يقارب الناقد المصري شريف حتيتة في كتابه «النول والمغزل- سوسيولوجيا المتخيل السردي» جزئية بحثية لها أهميتها في الدرس الأدبي والنقدي، تتعلّق بالكيفية التي يمكن أن نقارب بها الواقع أو جزئياته، حين يتحوّل إلى متخيل مشدود إلى ذلك الواقع ومشيرا إليه. فالواقع – إذا أمكن الإمساك بشيء يتمحور حول هذا المسمّى – ليس شيئا ناجزا، أو محددا، فالواقع صيرورة دائمة تحتفي بالمغايرة من نص إلى آخر، وتحتفي بمعاينة المستمر الذي يتشكل بهيئة جديدة في كل مرة. وقيمة الموضوع للمقاربة في هذا الكتاب تتجلى في إعطاء قيمة خاصة للمرجع أو للواقع، والنظر إليه بوصفه متخيلا، فقد أسس الكتاب لفكرة أن ذلك أمر لا يمكن تجاوزه في النصوص السردية، لأنه وثيق الصلة بالانعطافات الجزئية والمفصلية التي تصيب المجتمعات خروجا أو تعاظما على ثنائية التراث والحداثة من جهة، وعلاقة المثقف بالسلطة في انفتاحها على مساحات التباس بين قسيمين: الفرد في نزوعه الدائم الحرية، والسلطة التي تظلّ مؤرقة للإنسان العربي على مرّ تاريخه، وتوزّع موقفه بين الخنوع والتسليم، والتبرم والخروج.
تحاول هذه الدراسة أن تقدم رؤية مغايرة انطلاقا من جسارة الهدف الذي وضعته أمامها، فهي تخلق نوعا من الخصوصية، حيث تقلب فيه الظاهرة الفنية موضوع الدراسة في شكل جديد، مستندة إلى تقسيمات وتفريعات خاصة بها، بل يمارس الباحث نوعا من نقل واستبدال المصطلحات من مجالات بعيدة، ويعيد تفعيلها وفق منطقه الخاص. يكشف الكتاب عن قدرة لافتة في التعامل مع النصوص من خلال المواجهة المباشرة، وهي مواجهة تطلّ محتمية بظلال قوية من المعرفة على مستوى النظرية الأدبية والنقدية، ومبنية على رصيد كبير من النصوص الروائية.
الجاهزية وغياب البنية
في الفصل الأول (المرجع الموضوع الخطاب) يعتمد حتيتة على مصطلح المرجع، وكأنه باستخدامه مصطلح المرجع قد تخلص من بؤس وهلامية وضبابية مصطلح الواقع، والتأمل الدقيق – خاصة حين يستحضر القارئ آلية مقاربته، وانفتاحها على الاجتماعي – يكشف عن أن الفارق ليس كبيرا بينهما، والتميز لا يتشكل في حدود إحلال مصطلح محل آخر، ولكن التميز فيما أعتقد يتشكل في التخلص من عبء الجاهزية والموضوع المنجز، لأنه إذا تمّ ذلك سيتحوّل المرجع أو الواقع إلى شيء قيد الإنجاز الدائم لارتباطه بالخطاب، أكثر من تعلقه بشيء فكري منجز تمّ الإلماح إلى وجوده مشكلّا في سمت نهائي.
حين يقول شريف حتيتة: (تقيم الرواية – ترمي بشرر – علاقة بين التراجع الأخلاقي والمال…)، أو (التخييل في ترمي بشرر ليس تخييلا فرديا…) فيدرك القارئ أن هناك جاهزية ما قد تشكلت، وأن هناك إنجازا قد يصرف الناقد عن تأمل الجزئيات البسيطة المتوارية، فكل ضوء زائد يتمّ تسليطه على جزئية، يتجاوب معه عماء في تأمل جزئيات أخرى. هناك مداخل في الكتاب تحمل كثيرا من الجاهزية والإنجاز المؤسس، خاصة الجزئيات المشكلة للفصل الثاني (التمثيلات الاجتماعية)، وهي على الترتيب: الدين والجسد والمهمش، وهي على أهميتها وتحقق وجودها بأشكال عديدة، إلا أن النظرة الأولى لقارئ الروايات مجال الاشتغال، تثبت أنها لم تكن التمثيلات الاجتماعية الوحيدة، وأن بعض هذه التمثيلات لم تكن إلا مظهرا لأنساق أكثر خفاء وفاعلية، وأن هذه الأنساق وثيقة الصلة بالتحرر والانعتاق من قوتها، أو بالبقاء داخلها دون حركة، وأن بوسع القارئ أن يغيّر في هذه الترتيبات وفق رؤيته الخاصة.
وفي وقوف حتيتة أمام رواية «سيدات القمر»، بوضعها داخل أفق (المقدس) بالنسبة لتمثيل الدين، يخايل القارئ شعور ما، أن هذه القداسة لا تتعلّق بالدين بحدّ ذاته، ولكن تتعلّق به بوصفه مظهرا من مظاهر الثبات المؤسس في مقابل الحركة، فمقولات زوجة المؤذن التي اعتمد الباحث على قيمة ما تقوله لإثبات هذه القداسة، حتى لو كان قولها مخالفا لحديث الرسول لا تختلف في جانب من جوانبها عن مقولات (المتوصّف) أو ضارب المثل، فمقولات كليهما ليست إلا صورة من صور السلطة التي لا يُتخيل جرحها، بالرغم من كونها لا تخلو من مغالطات، ومن توجهات تهويمية للتفسير والتأويل، فالمثل في حد ذاته دعوة للإلزام والتوجيه نحو فاعلية دلالية وحركية توجيهية، دون تفكيك الالتباسات والمغالطات التي ينطوي عليها المثل، فالمثل طمس لكل محاولة تجديد تطلّ برأسها، وتثبيت للقديم بشكل شمولي وجمعي، وتسويغ لمشروعية استمراره، فهو – مع أقوال زوجة المؤذن- تواطؤ على خطأ لم يتمّ تفكيكه للوصول إلى مقاربة ارتكاسية شمولية للواقع.
أما في رواية «بريد الليل» التي وضع الباحث مقاربته لها تحت عنوان (الدين والتمرّد الشامل) فأعتقد أن أصحاب الرسائل جميعهم في هذه الرواية بعيدون عن شبهة التمرّد على اختلاف مناحيه، فالأمر لدى معظمهم نابع من فكرة سوء التكيف، أو فقدان الانسجام، والبحث عن مأوى، وكتابة الرسائل تتشكّل في مساحة التوسط والتوزّع بين عالمين، فهم جميعا مستسلمون، ولكن هذا الاستسلام لا يمنعهم من إبداء وتوجيه الأسئلة، ولكنها أسئلة لا تتعلق بالدين، بقدر تعلقها بأسئلة وجودية تأملية ترتبط بالحياة والوجود.
الجاهزية ومحاولة البحث عن تجليها في الروايات التي تشكل مجال الاشتغال تجعل الباحث يفترض وجودا لافتا لجزئيات هامشية، فيجعلها بسبب مدخله الجاهز متنا، مثل وقوفه عند شخصية فكي علي الزغراد في رواية «الجنقو مسامير الأرض» بوصفها علما أو تجليا لفكرة الدين، بالرغم من كونه لا يزيد عن مشعوذ، يتوسّل بأشياء عديدة للوصول إلى هدفه. وربما يكون الأمر ذاته حاضرا في رواية «طعم أسود…رائحة سوداء» لعلي المقري، فالاهتمام هنا ليس بالدين، ولكن الأمر مشدود لفاعلية أو لنسق التراتب التي تطيح بكل ما هو ديني، فالتقاليد صارمة، والتراتب حاضر وفاعل.
فالإلماح إلى المكان، وهو لا يخلو من وحشة وانقطاع، وخروج وانتظار لاندماج، بالإضافة إلى تقنية الرسائل التي ترتبط بالعودة إلى الباطني الغائر، وإلى اندياحات زمانية ومكانية، لا يخلوان من فاعلية في تشكيل المتخيلات السردية، ففي ظل هاتين الآليتين هناك تبئير على نتائج السياقات المختلفة في تشكيل هذا الانقطاع والطرد، فالمهم هنا نتائج السياقات والأنساق، وليست السياقات بحدّ ذاتها، ولذلك نلمح الجامع بينها يتشكّل في وحدة الأثر النفسي مع أصحاب الرسائل.
طبيعة المقاربة
تكشف المقاربة النقدية في الفصل الأول- بوصفها بحثا أو تشكيلا لموضوع عام يشكّل متخيلا- عن انشداد إلى المعنى والدلالة، ويحميها من الوقوع في سياق تلخيصي للعمل قدرة لافتة من الباحث على صناعة العناوين، ويحميها- أيضا- لغة نقدية تتوسّل بالاحتماء بالمعرفي، ولديها رغبة واضحة في نقل هذا المعرفي إلى المتلقي. ففي جزئية (الضيافة والهوية المستحيلة) يطالع القارئ مقاربة جادة لرواية «ساق البامبو» لسعود السنعوسي، مقاربة تحتمي بالنص الروائي من خلال الاقتباسات الدالة الكاشفة عن التعايش في ظل تأسيس واستمرار حدود التراتب، وهي تشكل نسقا اجتماعيا واسعا داخل المجتمع العربي، بداية من العصر الجاهلي مرورا بالإسلامي على توّع أشكاله وتجلياته، وانتهاء باللحظة الراهنة.
وفي سياق رصد أو لمس الفكرة الموغلة في القدم حتى أحقاب زمنية بعيدة، يطلّ النسقي الممتد، ويخفت وميض الاجتماعي موضوع وأساس المقاربة، ليجد القارئ نفسه أمام نسق ممتد يقل أو يزيد أثره ووجوده طبقا لتنوع الشخصيات وخلفياتها الثقافية. المقاربة النقدية هنا منفتحة على المعنى والدلالة والتراتب وفاعلية النسق، والتعدد الهوياتي داخل الأفق المغلق، وتتجلى المقاربة النقدية محتمية بالاقتباسات من النص الروائي. وتستمرّ آلية المقاربة ذاتها فاعلة أمام موضوع أو جزئية التحوّل، وفي كل هذه الجزئيات على اختلاف طبيعة التحوّل في كل رواية على حدة (ترمي بشرر- والطلياني- وسيدة الزمالك) يظل التناول واقفا عند حدود رصد التحولات. فعناية الباحث برصد السياق العام في العمل يعدّ شيئا ذا قيمة في رواية الطلياني، ولكن هذه العناية قد تهمل عامدة أن هذه الرواية وإن صنعت متخيلها الخاص، لها متخيل جاهز يبدو أنه رافق العمل في كل منعطفاته، خاصة في ملامح تكوين الشخصية الرئيسة، فالطلياني لا يمكن فصل ارتكازها على روايات اليسار المصري، خاصة رواية «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم، بل لا يمكن فصلها عن نثارات واقعية لشخصيات مصرية حقيقية.
إن دراسة المتخيل السردي في رواية مثل «الطلياني» يجب أن يكون نابعا من بنيات نصية، تحمي المقاربة من عبء الشرح، والاحتماء بالاقتباس، فضل عن أن مثل هذه المقاربة- إذا تحقق لها ذلك التناول النصي- تطلّ بوصفها بناءات ممتدة، لا تعطي وعدا بالبداية من فراغ، أو من الوصول إلى إنجاز نهائي، فهي بنيات متداخلة ومتلاحمة، ويكفل لها هذا التناول الكشف عن مساحات التوازي والتماهي، بالإضافة إلى اجتراحها لأفق جديد مشدود لحيّزها الخاص، أو لنثارها الواقعي المائز.
وجود الفصل الأخير (جماليات المتخيل السردي) يمثل محاولة للاكتمال، وتقليلا للهوة بين التناول السابق المبني على تشكيلات المتخيل الاجتماعي الذي يضرب بجذوره في مقاربة الواقع أو المرجع أو النثار الواقعي بشكل لافت والتناول في الفصل الأخير، وإن كان التناول في البداية لا يخلو من وقفات جادة يستحضر فيها حتيتة جزئيات بنائية لها دور في تشكيل المتخيل السردي أو الاجتماعي، ولكن هذا التناول في الفصلين الأولين- أي الوعي بدور البنية- لم يتم التوجه إليه بشكل مباشر.
في الفصل الأخير من الكتاب تتوجه المقاربة توجها مغايرا، فهناك حضور لافت لبنيات نصية، وهناك انطلاق منها لتأسيس وعي خاص بالنص. فالتركيز هنا على الجمالي في انفتاح المقاربة النقدية على الجماليات الفنية، بداية من (التذويت)، حيث يجيء تمثيل الشخصية كاشفا عن التمثيل الذاتي الفردي، فالعناية بالأنساق والسياقات والتحولات قد تغيّب الذاتي، وتجعل وروده في مثل هذه الروايات وثيق الصلة بالبحث عن الجماليات الخاصة للوصول إليها، خاصة إذا كان تأسيس هذا المدخل للكشف عن الذاتي الباطني يتشكل في ظل تعدد الأصوات والمنظورات العديدة.
في كل فصول الكتاب تأتي عناوين الفصول والعناوين الجانبية كاشفة عن القدرة في صياغة عناوين جديدة لافتة، ولكن العنوان الجديد لا يمثل جدّة في نحته وتكوينه فقط، لكنه يمثل استعدادا جديدا لاختراع مقاربة مغايرة، فالعناوين الجديدة اللافتة تمثل تقليبا للظاهرة وفق فهم جديد. فمقاربته للمونولوج والديالوج تحت عنوان (نوافذ بديلة للبوح) يأتي متساوقا مع السياق العام والمجتمع، والأنساق الضاغطة التي تجعل فعلي البوح والإفضاء بعيدين عن التجلي بشكل مباشر، وإنما من خلال آليات خاصة تكشف فيها الذات عن نفسها، وعن أزمتها الذاتية في مواجهة العام.
تتبقى جزئية أخيرة تتعلّق بالجانب المعرفي والعناية بالاقتباسات، سواء أكان الأمر مرتبطا بالنصوص الروائية لإثبات مشروعية التوجه في التأويل أو الفهم، أو بالمراجع النظرية لبناء المنحى المعرفي. فالاقتباسات بشكل عام- بالرغم من أهميتها- أعتقد أنها تمارس نوعا من التشويش على الفكرة النامية في النص، ونوعا من تحجيم الحرية في التعامل مع النصوص، فتلح بوصفها قيدا للحركة، وبدلا من كونها طريقا للبراح وفتحا لمسارب الرؤية، تبدو إغلاقا وتعتيما.
في بعض الأحيان تقوم الاقتباسات بإحداث نوع من التشويش على الفكرة، خاصة حين يأتي الاقتباس طويلا، وينفتح على موضوعات شبه بعيدة عن الفكرة أو عن حركة المعنى النامية في الكتابة النقدية، فضلا عن كونه يؤثر على تمدد السردية النقدية. فحين يتحدث حتيتة عن التحوّل في رواية «ترمي بشرر» تحت تأثير سطو المال، وارتباطه بالجنس، نجد أن الاقتباس المأخوذ من ألبرتو مورافيا (لقد أردت أن أفهم كيف يمكن شراء الجنس، في حين لا يمكن شراء العاطفة) يولّد نوعا من التشويش على سردية الكتابة النقدية، وذلك بتوزعها إلى ثنائية جديدة، ليست وثيقة الصلة بفكرة التحوّل، وذوبان الأخلاقي والقيمي تحت تأثير سطوة المال.
شريف حتيتة في «النول والمغزل»
المحرر للنشر والتوزيع، القاهرة 2023
259 صفحة.