي، هذا إجهاض لسيادة حكم القانون. نحن في اتجاه أن يتم التحقيق عن طريق لجنة محايدة ومستقلة تتمثل فيها كل الجهات ذات الصلة بهذا الملف.
■ بالنسبة لجرائم دارفور كان هناك مدع خاص بالجرائم التي وقعت هناك من النظام السابق، هل كونت أي رؤية عما كان سابقا أم ستبدأ عملا جديدا؟
□ قضية دارفور معقدة جدا، هناك أمر صادر من المحكمة الجنائية الدولية، وهناك عدد من أوامر القبض صادرة بحق عدد من الأشخاص، وعلى رأسهم البشير وعدد من رموز النظام السابق، وفي اعتقادنا أن القرار حول مواصلة الإجراءات محليا أو دولياً، هو قرار قانوني وسياسي ومجتمعي لا بد من مراعاة كل هذه العناصر، ولا بد أيضا من مراعاة التزاماتنا الدولية كدولة أمام المجتمع الدولي، على أي حال نحن لم نصل لرؤية ناضجة بعد.
■ ماهي مناهج أعمال لجان التحقيق، هل سيصدر منهج موحد لهذه اللجان؟ وما هي درجة النيابة الممنوحة لها؟ بمعنى هل ستكون قراراتها قابلة للاستئناف؟
□ اعلى درجة هي رئيس نيابة سيكون على رأس كل لجنة حتى يقدم لي التقارير اليومية وسيكون معه وكيل نيابة أول ومقرر للجنة. نحن وضعنا منهجا خاصا فيما يتعلق بالاستئناف، وفيما يتعلق بالاختصاص وطريقة عملها. لدينا صيغة موحدة لكل اللجان فيما لم يقتض الوضع الخاص باللجنة إضافة أو حذفا.
■ هل النيابة لديها قوة ضبط وإحضار، وماذا عن مدير المخابرات السابق صلاح قوش حيث هناك عجز بخصوص عملية اعتقاله، في دعوى جنائية بعد سقوط النظام؟
■ الإجراءات الموجودة الآن هي مسألة توافق فيما بين الشرطة والنيابة، ولكن إذا انت كنت تحتاج نيابة مستقلة لا بد أن تكون هناك شرطة للنيابة، المحاكم لديها شرطة خاصة مستقلة لتنفيذ الأوامر، صحيح أن هذه القوة تكون تابعة تقنيا لوزارة الداخلية مهنيا وفنيا، لكن لا بد من شرطة النيابة لتنفيذ أوامر القبض ومتابعة الشهود.
اتصلت بمدير الشرطة وسأتصل بوزير الداخلية لإيجاد آلية لتنفيذ أوامر النيابة، لأنه بدون آلية لن يجدي أمر لا نفاذ له، هذه المسألة ستكون مثار حديث ونقاش طويل خلال مرحلة التعديل لقانون النائب العام، وما نقوم به الآن هو إسعافات أولية لإجراء ما يمكن عمله حتى نخرج من هذا النفق المظلم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية