عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي جمال كوجر، من النواب الكرد النشيطين في تقييم الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق والإقليم، وتحديد مكامن الخلل فيها، وقد كشف لـ”القدس العربي” عن جوانب من المشهد العراقي منها، أن الأحزاب الكبيرة لا ترغب لا في انتخابات مبكرة ولا انتخابات نزيهة، وأن التظاهرات على الأبواب، وكورونا هي الملاذ الآمن للأحزاب والحكومات الفاسدة، والدولة العميقة متغلغلة في أنحاء الدولة، والميليشيات تتحكم بثروات العراق، كما أن الحزبين الكبيرين تقاسما إقليم كردستان وفيهما من يدق طبول الحرب في كردستان، وأي مجتمع بلا معارضة فهو مريض.
وفيما يلي نص الحوار:
*باعتبارك عضو اللجنة المالية لمجلس النواب الاتحادي، ما هي آفاق حل الأزمة الاقتصادية في العراق؟
**آفاق الحل محدودة جدا، لأن هناك أمورا خارج سيطرة الدولة، ومنها أسعار النفط، وجائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية العالمية، وكذلك الصراع الأمريكي الإيراني، والذي أصبح فيه العراق ساحة تصفية حسابات، فالدولة العراقية ليست لديها خيارات كثيرة، وكلها لها أثر مباشر على الأزمة الاقتصادية.
أما الحلول الداخلية هي أيضا محدودة لأسباب، منها وجود دولة عميقة في داخل الدولة، وهي المتنفذة والمسيطرة على كل مفاصل الدولة تقريبا، ووجود ميليشيات مسلحة لديها نفوذ عسكري وأمني واجتماعي وسياسي وبرلماني، تستطيع أن تواجه أي قانون أو قرار يمس مصالحها، إضافة إلى قلة مشجعي الإصلاح وكثرة الضالعين بالفساد، وأنا أرى ان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي أمام خيارين لا ثالث لهما، أما أن يواجه إرادة الشعب ويكون مصيره كمصير سلفه عادل عبد المهدي، بعجزه عن مواجهة الفاسدين، وأما أن يبدأ بعقلانية وهدوء بضرب أوكار الفاسدين والدولة العميقة، والبدء في الإصلاحات التي تدر على الدولة مبالغ هائلة بدون أي صراع أو مواجهة مباشرة مع شخصيات رئيسية في الفساد أو ميليشيات مسلحة. وعلى الحكومة أن تضع موازنة الدولة أمام عينيها وأن تنظر إلى أبواب الصرف والموارد ومكامن الفساد فيها، وأن تبدأ باكبر أبواب الصرف وهي الرواتب، ومعالجة الخلل فيها، مثل عدم وجود قاعدة بيانات دقيقة بمن يستلمون الرواتب في الدولة العراقية، حيث هناك فوضى تقودها الأحزاب، ووجود فضائيين بالآلاف، ثم هناك المتعددي الرواتب، إذ يوجد من يستلم ثلاثة وأربعة وخمسة رواتب، ولحد تسعة رواتب، وهناك أيضا الترهل الإداري، ووجود مصانع وشركات حكومية متوقفة بالكامل عن الإنتاج، هذه المشاكل بعضها يحتاج إلى تشريعات جديدة وقوانين خاصة.
أما الموارد فتكمن الآن في النفط، هل استطعنا استثمار النفط بشكل صحيح؟ انها تحتاج إلى مراجعة جديدة، وهناك جولات تراخيص الاستثمار التي كان الهدف منها رفع إنتاج النفط إلى 12 مليون برميل يوميا بحلول عام 2017 ونحن الآن في عام 2020 وما زلنا في حدود أربعة ملايين. وفي قضية المنافذ الحدودية لدينا ستة منافذ خارج سيطرة الدولة، وحتى تلك التي تحت سيطرة الدولة فيها شبهات فساد.
*هل لديكم تصور في اللجنة المالية عن كيفية معالجة الثغرات القاتلة في الاقتصاد العراقي؟
**اللجنة المالية لديها تصور للحل ولكنها لجنة نيابية وليست جهازا تنفيذيا، ونحن ناقشنا أبرز الحلول للأزمة المالية، وتم تقديم المقترحات لأهم المعالجات الممكنة على المدى الحالي والمتوسط والبعيد، واللجنة تحتاج إلى الدعم المباشر من الحكومة، كما تحتاج من مجلس النواب ان يكون لديه مجموعة خبراء اقتصاديين وأساتذة جامعات ووزراء سابقين للاستفادة من خبراتهم وآرائهم.
*هل لمستم جدية لدى حكومة مصطفى الكاظمي في إيجاد حلول جدية لأزمات العراق الاقتصادية المزمنة؟
**الحكومة جديدة والوزراء جدد، ولكننا لمسنا وجهين للكاظمي، وجه إيجابي كما في إعلانه نيته إعادة النظر في متعددي الرواتب وسلم الرواتب ورواتب لاجئي رفحاء، وحصر السلاح في يد الدولة، ولا ندري مدى جديته أو قدرته على القيام بذلك.
أما النقاط التي نتخوف منها فمنها تحويل العقود إلى تعيينات دائمة، ووعد بتثبيتهم كلهم، وهذا شيء مخيف لأنه يحتاج إلى تخصيصات مالية إضافية مما يثقل كاهل الحكومة أكثر. ولذا نأمل أن يقدم الكاظمي حلولا جذرية وليس حلولا ترقيعية. ولذا نقول له، أمامك خياران لا ثالث لهما، أما أن تواجه الفساد أو ستواجه الشعب في النهاية، لأن الموارد قليلة جدا وآثار كورونا وأسعار النفط خلال هذا الشهر والشهر المقبل ستظهر على الدولة العراقية.
*صرحت أن “الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق مفتعلة، وأن الأحزاب السياسية وفصائلها المسلحة هي من تدير الأموال” فماذا تعني بذلك؟
**نعم أقول إن الأزمة مفتعلة، والأحزاب هي التي تدير الأموال وهناك أمثلة كثيرة، مثلا مطار النجف وموارد ستة منافذ حدودية أين تذهب، ومزاد العملة الصعبة من المستفيد منه؟ معامل ومصافي نفط كانت قادرة على الإنتاج تم تفكيكها وبيعها بثمن بخس، من قام بذلك؟ كنت عضوا في لجنة النفط والطاقة، وجرى وقتها تفكيك وتهريب مصفى بيجي، طالبنا أن نذهب في زيارة ميدانية ولكننا قوبلنا بإجابات صادمة بأن لا اللجنة النيابية ولا وزير النفط يستطيع الذهاب إلى مصفى بيجي لأن هناك ميليشيات تسيطر عليه ونهبت معداته وهربتها وباعتها بثمن بخس، كانت قيمتها بالمليارات ولكنها باعتها بـ 200 مليون دولار فقط.
وهكذا لدينا موارد غنية جدا ونحن دولة غنية، ولكن ينقصنا قيادة حكيمة نزيهة وطنية تنظر لمصلحة البلد قبل المصالح الأخرى، وإرادة حقيقية لقطع الأيادي الخارجية التي تتدخل في الاقتصاد العراقي وتدمره باسم ولاءات مذهبية وطائفية.
المعارضة الكردية
*الاتحاد الإسلامي الكردستاني الذي تنتمون إليه أعلن عدم الاشتراك في حكومة الإقليم، ما السبب؟
**هناك أسباب لعدم المشاركة في حكومة الإقليم، فالوزارة ليست تحت سيطرة الوزير الذي سيصبح مجرد موظف وأوامره لا تنفذ في الوزارة، فالأحزاب الكبيرة تضع وكلاء الوزراء ومدراء عامين جميعهم تابعون لهما، بالتالي لا يستطيع الوزير فعل شيء مهما كان ونشيطا ونزيها. ثانيا أن الحزبين الرئيسيين يستغلان مشاركة بقية الأحزاب من أجل إسكات صوت الحق، وكانوا يطلبون منا كنواب وكحزب، أن نسكت لأننا جزء من السلطة، وهذا ينافي سياسة الحزب، وبالمشاركة في الحكومة كانت أيادينا مكبلة. وثالثا، أن أي مجتمع ليست فيه معارضة فهو مجتمع مريض، وكانت كل الحكومات ذات القاعدة العريضة، فاسدة وفاشلة، لأن الكل كان مشاركا في الحكومة، لذا ذهبنا إلى خيار المعارضة لكي يكون هناك صوت معارض يدعم الشارع والإصلاحيين ومراقب لخطوات الحكومة.
*هل تعتبرون أنفسكم ضمن المعارضة الكردية في الإقليم؟
**نعم نحن ضمن المعارضة الكردية في الإقليم، وخلال الدورة البرلمانية الحالية نحن معارضون في الحكومتين، الإقليم وحكومة بغداد، وليس لدينا أي وزراء فيهما، وقد طلبوا منا المشاركة في حكومة الإقليم ولكننا فضلنا خيار المعارضة على خيار المشاركة.
*هل تتوقع تجدد التظاهرات المطالبة بالإصلاح في الإقليم؟
** في اعتقادي ان التظاهرات على الأبواب، لأن الحكومة مفلسة وتنتظر الاتفاق بينها وبين حكومة بغداد التي هي الأخرى لديها أزمة اقتصادية، وإذا طالت أزمة أسعار النفط وكورونا، فإن الإقليم لا يستطيع الاعتماد على بغداد فقط لتأمين الرواتب. أن فساد الأحزاب وشره الأحزاب على الأموال، وقرارها أن تكون أكبر من الحكومة لا يبشر بالخير أبدا. ليست هناك نية حقيقية للإصلاح وبالتالي ليست هناك حلول جدية للمشاكل، لذا الشارع سيبقى متأزما والأعمال متوقفة والقطاع الخاص يتهاوى، والخريجون العاطلون أصبحوا بالآلاف، والحكومة تصرح أنها لا تستطيع أن تعين شخصا واحدا ولو بعد خمس سنوات. أكيد أن الوضع سينفجر، والكل مترقب والأحزاب الكبيرة خائفة جدا من تجدد المظاهرات ونعتقد ان كورونا هي العائق الأكبر، وكورونا هي الملاذ الآمن للأحزاب والحكومات الفاسدة.
ولأن الوضع الاقتصادي متأزم جدا والحكومة خزائنها خاوية تماما، فإنها أمام خيارين، أما إجراء إصلاح حقيقي أو مواجهة التظاهرات، ولا نرى جدية في ملف الإصلاح، ويجب أن يبدأ الإصلاح من رؤوس الهرم للحزبين الرئيسيين ونزولا إلى قواعدهم، وهم غير مستعدين للبدء بالإصلاحات.
*ما رأيك في تصريح عضو كتلة المستقبل الكردية النائب سركوت شمس الدين، بأن “حكومة مسرور بارزاني تقوم بتهريب النفط” ودعوته الحكومة الاتحادية إلى عدم تسليمها أية أموال لحكومة الإقليم؟
**نحن في الحزب الإسلامي ومنذ دورتين نقدم مقترحا لانشاء صندوق لواردات النفط، لتحديد عدد الآبار النفطية في الإقليم والكميات المنتجة والكميات التي تباع وأسعارها والعقود النفطية مع الشركات، والنفط المصدر عن طريق تركيا وإيران. الآن ليست هناك شفافية في هذا الملف، ولكن للأسف لم توافق الحكومة على المقترح، واكتفت بالوعود.
الانتخابات المرتقبة
*كيف تقيم وضع مفوضية الانتخابات في العراق وقدرتها على إجراء انتخابات مبكرة نزيهة؟
** مجلس المفوضية هم قضاة جدد لم يأخذوا أي دورات خاصة بالانتخابات، وهم يحتاجون إلى تدريب وخبرات، ومعظم مكاتبها تحتاج إلى كوادر جديدة مدربة، وسجلات الناخبين تحتاج إلى تحديث ومراجعة، الانتخابات تحتاج إلى وضع أمني مستقر وهو غير متوفر حاليا، بسبب عودة نشاط “داعش” ووجود الميليشيات، وقانون الانتخابات الجديد عليه اعتراضات وصاغته حيتان الفساد، والأحزاب الكبيرة وحدها المستفيدة منه، وفي كل الأحوال لا أعتقد أن الظرف سيكون مواتيا لإجراء انتخابات مبكرة نزيهة، لأن نفس الآليات التي حدث فيها تزوير كبير في الانتخابات السابقة ستتكرر.
*هل أنت مع دعوات حل البرلمان لإجراء انتخابات مبكرة؟
**لا أعتقد أن الحكومة بصدد حل البرلمان لأن ذلك يعني توقف التشريعات، وهي تحتاج مجلس النواب لإصدار التشريعات والقوانين في مجال الإصلاح الاقتصادي، لذا لا أعتقد أن حل البرلمان سيكون هو الخيار الأفضل للحكومة إلا في حالة واحدة، عندما يتحول البرلمان إلى عائق لبرامج رئيس الوزراء. وطبعا الأحزاب الكبيرة لا توافق على حل البرلمان لأنها غير قادرة على الحصول على نفس نسبة المقاعد التي لديها الآن، لأن الظروف الشعبية والسياسية تغيرت بالكامل، والشعب غاضب منها، لذا فإن الأحزاب لا ترغب لا بانتخابات مبكرة ولا انتخابات نزيهة.
واختتم النائب جمال كوجر الحوار بالقول إنه “كان المفروض ان تبنى الحكومات في الإقليم على نتائج الانتخابات وليس على إدارتين. الحزبان الرئيسيان قسما الإقليم مناصفة بينهما وهناك حد فاصل بين الحكومتين، ومتى ما حصلت خلافات بين الحكومتين فالحدود بينهما واضحة جدا لهم وللجميع، وبهذا الشكل فالحكومة لا تستطيع أبدا أن تخدم مواطنيها والإقليم، فخدمة الإقليم تكون بإقليم موحد وحكومة واحدة وبيشمركه واحدة وبسيطرة كاملة للحكومة وليس للأحزاب على المحافظات والمنافذ الحدودية والموارد، وتفرد الحزبين نتائجها واضحة جدا، فقد مررنا بفترات عصيبة كان هناك قتال داخلي ثم كان هناك فساد مشترك وفقدنا كل شيء والآن طبول الحرب تدق من قبل بعض القيادات من الحزبين، ونتمنى ان لا نشهد تلك الأيام الدامية المؤلمة، ولكن للأسف تفرد الحزبين أدى إلى هذه النتائج الكارثية بالتالي الإقليم والعملية السياسية والنظام الديمقراطي كلها على المحك”.
ويذكر أن إقليم كردستان شهد مؤخرا خروج تظاهرات في عدة مدن من السليمانية ودهوك، للمطالبة بتوفير مستلزمات الحياة الضرورية، بعد تدهور الأوضاع المعيشية جراء توقف صرف الرواتب وتبعات فرض حظر التجوال بسبب كورونا.