يقدم محمد سالم عبادة في مجموعته القصصية «الناظرون» كتابة مغايرة في إطاريها الشكلي البنائي والمعرفي، لأنه يستند إلى فكر ومعرفة وثقافة علمية وأدبية واسعة لبناء إطار ذي خصوصية للقصة القصيرة المشدودة للكثافة والانفتاح وعدم الإغلاق بنهايات دالة، فهي قصص تستعصي على النهايات أو على الإحساس بالنهاية، بل تظل منفتحة وممتدة، ومطروحة للتفكير، مثلها في ذلك الأمر مثل الشخصيات والمناحي الفكرية والمعرفية التي تسهم في بنائها وتكوينها من خلال تجليها.
كلمة (الناظرون)- وهي تؤسس وجودا مستمرا في كل قصص المجموعة باستثناء القصص التي تأبت على هذا الإكراه الصيغي – لا تشير إلى مجرد النظر أو الرؤية أو الإبصار، ولكنها مرتبطة بالتأمل والتدقيق، وكأن كل قصة تشكل مدخلا من مداخل المعرفة أو الإدراك أو تشكل جانبا أو جزءا من مقاربة العالم والارتباط به، وتقود نحو التأويل والتفسير. المعرفة في ظل ذلك إطار غير مكتمل وغير منته، ومن ثم تأتي مشدودة في قصص المجموعة للنقصان أو عدم الإغلاق. وغياب النهاية فيه إلحاح على فكرة الجزئية داخل كون أو أكوان عديدة، والجزء مساو للكل ويحمل سماته مثل الفرع الذي يحمل مكونات وأنسجة الشجرة بكاملها.
في قصص المجموعة خاصة في قصته (الناظرون عبر الورق)، يلمح القارئ عددا من الشخصيات الروائية والقصصية، بداية من إنجيل كلير بطل رواية توماس هاردي، ومرورا بسمر دياكوف في رواية «الأخوة كارمازوف» وآخرين، وانتهاء ببلانش ديبو بطلة «عربة اسمها الرغبة» لتينيسي ويليامز. وكل هذه الشخصيات الورقية – أي الخيالية – تأتي لتناقش أشكال الوجود أو مراتبه كما وردت عند الفلاسفة والمفكرين في حديث ماكبث، وإشارته إلى هذه المراتب: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البياض (أي المكتوب أو الورقي).
استراتيجية التناظر
القصص في هذه المجموعة تستند إلى استراتيجية التناظر والتوجيه، مما يؤدي إلى وجود فكرة التمدد والاستمرار، وهي فكرة مهيمنة في قصص المجموع من خلال الكتابة الفعلية، فالشخصيات عبر المراحل الزمنية المختلفة تتباين أسماؤها، ولكن يظل الدور أو الفاعلية حاضرة بشكل مختلف، فهذه الشخصيات التي تتلاحم بالتناظر من خلال مناح فكرية، بها مساحات من التشابه، وبها مساحات من التباين. فالإشارة الأولى في قصة (الناظرون إلى السماء) في تحديد عمر الراوي لحظة القص تأتي وكأنها عفوية، ولكنها في الأساس تمثل إكراها من إكراهات الكتابة السردية، فهي توجيه متعمد لعقد تناظر على مستوى الفاعلية في إطار الاكتشافات الخاصة بكوكب الزهرة، فالتشابه في السن، بين أحمد زكي شيخ العروبة والراوي شيء يتم له البناء بعناية.
التوجه الآخر يأخذ مدى مغايرا أقرب إلى النفي والسلب من خلال الاستناد إلى الاكتشافات العلمية من خلال نموذجي (وجدي الكاشف)- احد رواد مكوك فينيرا 7 الذي أطلقه الاتحاد السوفيتي عام 1970 لمعاينة كوكب الزهرة كما تشير القصة – وعالم الفلك الدنماركي تيخو براهي. فمع هذين النموذجين نحن أمام معرفة تهشّم السابق بحيث تقصّ جناحي التخيل القديم، وتنفي الهالة القدسية المرتبطة بكوكب الزهرة لدى العرب الوثنيين قديما، وقد أسماه الإغريق (أفروديت)، واتخذوا منه آلهة للحب والجمال، وأطلق عليه الرومان اسم (فينوس) لشدة لمعانه.
لكن في قصة (الناظرون في أعين أصدقائهم) يتأسس التناظر والتوازي من خلال شخصيات عديدة في إطارين متقابلين، ولكن هذا التناظر يأخذ توجها آخر، فهو لا يفضي إلى التطابق أو التشابه الكامل، وإنما يفضي إلى مساحة من مساحات الريب، ولكنه يظل موجودا وفاعلا، فالقارئ سوف يخامره شك بمساحة التطابقات بين الشخصيات المتناظرة مع اختلاف الفترات الزمنية والسياقات الحضارية في كل تناظر.
فكل تناظر(بين «الراوي» و«ذ»، وبين بيتهوفن وشندلر) يمارس دوره وعمله في شد الآخر إليه، فيفقد كل تناظر منهما جزءا من حدوده حتى نصل للتناسب، فيحدث تماه وتداخل بين الواقعي والخيالي، بين المتفق عليه والزائف، فيأخذ صورة نقيضه أو مباينه، فنصبح أمام نص له خصوصية من خلال ممارسته الحرة في إزالة الحواجز المدببة والناتئة بين الشيء ونقيضه. ولكن بنية القصة تؤسس توازيا أو تناظرا آخر يرتبط بعين الصديق لدى كل حالة، لدى بيتهوفن و(ذ)، بالإضافة إلى الانفتاح على تناظر ثالث يتمثل في عين الشر في قصة (القلب الواشي)، لإدجار ألان بو. في هذه القصة- يمكن أن نجد تأثيرها واضحا في قصته (الناظرون إلى أنفسهم) خاصة جزئية عدم انتهاء الحواس بسبب المرض، وانتقالها إلى عقد المرض العصبي في جسد جد الراوي (عوض) لتقوم هذه العقد بعمل العين والأذن والأنف- ليس هناك سبب لقتل الرجل العجوز.
يبدو أن الوصول إلى هذا الانحياز مهم في مقاربة الخروج عن هذا التناظر في عناوين قصص المجموعة، فبنية التناظر في عناوين قصص المجموعة مهيمنة، لتشير من جهة أولى إلى أن فعل النظر أو التأمل مستمر في إدراك العالم وتفسيره وفق توجهات مختلفة، فالمعرفة أو اكتساب المعرفة للوصول إلى تأويل مقنع لسلوك الإنسان تجاه العالم مدخل من مداخل القراءة والتلقي.
الخروج عن إكراهات الصيغة الجمعية (الناظرون) لم يتحقق إلا في قصص (الناظر من أعلى) و(الناظر في كتاب الموتى) للخروج من الجمع إلى المفرد، ثم الخروج عن إكراهات ثبات الصيغة كلها للارتباط بموضوع جديد وثيق الصلة بالبصر والنظر في قصتي (البقعة العمياء)، و(لا يبصرون بها).
جدل الخيالي والواقعي
هذه الجزئية في المجموعة القصصية وثيقة الصلة بقيمة الفن وتأثيره، لأن الفن – في عمومه – يشير إلى حاجتنا الملحة إلى وسائل تجعلنا أكثر معرفة بأنفسنا، ويضيء لنا مساحات مظلمة داخل النفس الإنسانية، وقيمة أي كاتب – أو فنّان بشكل عام – تتمثل في مساحة الضوء التي يوجهها للكشف عن التواءات وعقد شديدة التشابك. فقيمة هذه المجموعة تتمثل في الجمع بين الواقعي والخيالي، والتجذّر في مساحة الريب أو التشكك بين اليقين بالوجود واليقين بالتلاشي، فهي في كل قصصها تعتبر الخيالي جزءا من الحقيقي تؤسس له ولفاعليته، وتشير إلى وظيفة الأدب في تشكيل توجهاتنا، وكأن هذه الشخصيات لها وجود فعلي.
في هذه المجموعة نحن أمام تجليات عديدة لهذا الخيالي، ولقدرته على الحضور والفعل، بداية من المرأة التي تمثل كوكب الزهرة في حضورها الدافق في فترات زمنية متباعدة لمجموعة من الشخصيات (عمرو بن لحي)، و(تيخو براهي)، و(شيخ العروبة)، و(وجدي الكاشف). هذا التجلي يكشف عن يقين بالحضور، ويقين بالغياب. وتبدو الشخصية الخيالية أيضا مشابهة للشخصيات الواقعية، في تأثرها بالزمن في لحظة انسرابها وتلاشيها في اللقطة الأخيرة في القصة لتشير إلى كل ما هو بشري ومتلاش يطبق علبه النظام الكوني من ميلاد ونمو وحياة وموت. تتعامل قصص المجموعة مع الحياة وشخصياتها الواقعية والخيالية على أنها أبدية غير منتهية، فهي كيان عظيم تذوب وتتحلل في إطاره الجزئيات، وتتكرر بأشكال ورؤى مختلفة، ومن ثم جاء التناظر فاعلا، وكأن معظم التجارب التي تلمح إليها القصص تحقق ارتباط الإنسان بالكون والوجود وبالذات، ولكنه في كل مرة، وفي كل تناظر محبوك تتجلى إطاراته بشكل مختلف. ففكرة تشابه الشخصيات على المستوى البيولوجي تتجلى على سبيل المثال في القصة الأولى بين الراوي وعم والده عوض.
قصص المجموعة تؤكد هذا المنحى بوسائل عديدة من خلال الإلحاح عليه في كل قصة من القصص بأشكال مختلفة، فما يبدو الراوي متأكدا من وجوده، بشكل لا يدخل إليه شك، وكأنه حقيقة واقعية ناصعة يتمثل في قصة (البقعة العمياء) في يقين البطل باستمرار حب المرأة وعشقها له، بالرغم من زواجها بآخر استنادا إلى تجربة قديمة، يتحول في نهاية القصة إلى وهم وإلى زيف، فقد كان يخشى بعد انتهاء الجراحة أن تصيبها الهلاوس في لحظة الإفاقة من مخدّر العملية أن تتفوه بحكايات عن حبهما، ولكن ما حدث يثبت له زيف تصوّره، فلم تتحدث – كما أشار زوجها الذ أجرى لها العملية – إلا عن الإبقاء على علب الزبادي لأنها تحتاج إليها.
تفريغ الواقعي من جسديته ليتحول إلى محض خيال، وتجسيد الخيالي وتشكيله ليتحول إلى واقعي ملموس همّ أساسي لهذه المجموعة، وربما وجدنا صدى واضحا لهذا الهمّ في قصة (لا يبصرون بها). ولكن في قصة (الناظرون عبر الورق) تتجلى هذه الفكرة، أو هذا الهمّ الأساسي بشكل لافت للنظر، فنجد أن حضور الشخصيات فيه تعاظم على المؤلفين، وعلى أزمانهم وسياقاتهم. فالشخصيات الروائية لازمنية، حياتها لانهائية غير محدودة، لأنها في معرض دائم للتأويل المنفتح بمرور الزمن على سياقات متباينة، مما يخلق وجودا جديدا مع كل قراءة.
تجسيد الشخصيات هنا ليس إلا إشارة إلى قوة الخيال، ووقوفه مع الحقيقي والواقعي على بساط واحد متساو، وذلك من خلال طبقات الدلالة، وتوسعها وتعالقها مع الذاكرة الفردية والجمعية. فإذا كان المؤلف الحقيقي محدودا في حضوره العيني وثابتا في إطار تعدده الفكري والمرحلي، فإن الشخصيات ليست محدودة، وليست ثابتة، لأنها متحركة دينامية، وإذا كانت بعض الشخصيات يصيبها بعض الثبات لتحولها إلى أيقونات دالة، فإنها تظل أيقونات منفتحة لتوالدها الذاتي من خلال المقاربة، وإعادة المقاربة من آخرين. فالشخصيات الخيالية أكثر تأثيرا، وتتحول في أحيان كثيرة إلى سنن جاهز، ربما نقيس من خلاله سلوكنا الفردي غالبا بالتقليد أو المغايرة أو التجنب.
هناك فكرة أساسية تدور في إطارها قصص المجموعة، تتمثل في سلطة الخيالي على التواجد والتأثير، وذلك من خلال تمرير فكرة مراتب الوجود، وأنه يمكن البداية من أي مرحلة، للوصول إلى المراحل الأخرى، حتى في ظل واقع تاريخي، يظل الخيالي له قدرة على التواجد بشكل منفصل ومتجل في ذاته، ربما للانطلاق من فكرة الخطاب، تقول الرواية: (بغض النظر عن ماكبث الذي عاش في القرن الحادي عشر قبل أن يكتب شكسبير ما كتبه بخمسة قرون أو يزيد، فإنني خلقت من ذهن ويليام، ثم أصبحت موجودا ذلك الوجود العيني).
يقدم محمد سالم عبادة في مجموعته «الناظرون» كتابة قصصية لافتة تحتمي بالفكري المنفتح على الثقافات العديدة، وتستند إلى الفني بتاريخه الممتد الطويل، ولكنها لا تقف عند حدود هذا الثابت والمعروف، ففي اجتراحها لآفاق جديدة، نراها لا تركن إلى التحديدات المستقرة، بل تعمل على تذويب الحدود بين مجمل الخطابات والعوالم الواقعية والخيالية.
محمد سالم عبادة: «الناظرون»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2021
174 صفحة.