في كتابه «تحديات النقد الثقافي» يقدم الناقد والأكاديمي المصري هشام زغلول مغامرة نقدية قائمة على قراءة مقاربات النقاد العرب للشعر القديم المرتبطة بإجراءات ومفاهيم النقد الثقافي. والكتاب على قدر كبير من الأهمية، لأنه يقدم قراءة فاحصة لهذا المنجز، يحاول من خلالها – في الباب الأول على الأقل – أن يذيب الحدود بين النظرية والممارسة النقدية، بحيث تأتي إشاراته في هذا الباب منضوية داخل إطار معرفي عام. فالمنطلق الأساسي في مقاربته لمنجز السابقين تمتاز بسعة الأفق وبراح التوجه، فهو لم يأخذ طريق الوصف، وتكريس المآخذ في كل أجزاء الكتاب، وإن كانت الثانية منطلقا أساسيا من منطلقاته.
قيمة هذا الكتاب – فوق ما سبق – ترتبط بالقدرة على الحركة بين العام (النقد الثقافي في إطاره المعرفي) والخاص (المنجز الكتابي للسابقين)، وفي تلك الحركة يتجلى أول شكل لقراءة تهدم الحدود بين النظرية والممارسة، وهذا ما أسماه زغلول بالتذويب. ومن خلال هذا التوجه يذوب منجز السابقين بما له من إيجابيات وسلبيات، ويصبح جزءا من منطق جديد، يتحوّل بالتدريج إلى إطار معرفي لتلق مشدود لزمن وسياق مغايرين، فيهما من السابق، ويؤسسان نافذة قد تنزاح أو تتطابق مع هذا السابق.
الإيهام بالثنائية
نجد في هذا الكتاب محاولة جادة للتصنيف أو التبويب اللذين يخلقان بالتدريج نوعا من التماسك والصلابة، يكشف عن ذلك الرغبة في التقسيم والتفتيت في غير كبير اختلاف، سواء تعلّق الأمر بجزئيات بسيطة، أو تعلّق بثنائية يدور حولها الكتاب إجمالا. يؤسس الكتاب في كل أبوابه وجزئياته مغايرة واضحة بين اتجاهين: القبحيات من خلال إسهام عبد الله الغذامي ومن دار في إطاره من الباحثين، والجماليات في مقاربات عبد القادر الرباعي وتلاميذه، ويحمل على الاتجاه الأول، لأنه يطرح الثقافي ببعده النسقي بديلا عن جماليات النقد الأدبي المؤسسة على مدى تاريخي ممتد في الشعرية العربية.
وإذا كان هذا الأمر صحيحا في إطاره الواسع الممتد، فإن هناك احترازا أو مجموعة من الاحترازات، يجب أن تقدم، وأن تكون حاضرة في أذهاننا، يتمثل أولها في طبيعة البدايات لأي مجال معرفي – أو نوع أدبي أو نظرية – وديدنها في خلق مساحة اهتمام في مقابل نسق مستقر وممتد. فأي توجه جديد إبداعي أو نظري تصاحبه بالضرورة مساحة من الانحياز في حده الأقصى لزلزلة السائد، وتوجيه عيون المتابعين واهتماماتهم إلى قيمة ما يقدمه أو يطرحه.
يتمثل الاحتراز الثاني في طبيعة النظرة إلى هذه التفاوضات والتداخلات، فالنظر المراقب لها يجب أن يكون مرتبطا بمساحة التداخل أو بنتائجه، لأننا في النهاية أمام بنية تتحول ذاتيا، فليس من الضروري أن يكون من أعاد الاتزان، وأدخلها في مساحة التفاوض من أحدث المغايرة أو الزلزلة.
ويتمثل الاحتراز الثالث في اعتبار منجز الرباعي وتلاميذه – بالإضافة إلى تعديلات الغذامي على كتابه الأول الذي يمثل الانحياز التأسيسي في شكله الأقصى – حالة من حالات التعديل المستمر لتلقي النظرية في ارتباطها بالممارسة النصية التي تخلق بالضرورة شكلا مختلفا. فمن يؤسس – أو ينقل – نظرية يختلف عن من جاء بعده، فأمام من يليه رصيد تم إنجازه، ومن ثمّ يعمل على تأمل هذا المنجز والاشتغال على نواقصه، وترميم سلبياته. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار المقابلة الحادة التي أقام الكتاب فكرته عليها في كل أبوابه، خاصة في البابين الأخيرين، ليس لها ما يبررها، حتى لو كان الرصد يرتبط بالزمن ومساحة الهيمنة والسيطرة.
قد يبدو في القبول بأن هذين الاتجاهين في مجال النقد الثقافي متقابلان ومتضادان في الآن ذاته من خلال هذا العرض، إشارة إلى حصر كل الأعمال المنجزة في إطارهما، وأن تنضيد هذا التقابل أو التباين لا يخلو من قصدية تبسيط، بالإضافة إلى أن التأمل الدقيق يكشف عن أن الغذامي لا يمكن ـ حتى لو أراد – أن ينجو من فخ الجمالي، فالثقافي الذي يركز على الأنساق المضمرة، لا يمكن أن يتجلى إلا في ظل استحضار الجمالي، حتى لو بدا للقارئ أن هناك محاولة في اختزانه أو قمعه، فبعده عن الجمالي في كتابه الأول شبيه إلى حدّ بعيد بما كان يفعله البنيويون العرب في كتبهم الأولى في إضفاء سمة علمية أو نظرية حادة في تشييد تطبيقاتهم، محاولين إخفاء معرفتهم عن العصر أو عن الشاعر، لكي يؤسسوا لأنفسهم وجودا خارج الاتجاه القديم، مبتعدين عنه.
وما نشير إليه هنا من أن الاتجاهين في الحقيقة اتجاه واحد، لا يناقض كلام زغلول أو ينفيه، لكنه كان مهما لو تمّ الانتباه إلى ذلك، لأن البعد عن المقابلة الحادة في مقاربة المنجز، يؤثر بالضرورة على طبيعتها، في إدراكها التراتب أو النمو الطبيعي في المقاربات بشكل عام على تنوّعها، سواء عند الغذامي ورفاقه أو عند الرباعي وتلاميذه.
لقد توسّع زغلول في نقد مشروع الغذامي، وبدا وكأنه المسؤول عن كل المزالق الخاصة بالنقد الثقافي، خاصة في اعتباره مسؤولا عن منجز تلاميذه على اختلاف قيمة كل واحد منهم، وتوزّعه بين الجودة والرداءة، وفي المساواة بينه وبينهم بالرغم من الفارق الكبير، فهناك شعور يخامر القارئ أن هناك نوعا من التحامل أو القصدية في إظهار التباسات المقاربة لدى الغذامي. وأعتقد أن هذه النتيجة في تقديري تولّدت من افتراض وجود اتجاهين في منجز فردين، ومحاولة صنع تمايز أو تقابل بينهما، وتأسيس مشروعية أو أفضلية لواحد دون آخر، بالرغم من أن منجز التمثل التالي لا يخلو من ملاحظات جوهرية، مثل الملاحظات العامة المقتضبة التي قدمها الباحث إلى بعض منجز عليمات.
هل أدت هذه القراءات إلى نتائج فريدة؟ أم أن هناك دراسات قديمة تصل إلى النتائج ذاتها، من خلال تعاظمها على الوقوف عند حدود الفني، وانطلقت منه لتصل إلى نتائج شبيهة متوارية، ينقصها فقط البنية الاصطلاحية الخاصة بالنقد الثقافي، وتعدد منطلقاته الفلسفية، يؤيد ذلك أن الباحث في أحيان كثيرة يعود إلى كتب قديمة بعيدة عن النقد الثقافي لتأكيد فكرته.
آلية المقاربة
أعتقد أنه بالرغم من قيمة الكتاب، وقيامه بدوره الخاص ارتباطا بعنوانه الموضوع على غلافه، إلا أن هناك أشياء ضرورية كان يجب أن تكون حاضرة، لكي تصبح الإضافة العلمية أكثر قوة وتأثيرا، يتمثل ذلك في التزيد في الحضور، بالإضافة إلى غياب جزئيات كان وجودها ضروريا للأفق المعرفي الذي يدور في إطاره. فهناك وقوف أمام دراسات غير جيدة، كان من المفروض أن تهمل، ولا يتمّ الالتفات إليها، لافتقاد أصحابها للفهم الشعري، فضلا عن عدم قدرتهم في الوصول إلى الثقافي المتواري.
فالانتقائية للأعمال الجيدة لا تجرح الاستقصاء المنوط بكل عمل علمي، فكثير من الأسماء التي وردت – بعد الغذامي والرباعي – في نص الكتاب باستثناء نادر كاظم ويوسف عليمات ومعجب الزهراني وعبد الواسع الحميري، لم تحقق إضافة فارقة بالمعنى العلمي في مجال النقد الثقافي، ونقد إسهاماته. ومن ثم جاءت نبرة المقاربة فيها الكثير من الاستعلاء المشفوع بالتوجيه المستمر لمنجز هؤلاء الباحثين، وهو توجه كان يمكن أن يتجلى- إذا تمت تصفية هذه الأعمال – في شكل أكثر احترازا، لأنه من خلال هذا التوجيه تتولّد – دون أن يشعر الباحث- مساحة واسعة من اليقين، حاول الباحث أن يتخلص منها في نهاية الكتاب.
في المقاربة النقدية لجزئيات الموضوع وأبوابه تطل سمة أساسية، ربما شكلّت حضورا لافتا في كل أبواب الكتاب، وهي العناية بالتقسيم والتفتيت، وتشعيب الظاهرة لاستيفاء الشكل. ففي تناوله لنص عمرو بن كلثوم في الباب الأول هناك تأسيس لوضعه داخل جزئية نسق السلطة السياسية، محدثا مغايرة بينها وبين نسق سلطة القبيلة. وأعتقد أن هذا التوجه ليس له ما يبرره، خاصة أن السلطة الفاعلة في هذا الزمان سلطة القبيلة. والسلطة السياسية ـ إن وجدت – فهي لا تعدو أن تكون أداة لعقد الصلح، وليست بأي شكل من الأشكال شبيهة بالوضع الآني. وأعتقد- في ظل ذلك الفهم- أن الخطاب موجه إلى سلطة نظيرة موازية، وليس لها أية مساحة فوقية أو استعلائية.
قارئ الكتاب يدرك أن هناك أشياء غائبة تتصل بالإطار المعرفي المقترح للمقاربة، فالإقرار بعدم وجود أرضية صلبة للنقد الثقافي، جعل تطلعاتي لهذا الكتاب تضع هذا الأمر ضمن أهدافها التي يمكن أن يقوم بها، وهو بها حقيق، نظرا لتكوّن صاحبه الخاص في بعديه التراثي والغربي. فالوصول إلى إجراءات مقترحة لها صفة الثبات والوجود المتكرر في إسهامات النقاد داخل حيز النقد الثقافي كان ضروريا لخلق نوع من التماسك الإجرائي بعيدا عن شبهة الثبات. فالتكرار الدوري لبعض العناصر الفاعلة يخلق تدريجيا نوعا من الصلابة والتماسك دون وصول للثبات، وذلك من خلال اتخاذها شكلا مغايرا في كل مقاربة في إطار جدل التشابه والاختلاف، وخلق الأفق الجديد الذي يتمدد في كل مقاربة، ويؤسس وجودا جديدا.
إن فكرة التذويب بين النظرية والممارسة التي خلقت وجودا لافتا في الباب الأول من الكتاب، تأثرت في البابين التاليين، لابتعاد الباحث ـ ربما ارتباطا بعنوانه واستكمال حدود موضوعه – عن هذا التداخل الفعّال بين النظرية والممارسة، لأن هذا التداخل يشكل نوعا من الإرجاء المستمر والبعد عن اليقين، بالإضافة إلى زحزحة المقاربة نحو التوجيه والنقد المتعلق بجزئيات، مما أسهم في ابتعاده عن حيوية الإطار المعرفي، وانشداده إلى المآخذ في الباب الأخير التي لا تبعد كثيرا عن المآخذ العامة بكل ناقد، وليست وثيقة الصلة بالنقد الثقافي.
لقد لامس الكتاب من بعيد الطريق الحيوي للوصول إلى مقاربة ثقافية جيدة، بل لأية مقاربة مهما كان توجهها، أو إطارها النظري، من خلال تنبهه إلى فكرة تداخل النظرية والممارسة، ومن خلال وعيه اللافت بفكرة الإرجاء المرتبطة بدريدا ومنهجه التفكيكي. فالأفق الجديد للمعرفة النظرية القائمة على الممارسة في طور الاشتغال تقرأ النصوص قراءة غير مدينة لتمثلات سابقة التجهيز، فهي تقاربه وفق انفتاح دائم لتشكل عناصره، وتمازجها مع منطلقاتها غير المنجزة بشكل نهائي، فذوبان الحدود بين النظرية والإجراء يؤسس مساحة للحركة والاشتغال في إطار نسق معرفي.
يمثل كتاب «تحديات النقد الثقافي» حلقة أو طبقة لها قيمتها في مراجعة إسهامات السابقين في مجال النقد الثقافي، وأزالت الكثير من المغالطات المتعلقة بذلك التوجه النقدي، محاولة تصفية حدوده، وإجراءاته، ولديّ قناعة أن هذه المحاولة سوف تتبعها إسهامات أخرى، ترتبط بالمقاربة المباشرة للنصوص، تلك المقاربة التي قد تكون مواجهة حرّة، وامتحانا يظهر المعرفة النظرية والإجرائية بشكل به الكثير من الحرية، ومساحة من الانعتاق دون قيد الارتباط بإسهامات الآخرين التي تعرقل وتقص بشكل ما أجنحة الحركة النقدية الذاتية.
هشام زغلول: «تحديات النقد الثقافي»
الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2024
238 صفحة.