في كتابه المهم واللافت للنظر والاهتمام بداية من العنوان «ما بعد الشمولية – الشهادة الأدبية في الأدب العربي الحديث» يحاول الباحث السعودي محمد الصفراني الوقوف أمام فكرة تجنيس الشهادة الأدبية، ويبذل مجهودا لافتا منطلقا من فكرة الأدبية لدى تودروف ومن الاستناد إلى محدودية الطرح التاريخي للأجناس الأدبية وحركتها التاريخية والحضارية. فنراه يتأمل هذه السمات الفاعلة، ولكن هذه السمات الفاعلة لا تثبت تميزا وتفردا بقدر ما تثبت تداخلا قويا بين الشهادة الأدبية وأنواع أخرى مثل السيرة الذاتية أو الغيرية أو الخبر أو الدراسة النقدية أو التوقيعة.
يوظف الصفراني استراتيجية التناص النوعي خارج وجودها الجزئي إلى وجود أكبر وأشمل يرتبط بالحقول المعرفية، مما يجعل كتابه متجذرا داخل إطار البحث البيني، فهناك إشكاليات لا يتمّ حلها أو مقاربتها إلا في إطار بيني يستند إلى مرتكزات علم آخر، يقارب من خلالها مجال اشتغاله في لحظة التلاحم بين الحقلين مستندا إلى تشابه المفردات والمصطلحات، وتشابه النزوعات والتوجهات. فالنصوص تشكّل بالتراكم – تباينا أو تجاوبا – حقلا معرفيا خاصا.
قيمة الكتاب تتشكل في حدود الفرضيات أو الأسئلة التي يحاول الإجابة عنها من خلال تماه وصلات بينية بين حقلي الأدب والقانون، بوصف هذه البينية مرتكزا أساسيا لتشكيل تصور خاص يستطيع أن يقارب إشكاليتها وحدودها. والفرضيات هنا تتعلق بمفهوم الشهادة الأدبية وارتباطها بالشهادة القانونية، وبالسيرة الذاتية أو الغيرية، ومكوناتها وأنواعها، في إطار التداخل البيني بين المجالين.
تقوم فكرة الكتاب على أن عصر ما بعد الشمولية أنتج نوعا أو جنسا جديدا، أو على الأقل أنتج نظرة مغايرة للإبداع وللأنواع وطريقة تسكينها التقيلدية القائمة على الاختلاف، إلى آلية تستحضر التشابه والاختلاف انطلاقا مما تتيحه البنية النصية. هذه النظرة تنتصر للتفرد والذاتية، وتجلت في مظاهر عديدة، ربما نجد صدى لها في الأنواع والنظريات التي تأصلت في إطار تجليات (ما بعد…)، مثل ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة، وما بعد الشمولية. وفي إطار ذلك يبحث عن الأسس الدالة المكونة للنوع دون مواضعات سابقة التجهيز حتى لو لم تكن قارة، وذلك من خلال تأمل واع للنصوص.
الشهادة الأدبية والقانونية وأفق المقاربة
ربما تكون السمة الأكثر حضورا في منهجية المقاربة متمثلة في الوعي الحاد والمنهجي بالموضوع، ذلك الوعي المشدود إلى خبرة علمية تحدّد ما تقول بدقة لافتة، فالتناص النوعي بين المجالين لا يتمّ على إطلاقه، فقد يشابهه في جانب، ويخالفه في جانب آخر، ولهذا نجد في تصنيف وتبويب الكتاب وعناوينه ما يشير إلى وجود المخالفة والمماثلة بالإضافة إلى الوعي الجذري في طبيعة التوجه والموثوقية بين حقلي القانون والأدب، فالقانونيون يعولون على الحقيقة والواقع في النص الخاص بالشهادة التماسا للصدق في نص الشهادة المفضي إلى تحقق النفي والإثبات، في حين يعوّل أهل الأدب والنقد على المجاز والخيال والبنى الجمالية في نص الشهادة الأدبية.
ولكن محاولة التفريق بين الشهادة الأدبية والسيرة الذاتية أو الغيرية فيها شيء من التداخل، فالاتكاء على أن الشهادة الأدبية تهدف إلى نفي أو إثبات الوقائع، بينما تبدو السيرة مهمومة بالعرض أكثر من الاستناد على فكرة النفي والإثبات اتكاء لا يشكل فارقا لافتا، فكلاهما يستند على العرض بالضرورة، وكلاهما على مسافة واحدة من فكرة النفي والإثبات، خاصة إذا استحضرنا أن هذه الفكرة تتشكل وفق خطاب، وتحققها يرتبط بمنحى القراءة والتلقي. وإذا توقفنا أمام الفارق الآخر الذي يقدمه الكتاب بكون الشهادة الأدبية ترتبط بحال جزئية أدبية، والسيرة بحياة كاملة، نجده كاشفا عن الالتباس فالسيرة الذاتية يمكن أن تكون مرحلية أو جزئية، وأظن أن الفارق يتمثل في تعلق الأولى بخصوصية أدبية أو منحى فكري قابل للنمو والنقصان والتلاشي.
كل هذه الجزئيات ربما أسهمت في تشكيل حاجز ينطلق من التنميط في طبيعة التناول، وقلل من شعورنا بفرادة وتميز الالتقاط الخاص بالموضوع، فالموضوع فريد في بابه، وتأسيس ينبع من ذات الباحث واشتغاله الفارق، وملاحظته شديدة الخصوصية. فنظرة متأملة للعناوين والمداخل تثبت مشروعية هذا الحكم، فتأمل العناوين التي تجلت على هذا النحو (الباب الأول: المفهوم والأركان والأنواع، والباب الثاني: أشكال الشهادة الأدبية، والباب الثاني: عتبات الشهادة الأدبية، والباب الرابع: وثائقية الشهادة الأدبية)، يفضي إلى وجود مشروع طموح إلى حد بعيد، يحاول من خلاله التأسيس للنوع والوحدة الفنية في إطار التعدد الإبداعي.
فالكتاب بعنوانه المقترح الفريد – وصاحبه بما له من إمكانات نظرية عميقة – كان باستطاعته أن يقوم بتقليب الظاهرة موضع الاشتغال في إطار مستويات أخرى، بدلا من وقوفه عند تثبيت الأنماط، وانشداده إلى التفتيت والتقسيم. فالوقوف عند هذه البنيات الكبري التي تسهم في الإحساس بوجود النوع المباين عند تداخلها وتلاحمها وتشابهها وتباينها مع حقول وإجراءات حقل القانون من خلال التيقن والوصول إلى قيمة وملاحظة الوظائف الفنية التي يتيحها كل شكل أعتقد كان أكثر فائدة، لأنه ينقل الظاهرة من الوصفي البسيط في تحديد الأركان والمكونات إلى وظيفة هذه المكونات، وتغير وظيفتها مع كل شكل من هذه الأشكال.
المقاربة بين التعدد المنهجي والبيني
أعتقد أن التوجه البيني في مقاربة أي ظاهرة يقاربها في إطار تلاحمها، وليس في إطار تفككها وتقسيمها إلى أجزاء، لأن اختيار الحقل الآخر- المولد الأساسي للمنحى البيني- يصبح ضروريا انطلاقا من حاجة ملحة، أما تفتيتها إلى جزئيات ومكونات وأركان بسيطة والإلحاح عليها فيؤدي في النهاية إلى دراسة قائمة على التعدد المنهجي أو التعدد الإجرائي، حيث طرح وحل إشكالية كل مجال على حدة، ولكن لا يحل الإشكالية في لحظة تلاحمها، تلك الإشكالية التي تستوجب المحاقلة أو تستوجب وتستلزم التوجه البيني في المقاربة.
المقاربة في البابين الأول والثاني- ربما بسبب التأسيس للفكرة- جاءت مشدودة إلى هذا التعدد المنهجي، وظلت المقاربة – كما جاء في المقدمة أيضا – محافظة على تناول كل مجال على حدة. ففي الباب الأول هناك تأسيس لمجالات التشابه بين الحقلين، بالإضافة إلى الإصرار على ذكر الأركان الموجبة لهذا التشابه والتماثل في جزئيات عديدة، وفي الباب الثاني فقد جاء مرتبطا بتناول أشكال الشهادة الأدبية وتوزع وجودها بين توجهات إبداعية عديدة.
أما الباب الثالث (عتبات الشهادة الأدبية) فهناك مقاربة للملاحق النصية في نسقها الفردي مع إصرار لافت على إثبات التشابه بين المجالين. وهذه الجزئيات الخاصة -على قيمتها الفائقة في التأسيس المنهجي والنظري لمقاربة الظاهرة- تظل مقاربة قائمة على التعدد، حيث تتمّ معالجة كل حقل بوصفه قسيما منفصلا عن الآخر، وإن ظهرت هناك إشارات دالة، ولكنها تظل محدودة في معاينة الظاهرة في تلاحمها بين الحقلين.
تتسم مقاربة الباب الأخير- وربما في جزئيات من الباب الثالث – بسمات خاصة، ربما يكون أهمها التخلص من ثنائية التوجه أو ثنائية التفكير في الموضوع ومحاولة إثبات وجودها في كل نموذج، وسوف يحل مكانها توجه وحيد يحمل إجراءات عديدة مندمجة ببعضها البعض، وهي إجراءات مشدودة للحقلين وإلى حقول أخرى بالضرورة، بالإضافة إلى التأمل الطويل لأنماط العمل الأدبي مستحضرا ومشيرا إلى طبيعة كل نمط، تجلى ذلك في ابتكار مداخل في التناول كاشفة عن التوجه البيني في مقاربة الإشكالية مثل (التناقض وعدم الاتفاق)، و(التماثل والحدّ)، و(العلاقات التبادلية)، و(الحجج البلاغية)، و(المذهب الكلامي).
ففي بعض الجزئيات نجد للباحث – وهو ليس باحثا فقط وإنما له أكثر من ديوان شعري – تأويلات لافتة للنظر، وكاشفة عن عمق التكوين، خاصة حين يتخلى عن النمطية الأكاديمية وحدودها الصارمة طلبا للبراح الفني، ففي حديثه عن الشهادة الأدبية التي تذكر أسماء الكتّاب دون ذكر عناوين الشهادات مثل (أحمد دحبور، وخيري منصور، وسيف الرحبي، وشوقي بزيع، وعبده وازن، وعلي جعفر العلّاق، وقاسم حداد، ونزيه أبو عفش، ونوري الجراح، ويوسف عبدالعزيز)، يفسر غياب عنوان الشهادة بأن العنوان لا يجذب الباحثين بالقدر الذي تجذبهم إليها أسماء الشهود، لأن هذه الأسماء لها منجز إبداعي كاف للإغراء بالقراءة والمطالعة بعيدا عن العنوان، فأي إسهام سيكون بالضرور لافتا انطلاقا من قيمة صاحب المداخلة بغض النظر عن طبيعتها أو عنوانها.
يتجلى المنحى التأويلي ذاته في مقاربة طبيعة وضع اسم المؤلف على كتب الشهادات الأدبية، فقد يكتفي البعض في كتب الشهادة الأدبية بوضع اسم المؤسسة الأدبية أو الاجتماعية التي تولت النشر، أو يأتي الأمر مرتبطا بوجود اسم محرر محدد يقوم بالعمل، خاصة في الكتب التي تقدم شهادات على شخصيات مثل طه حسين أو أحمد عبد المعطي حجازي أو غازي القصيبي أو سعيد يقطين، وهنا يكون اسم المحرر مرتبطا بدائرة دلالية متمحورة حول الاقتراب الخاص من الشخص موضوع الشهادات الأدبية، أو الدوران في إطاره البحثي أو الإبداعي.
الكتاب – بوضعه الحالي الخاص، وكونه الإنجاز العلمي الأول في الموضوع – يعدّ إسهاما مهما في الدراسات الأدبية والنقدية، لكن أعتقد أن الكتاب كان بحاجة لتوسيع المفهوم الخاص بالشهادة الأدبية، ليخرج به من حدود الجزئي إلى الكلي، ومن التناول الثابت والساكن والتقريري إلى التناول المتحرك والبلاغي والتأويلي في انفتاحه على العصور والسياقات والشخصيات، خاص فيما يخصّ الشهادة الأدبية الغيرية، وارتباطها بالصدق بوصفه طبقة أولى، والانتقال منها إلى توجه لا يرتبط بالصدق أو تقريرية الشهادة، وإنما يرتبط بكتابة غيرية تنتهج التأويل.
وهذا الملمح في توسيع المفهوم بالنسبة للشهادة الأدبية للسيرة الغيرية لن يتحقق إلا إذا وضعنا في اعتبارنا أن كل السير الذاتية الغيرية في الكتابة الروائية تنتهج كتابة الشهادة الأدبية بشكل مغاير، تحاول من خلالها تسجيل شهادتها على عصر أو على سياق أو على شخصية بكامل منجزها في إطار رؤية تأويلية توجهنا نحو مقاربة السياقات والشخصيات بشكل مختلف بعيدا عن الصدق والمنحى التوثيقي في الشهادة الأدبية.
يعدّ الكتاب محاولة قوية للبناء والعمل الجاد، والإسهام اللافت الذي يؤسس من خلال الاتكاء على جزئيات متباعدة بناء كاملا، قد نختلف حول بعض الجزئيات أو التوجهات، ولكنه – بالرغم من ذلك – يظلّ متسما بالشموخ، لأنه يمثل حجر الأساس الذي يمكن أن يبني عليه الباحثون، ويضيفوا إليه متحاورين سلبا أو إيجابا مع منطلقاته وحدوده.
محمد الصفراني: «ما بعد الشمولية»
مركز أبو ظبي للغة العربية، أبو ظبي 2021
368 صفحة.