رئيس برلمان كردستان العراق السابق الدكتور يوسف محمد: مشكلتنا مع بغداد سببها سلطة الإقليم وأحزاب العائلات تتصارع حول المصالح

حاوره: مصطفى العبيدي
حجم الخط
2

الدكتور يوسف محمد، من الرموز السياسية البارزة في إقليم كردستان العراق، ورئيس برلمان الإقليم السابق ورئيس كتلة حركة التغيير في البرلمان الاتحادي السابق، تحدث لـ«القدس العربي» عن مواقفه المثيرة للاهتمام حول الأوضاع في إقليم كردستان، أبرزها قرارات المحكمة الاتحادية حول الإقليم، ونقد حكم العائلات في الإقليم واستئثارها بثرواته وحرمان الشعب منها، وسعيه لبلورة معارضة فاعلة في الإقليم، كما تناول الأزمات بين حكومتي بغداد وأربيل والخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسيين والصراع على المصالح.
وأشار محمد، إلى معلومات عن اتفاقية سرية عقدها الحزب الديمقراطي مع أطراف أجنبية، لبيع نفط الإقليم لمدة 50 عاما مقبلة بدون الرجوع إلى برلمان الإقليم أو حكومة بغداد. كما ان حكومة الإقليم حصلت على قروض بمليارات الدولارات من الشركات النفطية مقابل منحها حق استثمار النفط في الإقليم، ولكن لديها الآن مشاكل كثيرة مع تلك الشركات لعدم القدرة على تسديد الديون أو توفير النفط لها. وهناك دعاوى الآن في العراق وفرنسا ضد حكومة الإقليم وتركيا حول هذه القضية.
وأكد انه «حسب الدستور فإن إدارة ملف الشؤون النفطية يجب ان تكون مشتركة بين الإقليم والمركز، ولكن بيع النفط يجب ان يكون عبر شركة سومو الاتحادية حصرا لكي لا يكون هناك هدرا للمال العام. وهناك معلومات نشرتها المنظمات المعنية بتصدير النفط في العالم، أفادت بان سلطات الإقليم تقوم ببيع نفط الإقليم بأسعار أقل بنحو 17 إلى 19 دولارا للبرميل الواحد من أسعار السوق، وهذا هدر لثروة العراق». وطالب بان تتم مراجعة عقود البيع النفطية ما بين الإقليم والحكومة الاتحادية، والشركات النفطية لتكون أكثر توازنا.
ومعروف ان المحكمة الاتحادية أعلنت ان قرارها الأخير حول عدم قانونية نقل الأموال من المركز إلى الإقليم، سببه عدم التزام حكومة الإقليم باتفاق سابق بينها وحكومة بغداد، يتضمن قيام سلطات الإقليم بتسليم عائدات النفط المصدر من مناطقها إلى الخزينة الاتحادية مقابل قيام حكومة بغداد بصرف رواتب موظفي الإقليم وباقي مستحقاته، حيث استمرت حكومة أربيل في الاستحواذ على عائدات النفط مع مطالبة بغداد بدفع رواتب موظفي الإقليم. كما سبق للمحكمة الاتحادية ان أصدرت قرارا في شباط/فبراير 2022 بعدم دستورية قانون النفط والغاز في الإقليم، وهو القرار الذي رفضته سلطات الإقليم ولم تلتزم به واعتبرته غير دستوري. وفي ما يأتي نص الحوار.
○ أهلا بك في بغداد، ما سر قدومك إلى العاصمة وزيارتك المحكمة الاتحادية؟
•قدمنا دعوى أمام المحكمة الاتحادية بصدد عدم دستورية قانون تمديد مدة برلمان إقليم كردستان العراق الذي أقره الحزبان الرئيسيان في الإقليم (الديمقراطي والاتحاد الوطني) بمعزل عن بقية الأحزاب والقوى السياسية والشعبية. واليوم كانت الجلسة الثالثة للمرافعة في القضية وقررت المحكمة الاتحادية ان يكون يوم السابع من شباط/فبراير الحالي موعدا لجلسة علنية حول الموضوع ويمكن ان تكون آخر جلسة لإصدار القرار. ونحن نرى انه لا يمكن للمجالس المنتخبة كالبرلمان ان تقوم بتمديد فترتها بنفسها، والديمقراطية ليست سلما تسلكه الأحزاب للوصول إلى السلطة وبعد ذلك تكسره. وأنا وإضافة إلى ثلاثة نواب عن حركة الجيل الجديد المعارضة، رفعنا دعاوى حول نفس القضية التي تعكس وجود معارضة في الإقليم لتفرد الحزبين الرئيسيين بمقاليد السلطة وثروات الإقليم ومسار العملية السياسية.
○ هل ترى في قرارات المحكمة الاتحادية الأخيرة تجاه إقليم كردستان، وخاصة قرار منع إرسال الأموال من المركز إلى الإقليم، جوانب سياسية إضافة إلى القانونية؟
•القرار مرتبط بقضية الخلاف بين بغداد والإقليم بخصوص إدارة الغاز والنفط والواردات، وهي قضية قديمة ومعقدة، ويجب حلها من خلال تشريع قانون النفط والغاز المعطل منذ سنوات لكي تكون العلاقة واضحة بين الطرفين. وقد وضع الدستور العراقي مبادئ عامة بهذا الخصوص عن كيفية إدارة النفط والغاز في البلد. وحسب مواد الدستور ومنها 110 و 111 و 112 فإن ايرادات النفط والغاز يجب ان تكون اتحادية، لأن هذه الثروة ملك لكل الشعب العراقي، وليس لإقليم كردستان فقط.
وأرى هناك مشاكل لدى الطرفين، بالنسبة للإقليم، السلطات تريد بيع النفط بصورة مستقلة وبنفس الوقت تطالب بغداد بإرسال رواتب الموظفي. والحقيقة ان النفط المباع من الإقليم لم يكن له أية مردودات إيجابية على مستوى المعيشة للناس، فالسلطات الكردية لم تستطع صرف رواتب الموظفين بصورة تامة ولم يستطيعوا توفير الخدمات الأساسية، ولا حتى النفط الأبيض للاستخدام المنزلي لم يوفر للناس، والكهرباء تصل ست ساعات في اليوم فقط.
○ بعض القيادات الكردية اتهمت المحكمة الاتحادية بانها تعمل ضد مصالح الإقليم، هل تعتقد ان هناك تأثيرات أو ضغطا من بعض القوى السياسية في بغداد على المحكمة الاتحادية بخصوص قراراتها حول الإقليم؟
•لا يخفى ان هناك تأثيرات سياسية داخلية أو خارجية في العراق، ولكن من غير المناسب ان نفسر بان كل قرارات المحكمة الاتحادية هي قرارات سياسية، فالمحكمة تعلن موعد جلساتها قبل أوقات مناسبة لاطلاع الجميع، وأوقات النطق بالحكم، وتسمح لكل الخصوم بحضور جلساتها لتقديم دفوعاتهم، كما انها تستند إلى فقرات الدستور لدعم قراراتها. ويمكن ان تكون هناك تأثيرات سياسية على الجو العام في البلد، ولكن توجد دعوى منظورة من قبل المحكمة يتم الخوض فيها بشكل قانوني. وعموما أرى انه يجب ان يتم حل المشكلة جذريا حتى لا يبقى للآخرين أي مجال للتدخل. وخلال مقابلة لي مع شبكة «روداوو» الكردية في 16اذار/مارس 2021 أرسلت رسالة مقصودة قلت فيها بضرورة ان تكون سلطات الإقليم شفافة في ملف النفط وان يتم إصدار قانون النفط والغاز الاتحادي لتحديد حقوق كل الأطراف في هذه الثروة.
○ هل تعتقد بوجود جدية لدى سلطات الإقليم في حل قضية النفط والغاز؟
•أرى ان سلطات الإقليم لا تريد في الواقع حل هذا الملف بينها وبين بغداد لأنها مستفيدة من الوضع الحالي، حيث تصدر النفط وتحتفظ بعائداته ثم تطلب من بغداد تسديد رواتب الموظفين، وهي تستغل وجود الأزمات السياسية في البلد لتحقيق هذه الغاية عبر التحالفات المشروطة.
○ هل تعتقد بوجود صلة بين قرار المحكمة الاتحادية بمنع إرسال الأموال إلى الإقليم وبين زيارة المبعوث الأمريكي ماكغورك مؤخرا إلى بغداد وأربيل لحل الخلافات بينهما، أي انها قد تكون محاولة من قوى سياسية مرتبطة بأجندات خارجية لافشال التحرك الأمريكي في العراق؟
•مع إقرارنا بوجود صراع أمريكي إيراني تركي ملموس على الساحة العراقية، ولكن لا أعتقد ان قرار المحكمة الاتحادية حول الإقليم متأثر بهذه الزيارة لأنها بدأت في النظر في هذه القضية منذ فترة طويلة قبل الزيارة.
○ كيف رأيت تأثير قرار المحكمة الاتحادية على الشارع الكردي؟
•بصورة عامة على مستوى الإقليم الناس البسطاء العاديين أصبحوا يدركون في الحقيقة ان المشكلة هي في سلطة الإقليم، ولو أجريت استفتاء الآن لقالوا ذلك. وفي مواقع التواصل الاجتماعي التي هي مرآة للرأي العام ترى ان الناس في الإقليم، يرون ان الأزمات بين حكومتهم وبغداد وخاصة في قضية النفط والغاز، سببها عدم الشفافية في هذا الملف من قبل سلطات الإقليم، وبسبب عدم حل هذا الموضوع منذ سنوات. ومع الأسف فإن لقمة عيش الموظفين والناس في الإقليم، أصبحت ضحية للخلافات بين حكومتي الإقليم وبغداد. وزاد قرار المحكمة من معاناة المواطنين، ولذا فليس غريبا ان الناس يخرجون بين آونة وأخرى إلى الشوارع في تظاهرات غاضبة.

المعارضة الكردية

○ بالنسبة لأوضاع المعارضة في إقليم كردستان، نرى ان هناك حراكا لتنظيمها أبرزها حركة الجيل الجديد التي لديها 9 نواب في البرلمان الاتحادي، والتي التقى رئيسها سيشوار عبد الواحد قبل أيام مع رئيس الحكومة محمد السوداني في بغداد، وهي تتحرك بشكل جيد لتنظيم صفوف المعارضة في الإقليم والعراق عموما، كيف ترى وضع المعارضة في الإقليم؟
•الأوضاع المعيشية الصعبة واستمرار الأزمات والمشاكل المزمنة في الإقليم، أثرت كثيرا على مستوى تأييد الشارع للأحزاب المعارضة خصوصا وبقية الأحزاب عموما، حيث قلت نسبة المشاركة في الانتخابات. ففي انتخابات 2009 وهي أول انتخابات شاركت فيها حركة التغيير كانت نسبة مشاركة الجمهور 76 في المئة، ولكن قلت هذه النسبة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة إلى 36 في المئة، أي ان نحو40 في المئة زحفوا بعيدا عن الأحزاب. ومع ذلك فهناك الآن تحركات في الإقليم من قبلنا ومن قبل قوى أخرى لبلورة حركة معارضة قوية تضم كافة القوى الرافضة لهيمنة حكم العائلات في الإقليم والعراق ومحاولة إيجاد الحلول للأزمات المزمنة.
○ لماذا انسحبت من حركة التغيير التي كنت عنصرا فاعلا فيها؟
•بالنسبة لحركة التغيير التي كنت منتميا لها، فقد تغيرت توجهاتها بعد وفاة مؤسسها نوشيروان مصطفى عام 2017 حيث سيطرت بعض القيادات القديمة على الحركة وأخذتها نحو مسارات مختلفة عن المبادئ التي جعلت الشعب ينتخبها كحركة معارضة، وأصبحت الحركة الآن تجامل الحزبين الكبيرين، فتارة مع الديمقراطي وأخرى هي مع الاتحاد الوطني، وأحيانا مع الاثنين.
○ لماذا لم ترشح في الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟
•في الانتخابات قبل الأخيرة رشحت في البرلمان الاتحادي وحصلت على أعلى الأصوات في الإقليم والثالث في عدد الأصوات في العراق، ولكننا وجدنا ان الأوضاع في البرلمان ليست كما كنا نأمل بان نستطيع من خلاله تقديم خدمة للشعب، حيث تسيطر بعض القوى السياسية المتنفذة على البرلمان والحكومة معا، وتوجهها بما يخدم مصالحها الحزبية وليس لخدمة الشعب، لذا قررنا عدم المشاركة في الانتخابات الأخيرة.
ويذكر ان الدكتور يوسف محمد كان رئيسا لبرلمان إقليم كردستان عن حركة التغيير، إلا ان خلافه مع الحزب الديمقراطي جعل القوات الأمنية التابعة للأخير تمنعه عام 2015 هو وعدد من النواب المعارضين من دخول أربيل لعقد جلسات البرلمان، بحجة مساهمة حركة التغيير في اندلاع تظاهرات غاضبة في الإقليم بسبب تأخر صرف رواتب الموظفين. وقد أدى ذلك الإجراء إلى بقاء الإقليم بدون برلمان لأكثر من سنتين.
○ يدور الحديث لدى بعض القيادات الكردية عن احتمال عقد انتخابات برلمانية في الإقليم نهاية العام الحالي، هل ذلك ممكن؟
•الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني لا يريدان إجراء أية انتخابات في الإقليم، ويفضلان بقاء الأوضاع كما هي حيث يتحكمان بالسلطة والموارد من دون حاجة لإجراء انتخابات قد لا تكون نتائجها مرضية لهما. ولكن يجب ممارسة ضغوط خارجية لإجبار سلطات الإقليم على إجراء انتخابات. والحقيقة ان كل الانتخابات السابقة في الإقليم كانت تتم بتأثير خارجي وليس بناء على رغبتهما.
وبالنسبة للانتخابات المقترحة في نهاية العام الحالي، فلا أتوقع إجراءها إلا إذا مورست ضغوط على الأحزاب الكبيرة المتحكمة. أما عن البرلمان الحالي في الإقليم، الذي مدد لنفسه بشكل غير دستوري، فهو موجود وغير موجود، حيث لا دور فاعلا له في الحياة السياسية في الإقليم ويتحكم به الحزبان الكبيران.

خلافات الحزبين الكرديين

○ لماذا الخلافات متواصلة بين الحزبين الكبيرين في الإقليم الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، رغم كل الوساطات المحلية والدولية؟
•خلافات الحزبين الرئيسيين قديمة، ووصلت أحيانا إلى الاقتتال فيما بينهما، وتنصب الخلافات على المصالح الحزبية كالسيطرة على موارد النفط وتهريبه وعائدات المناطق الحدودية، وقيادة القوات الأمنية «البيشمركه» انه صراع العائلات على موارد الإقليم.
○ وضمن خلافات الحزبين الرئيسيين في الإقليم نسمع مؤخرا تهديدات من بعض قياداتهما بتقسيم إدارة الإقليم، هل تعتقد بامكانية تحقيق ذلك؟
•ان تقسيم إدارة الإقليم أصبح فعليا وواقعا ملموسا، حيث يحكم حزب عائلة بارزاني (الديمقراطي الكردستاني) محافظتي أربيل ودهوك، فيما تدير عائلة طالباني (الاتحاد الوطني) محافظة السليمانية وحلبجة، وكلا منهما لديه قوات بيشمركه وأجهزة أمنية تخضع لقيادته ولكل منهما إدارة وميزانية مستقلة. وحتى تحالفاتهما مع القوى السياسية في بغداد منقسمة، وكذلك علاقاتهما مع دول الجوار إيران وتركيا.
○ هل تتوقع ان ينفذ حزب الديمقراطي تهديده بالانسحاب من العملية السياسية عقب قرار المحكمة الاتحادية الأخير بمنع إرسال الأموال إلى الإقليم؟
•لا أعتقد ان الحزب الديمقراطي جاد في تنفيذ هذا التهديد لأنه ليس لديه الاستعداد للتخلي عن المكاسب التي يحققها منذ سنوات من خلال العملية السياسية التي مكنته من التحكم بالسلطة وموارد الإقليم.
○ إذن كيف ترى حل الأزمة بين بغداد وأربيل؟
•يجب ان يتم حل المشاكل جذريا بإرادة سياسية حقيقية من الأحزاب التي تدير حكومتي بغداد والإقليم بعيدا عن التأثيرات المحلية والخارجية، وخاصة الاتفاق على تشريع قانون النفط والغاز المعطل، لتحديد حقوق وواجبات كل الأطراف بوضوح، مع قيام ضغوط شعبية على أحزاب السلطة لإقامة انتخابات حرة حقيقية ولمحاربة الفساد، من خلال قيام معارضة موحدة وقوية مؤثرة في العملية السياسية في الإقليم والعراق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية