لا يتعامل محمد عبد الباسط عيد في كل ما يكتب بعقلية الباحث، وإن كان منجزه يثبت أنه يعي ويدرك ويلمّ بهذه الأدوات والإجراءات إلماما فائقا، لكنه يتعامل مع النصوص بعقلية الأديب وتفكير الفنّان، ويمكن تلمّس أثر ذلك في عنوان هذا الكتاب «خباء الشعر والنقد – معلقة امرئ القيس الشروح.. البلاغة.. الحجاج»، لأنه يصنع من خلال هذا العنوان تماهيا بين النقد والشعر، فإذا كان الشعر في منطق الكتاب بحثا عن مستحيل، وارتباطا بالوجود من خلال طرح أسئلة الذات بحثا عن اليقين، فإن النقد يدور في فلك خاص به، في بحثه عن طبقته الخاصة ليثبتها في معاينة النص، ليخلق فرادة في الرؤية والمقاربة، ويخلق فضاء لذاته لا يكون فيه تابعا لخطاب الشاعر، لكنه يجعل منه نورا يطل منه على أسئلته الآنية المقلقة.
ويمكن تلمّس ذلك في لغته التي تميل إلى الأدبية المحسوبة بدقة لافتة، وفي استخدامه الإحالات والإبدالات بين الشعر والنقد، فلديه قدرة عجيبة على إدخال الإجراءات النقدية في نسق إبداعي خاص، يجليها وفق منظوره ورؤيته. فكتابته ناتجة عن التأثر بالنص، والارتباط بهذا التأثر، ومن ثمّ البحث عن طريقة لافتة للإمساك بفنية النصّ أو القصيدة. ويمثل هذا التأثر دافعا كبيرا لإخراج الكثير من القناعات والتكوينات البحثية والجمالية والعلمية، لدرجة أن القارئ يشعر أنه يقدم له معارف عديدة وقناعات ربما تكون بعيدة إلى حدّ ما عن موضوع الاشتغال، لكن كل ذلك مسيج بالرغبة في نقل المعرفة، وتشكيل طبقة ذاتية للوعي بالنص.
ما يقوم به عبد الباسط عيد في هذا الكتاب، وفي الفصل الثالث، وفي المبحث الأول تحديدا المرتبط بالمقاربة وصناعة طبقة جديدة لمطاردة الشعر وأسئلته في خبائه، يتمثل في الانطلاق من اللغوي، لكنه لا يبقي على هذا اللغوي، بل يحيله إلى رؤى معرفية شديدة الذاتية، وتستمرّ بالرغم من ذلك متعلقة بأسباب الموضوعية، فهذه الرؤية الذاتية تخلق براحا يرتفع بالنص، ليعيد تنضيد تساؤلاته معتمدا على بنى لغوية. يمارس الباحث في مقاربته للمعلقة في هذا الكتاب كثيرا من الاحتراز، ولكن أهمها فيما أظن يمكن أن يطلق عليه احتراز الوقوف أو الاقتراح. ففي كثير من اللوحات يحاول أن ينقل المعلقة من واقعيتها ومن سياقها اللغوي، أو على الأصح يوجّه تأويلها في كل صورها وتجلياتها، ويحوّلها إلى سياق أكبر، يرتبط بوضع الإنسان في الكون، والأسئلة الوجودية والكونية، وترقب النور، والميلاد والموت، والبداية والنهاية، ولكنه في تمريره لهذه الفكرة يعرف أين يقف، ويدرك أن ذلك ليس سوى مقترح قد تؤيده البنية أو تنمو بعيدة نافرة عنه. ففي تقديمه لهذا التأويل لا يتجاوز- في ظل غياب المرشدات الدامغة للإيمان بمشروعيته- حدود الإشارة إليه بوصفه مقترحا، أو مخايلة، أو داخل دائرة التشبه التي توقف عندها كثيرا في مقاربته وتأويله لنص المعلقة.
المقاربة النقدية
إن أية مقاربة لنص من النصوص تتحدد وفق الهدف الأساسي منها، وهدف الكتاب بعد القراءة موزّع بين مطاردة الشعر من جانب، ويتشكل في إطاره هدف ثان يتمثل في تقديم طبقة نقدية تأويلية جديدة كاشفة عن طبيعة هذه المطاردة. فالفنون- والشعر في القلب منها- شيء متعال ويشكل موقفا وجوديا من العالم، ويأخذ في ظل ذلك أشكالا وصورا عديدة، لا ترتبط بذاتها، وإنما تتجلى ـ فوق وجودها الذاتي المتعيّن- بكونها جزئيات وأدوات كاشفة عن الاستقواء ضد هذا الفراغ المخيف، وضد هذه الصحراء باتساعها.
وإذا كان الشعر- في منطق الكتاب – يتشكل وفق هذه القداسة والخباء المصون، فإن النقد – وهو خطاب مواز للخطاب الشعري – يأخذ كثيرا من سماته، ويصبح له خباء أيضا، ويشكل في كل صوره وتجلياته طبقة مقترحة تسهم بالضرورة في تشكيل طبقات قادمة، وتجعلنا نرى الطبقات السابقة على نحو مغاير، لأن الانطلاق من الآني بحدوده المعرفية يغيّر في ملامحها.
في اللوحة الثانية (أيام امرئ القيس) هناك اعتماد على تمدد فعل الذاكرة، فالذاكرة- وإن كانت منطلقة في تجاوبها مع لوحة الطلل- تنحو منحى آخر، يرتبط بمعاينة وجه مباين، فالذاكرة في لحظة الهزيمة أو الحزن أو البكاء، تحاول تشكيل منطلقات للمقاومة، وذلك من خلال تجذرها في اتجاه مغاير لحالة الحزن، وكأن في ذلك سبيلا للاستقواء، ولاستعادة الهدوء.
في اللوحة الثالثة (بيضة الخدر) يأخذ هذا المدى التأويلي قمته، في كونه يجذّر المرأة – انطلاقا من فكرة الخباء والخدر- في أفق كوّة النور، للوصول بأسئلته المتعلقة بالذات والكون والوجود والمصير إلى برد اليقين. أما في اللوحة الرابعة نجد أنفسنا أمام خطوة جديدة لبناء الطبقة التأويلية للمقاربة، وذلك من خلال زحزحة الليل من ليل مادي قائم على التعاقب، إلى ليل داخلي يرتبط بالذات، وفي ظلّ تلك الزحزحة لن يكون هناك فارق كبير بين الليل والنهار. تلحّ المقاربة النقدية على صفة النمذجة والمثال في تصوير ليل امرئ القيس، فهو ليل الصمت، وغياب المعرفة والنور.
تتميز المقاربة التأويلية في هذا الكتاب، سواء داخل اللوحة الواحدة، أو داخل الجدارية بلوحاتها العديدة، بالقدرة على صناعة الحركة والحيوية من بيت إلى بيت، وإقامة منطق سردي متنام، وإن خايلنا في بعض الأحيان إحساس بالمدرسية في التناول، ربما يكون نابعا من استراتيجية التفتيت التي لم تعد مطروحة على هذا النحو في التناول النقدي، فالنص القديم قد يمنحك بعضا من الرؤى المعرفية، ولكن تجذير هذه الرؤى المعرفية لا يتمّ إلا بهذه الطريقة من التفتيت.
تلح المقاربة التأويلية على جزئية أثناء وقوفها أمام لوحات الجدارية، خاصة في تشكيل المرأة والفرس والسيل، تتمثل في الاستناد إلى فكرة النموذج والمثال. ولكن بالرغم من التنبه إلى هذه الفكرة ودورها الحيوي في تشكيل الطبقة أو المقترح التأويلي، لم يكن هناك وقوف أمام قيمة ضمير الغياب المؤثر الأساس في صناعة هذه النمذجة أو المثال، فمنهج الحجاج – لارتباطه بالجمالي والتداولي – منفتح على تأمل البنية.
ويتجاوب مع الجزئية السابقة، فكرة تجلت كثيرا في المقاربة النقدية، وهي الفرادة والنمذجة في تصوير نثريات الواقع وجزئياته، وإلصاق كل ذلك بامرئ القيس. فامرؤ القيس ليس عجيبا في ذلك أو شاعرا خارجا عن حدود الهوية الفنية لعصره، لكنه جزء منها وكاشف عنها. فالفرادة أو النمذجة التي توقف عندها عبد الباسط عيد في تصوير المرأة والفرس والليل تمثل نسقا فنيا عاما لدى كل الشعراء، لدرجة أن القارئ لشعرهم يخايله ذلك الاعتماد على الثنائيات المتضادة، للإلحاح على فكرة الاكتمال.
يعتمد عبد الباسط عيد في كتابه على الحجاج بوصفه آلية قرائية تأويلية، وإن حاول الباحث إخفاء أو تغييب هذه الإجراءات، كي يساعد من وجهة نظره على اتساع فعل القراءة والتأثير. ولكن يطل هذا السؤال بعد قراءة الجزء الخاص بالمقاربة التأويلية: هل لأدوات الحجاج فاعلية واضحة في المقاربة؟ فالقارئ يدرك في بداية المقاربة في اللوحة الأولى والثانية وربما حتى الثالثة، أن هناك ذكرا للحجج أو لأسس الحجاج، ولكن مع التقدم في المقاربة، بدأت هذه المرتكزات في التآكل.
بنية الكتاب وطبقات التأويل
في دراسته يعطي عبد الباسط عيد قيمة لافتة للشروح التي تعرضت لمعلقة امرئ القيس، ويؤسسها طبقة أولى من طبقات المقاربة داخل نسق قادر على التحوّل والتحوّر باستمرار، فهي في رأيه طبقة منفتحة على البلاغي والتداولي، ثم أضاف مبحثا تاليا للمناهج الحديثة خارجية وداخلية، وللنقد الثقافي. قد يكون التساؤل مشروعا عن جدوى الوقوف عند طبقة الشرّاح، وعند المناهج بتنويعاتها المختلفة على امتداد القرن العشرين.
ينطلق الباحث في كتابه من قناعة ترى أن النقد طبقات نقدية معرفية تتراكم داخل النسق الواحد، وصورة الطبقة مشدودة إلى سياقها المعرفي والحضاري والفكري، وأن التوجهات أو الآليات التي تنتهجها كل طبقة وثيقة الصلة بتكوينها وثقافتها. وفي ظل هذا الهدف كان الوقوف عند الطبقات السابقة ضروريا، لأن لديه إيمانا بأن الطبقات بالرغم من اختلافها في التوجه متداخلة، فهدف الكتاب الأساسي تقديم طبقة جديدة مع تأمل ومعاينة الطبقات السابقة. فمع طبقة الشرّاح توقف عند مفاهيم أساسية في عملهم، وهي على الترتيب: التأويل، والنص واقعة ثقافية، والبيت المفرد والمستقل، مع الإشارات اللافتة عن دورهم في البحث عن سرديات الشاعر، وعن الشعر الذي يثبت هذه السردية، بالإضافة إلى التنبه إلى فكرة الهوية في أواخر القرن الثاني الهجري مع انتشار الشعوبية.
إن الوعي بحدود الأفكار النظرية في منطلقات الشرّاح مهم، خاصة في وجود جزئية على نحو كبير من الأهمية، تنبّه إليها عبد الباسط عيد، ولكنه وضعها في الهامش بدلا من المتن، وهي جزئية تجاوب الممارسة النقدية مع النظرية في الشروح، وانفصالها على الأقل في بداية التعرف المنهجي في بدايات القرن العشرين. فهذه الجزئية فيما أعتقد تمثل عصب المقاربة لدى الشرّاح، وتمثل عنصرا من عناصر التميز الذي نرى صداه واضحا في هذه اللحظة، في تغييب الظهور المباشر للنظرية أو لحدود المنهج وإجراءاته، وظهور الأثر في المقاربة النقدية.
في مقاربته لإسهامات المنهجين التاريخي والنفسي، ليس هناك- بالرغم من إشاراته اللافتة وتناوله المتميز— إشارة إلى اكتشافات وإضافات هذه الطبقة في مقاربة المعلّقة، فكل ما قدمه مرتبط بتنظيرات طه حسين أو جماعة الديوان دون إدراج إسهام يمكن الوقوف عنده، للإشارة إلى مغايرة في المقاربة. فالمطلوب في مثل هذه المقاربات، وفي ظل هذه الجدارية النقدية المتجاورة وتآزر طبقاتها وتحولاتها أن نشير إلى طبيعة الطبقة، وإلى التحولات أو التحويرات التي تشكلت في حدودها، من خلال تأمل بنيتها وسياقاتها.
مقاربة أو طبقة عبد الباسط عيد في هذا الكتاب في مقاربة معلّقة امرئ القيس، تمثل محاولة بالغة الإدهاش والدقة، بالرغم ما يمكن أن يقال عنها في فرديتها وذاتيتها، وإضافاتها البلاغية والخطابية، لأنها أفلحت في تشكيل هذا التماهي بين الشعري والنقدي، وأسست موقفا لكليهما على مسافة واحدة، في مراقبة وتأمل كائن الشعر، ذلك الكائن الذي يغيّر مواقعه باستمرار، وأماكن وفضاءات طيرانه وصورها، ولكنه بالرغم من كل ذلك يظل بعيدا عن التعريف والتحديد.
محمد عبد الباسط عيد: «خباء الشعر»
دار العين للنشر، القاهرة 2023
266 صفحة.