الناقد والمترجم: السيد إمام : الحديث عن مدرسة عربية للنقد محض هراء

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: يعد الناقد والمترجم المصري السيد إمام من أصحاب المشروعات الكبرى في الترجمة، فبخلاف كونه فرداً يعمل بعيداً عن مؤسسات الدولة في الغالب، كذلك رؤيته ومختاراته توضح إلى أي مدى يحاول جاهداً أن يضيف مؤثراً إلى الثقافة المصرية والعربية. ومن ترجماته المهمة مثالاً لا حصراً.. «أقنعة بارت، الخروج من مصر، موسوعة ألف ليلة وليلة، الميتافكشن، وتحولات الخطاب النقدي لما بعد الحداثة» فكان هذا الحوار..

■ ما هو المنهج أو الرؤية عند اختيار المادة المترجمة؟ ولماذا الاهتمام بأفكار ما بعد الحداثة؟
□ اهتمامي الأساسي هو النقد الأدبي، ومن ثم أتحرك في مجال الترجمة من منطلق محدد، وهو محاولة التعرف على مدارس النقد الأوروبية المعاصرة وروافدها الفكرية المتنوعة، ونقلها إلى القارئ العربي حتى يكون على إلمام بها. ليس شرطاً أن يحاكيها أو يحذو حذوها، وإنما الاطلاع على منجزها والاستفادة منه، كلما كان ذلك ممكناً أو مناسباً. فالنقد الأدبي شأنه شأن الأنشطة الإنسانية الكبرى، شديد الارتباط بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية، والتقدم الذي يجري إحرازه في مجالات العلوم المختلفة. قد لا أتفق مع معظم أطروحات ما بعد الحداثة، ولكن ليس من التعرف عليها والتحاور معها بد. ولا أدعو إلى تقليدها أو إعادة إنتاجها. إن مسلكاً كهذا سوف يحولنا إلى شيء يشبه المسخ، وهو أمر يصيب الكثير من إبداعاتنا المعاصرة.

في حالات التراجع الحضاري العام ينحسر كثير من الأنشطة المبدعة، وفي لحظات المد الحضاري والنهضة العلمية والفكرية تزدهر الآداب والعلوم والفنون وسائر الأنشطة الإنسانية الأخرى، بما في ذلك حركة الترجمة.

■ وماذا عن حال الترجمة اليوم؟
□ في حالات التراجع الحضاري العام ينحسر كثير من الأنشطة المبدعة، وفي لحظات المد الحضاري والنهضة العلمية والفكرية تزدهر الآداب والعلوم والفنون وسائر الأنشطة الإنسانية الأخرى، بما في ذلك حركة الترجمة. أذَكِّر بلحظتين فارقتين متباعدتين بعض الشيء في مسيرتنا الحضارية، أولهما لحظة (بيت الحكمة) الذي أنشأه هارون الرشيد في بغداد عام 1005 والذي نشطت من خلاله حركة الترجمة، والثانية هي (مدرسة الألسن) التي أنشأها محمد علي عام 1836 وتولى نظارتها رفاعة الطهطاوي. لقد ساهمت اللحظتان في بناء نهضة حضارية انعكست آثارها على شتى مناحي الحياة. أما العالم العربي اليوم فيشهد حالة تراجع رهيب في شتى مجالات المعرفة. ويكفي النظر إلى الميزانيات الهزيلة المكرسة للبحث العلمي والترجمة، ومقارنتها بما تنفقه دول أخرى على هذه الأنشطة، لكي ندرك حجم المفارقة. فمجموع الكتب المترجمة في البلاد العربية مجتمعة على مدى سنوات عديدة لا يرقى إلى عدد الكتب التي يترجمها بلد مثل إسبانيا في سنة واحدة، على سبيل المثال. الفرق الحضاري يأتي من هنا. نشاط الترجمة يقوم به فدائيون أفراد، لا يلقون التشجيع اللائق بجهودهم، وما يتلقونه من مكافآت لا يتفق أبداً مع حجم منجزهم وخطورة إسهامهم. هناك المركز القومي للترجمة في مصر وهو يقدم مكافآت مجزية للمترجمين، ولكنه بطيء بطء السلحفاة، مكبل ببيروقراطياتٍ في الأداء والإنجاز محبِطة، لقد استغرق صدور «موسوعة ألف ليلة وليلة» أهم أثر حكائي في الثقافة العربية كلها من حوالي خمس سنوات! لا بد من استراتيجية عربية موحدة في مجال الترجمة، وإقامة مراكز قومية كبرى في شتى الدول العربية تعنى بالترجمة، على أن يجري التنسيق بينها. والأهم من هذا كله أن تكون أسعار إصداراتها في متناول المواطن العادي، حتى لا تحتكر المعرفة طبقةٌ أو فئة بعينها.
■ وما الموقف من التراث؟
□ مبدئياً، أنا ضد أسطورة موت الأب، أو قتل الأب. قدري أن أحمل جينات أبي وبعضاً من ملامحه الجسدية والنفسية. التملص من هذه السمات عبث ومستحيل. المهم ألا أكون صورة منه طبق الأصل، ألا أكون تكراراً له، ألا يكون شاغلي في كل لحظة من لحظات حياتي أن أعيد إنتاجه مراراً، أن أكتفى بأن أكون ظلاً له، مجرد شبح. الحياة لا تعترف بالأشباح. علاقتنا بالتراث يجب أن تقوم على التفاعل والحوار. النظر إليه على ضوء لحظتنا المعاصرة. هنا يمكن اكتشاف العناصر القابلة للاستمرار والحياة، واستبعاد العناصر التي أدركها التقادم، بهذا المنطق أعاد نقاد ما بعد الحداثة اكتشاف لورانس ستيرن، واستفاد بورخس وماركيز وكل روائيي الواقعية السحرية بلا استثناء من ألف ليلة وليلة وأقروا بفضلها. المهم أن يكون التراث طاقة تعين على مواصلة الحياة والاستمرار، وليس مجرد قيد يعوق حرية الحركة والإبداع.
■ لك رأي مختلف بالنسبة لسقوط (السرديات الكبرى) في ما بعد الحداثة، كيف ذلك؟
□ صاحب المقولة هو المفكر والفيلسوف الفرنسي الذي دشن تيار ما بعد الحداثة الأوروبي جان فرانسوا ليوتار، وكان يقصد بها الأبنية الفكرية الكبرى المهيمنة ذات التأثير الطاغي في تشكيل وعي البشر وتوجيه سلوكهم. بعبارة أخرى هي نوع من التصورات الشمولية للمجتمع والثقافة والتاريخ. والسؤال، هل سقطت هذه الأبنية؟ هل سقطت الماركسية كمذهب شمولي قادر على تفسير حركة التاريخ، أم تعدلت وتحورت واتخذت صوراً وأشكالاً أخرى لم تكن موجودة من قبل؟ هل سقطت أسطورة الرجل الأبيض وتفوق الغرب على الشرق؟ هل سقطت أسطورة الخلافة الإسلامية من ذهن الكثير من معتنقيها المتشددين في الشرق والغرب؟ تلك أساطير لها قوة الهيمنة والتأثير على كثير من البشر في كل مكان، توجه أفعالهم وتحدد سلوكهم. الإنسان ليس قادراً فقط على إحياء الأساطير القديمة وإعادة إنتاجها، وإنما أيضا على إبداعها واختراعها باستمرار، حتى تعينه على مواصلة السيطرة والهيمنة وتكريس التفوق والاستعلاء، ولمقاومة هذا كله في بعض الأحيان.

ترجمة إيهاب حسن إلى العربية والاطلاع على منهجه، سوف يكون له أثره الكبير على النقد العربي الذي اتجهت غالبيته نحو مدارس النقد الفرنسي منذ مطلع الألفينيات من القرن العشرين.

■ بالنسبة لترجمتك لأكثر من عمل لإيهاب حسن، فهل أدركنا أفكار الرجل حقاً؟
□ ما حدا بي إلى ترجمة إيهاب حسن، كونه مصريا أولاً، فضلاُ عن دوره المركزي والرائد في التنظير لتيار ما بعد الحداثة والترويج له. تيار ما بعد الحداثة أمريكي بالأساس، تلقفه ليوتار من حسن، من خلال المؤتمر الذي عُقد في جامعة وسكونسن وترأسه حسن عام 1976. ولا يعقل أن يكون هناك ناقد ومفكر مصري بهذه القيمة، ولا يتم الالتفات إليه في العالم العربي على مدى عقود. فكان أن ترجمت له كتاب «براءة جذرية» الذي يتناول فيه مجموعة من الروائيين الأمريكيين، ممن دشنوا عملهم الروائي بعد الحرب العالمية الثانية. ثم واصلت بعد ذلك نشر ترجمات بعض أعماله الأخرى. وسواء اتفقنا أو اختلفنا حول آرائه فالرجل قيمة يتوجب الالتفات لها والنظر بعين الاعتبار إلى منجزه. حسن نفسه الذي يؤمن بأن القانون الوحيد غير القابل للتغيير هو قانون التغيير نفسه، أدار ظهره لما بعد الحداثة والتنظير لها بسبب ما آلت إليه، واتجه إلى مجالات الدراسات الثقافية، ولكن بمنطق ما بعد حداثي أيضاً. أنا متأكد أن ترجمة إيهاب حسن إلى العربية والاطلاع على منهجه، سوف يكون له أثره الكبير على النقد العربي الذي اتجهت غالبيته نحو مدارس النقد الفرنسي منذ مطلع الألفينيات من القرن العشرين.
■ كيف ترى الحركة النقدية في العالم العربي؟
□ النقد في العالم العربي «بعافية حبتين» على حد قول العوام. هناك تخبط، ولا أقول تنوعا، فكثيراً ما يتقلب الناقد العربي الواحد بين عدة مناهج نقدية متضاربة في أغلب الأحوال. وكثير من الدراسات الأدبية أصبحت أشبه ما تكون بورش صيانة الأجهزة الكهربائية وسمكرة السيارات، حيث يجري تفكيك النصوص الأدبية ثم تركيبها من جديد، بدون أن يقدم لنا الناقد معرفة حقيقية بهذه النصوص. لقد غاب عن معظم هذه الدراسات الحس الإنساني وأصبحت ساحة لاستعراض عضلات الناقد، وما يستظهره من مصطلحات ــ مقطوعة الصلة بسياقاتها التاريخية والمعرفية في بعض الأحيان ــ ما غيّب القارئ متوسط الثقافة، بل أحياناً المثقف واستبعدته من متابعة تلك النصوص التي يحتاج فك طلاسمها ورموزها المستغلقة إلى مشعوذ أو دجال. فعندما يهتف كاتب في حجم نجيب محفوظ، بعد اطلاعه على بعض الدراسات النقدية التي كانت تنشرها مجلة «فصول» في ثمانينيات القرن الماضي: «لم أفهم شيئاً مما قرأت»! يتعين علينا أن نسأل أنفسنا: النقد لمن؟ وما هي وظيفة النقد؟
■ وماذا عن سدنة النقد في مصر، وتأثير وسائل التواصل الحديثة على سلطتهم؟
□ قبل ظهور شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)، كان المبدع الجديد يحتاح إلى من يدشنه من النقاد المعروفين، لكي يتم الاعتراف به ككاتب أو أديب. أما الآن فقد تضاءل دور الناقد/السلطة شيئاً فشيئاً، ولم يعد الكاتب الجديد في حاجة إلى من يدشنه. أصبح بمقدوره أن يعرض إنتاجه مباشرة على القراء الافتراضيين، ويتلقى آراءهم في اللحظة نفسها التي يتولى فيها نشر منتجه على صفحته، بل يتلقى النقد من زملائه المبدعين الذين اضطلعوا في ما بينهم بدور النقاد. ومن هنا تراجعت سلطة الناقد/السلطة، بل أوشكت على التلاشي تماماً. لقد اكتفى النقاد بدورهم الأساسي وهو تحليل الأعمال الإبداعية وقراءتها. لقد دشن رجاء النقاش محمود درويش والطيب صالح، ودشن صبري حافظ وعبد الرحمن أبو عوف جيل الستينيات في القصة القصيرة، ودشن عبد الفتاح الجمل العديد من الكتاب من خلال الملحق الأدبي لجريدة «المساء»، ودشن إدوار الخراط عدداً آخر من كتاب القصة والروائيين والشعراء (أغلبهم لا وجود له الآن). والآن تلاشت سلطة هؤلاء النقاد وانهارت عروشهم.

العقل المصري الآن في حالة تخبط، أو شلل رباعي. وكل الجهود التي بذلت لإنقاذه من حالة التردي وتحريره من القيود التي تكبل حركته باءت بالفشل.

■ وهل توجد مدرسة عربية للنقد؟
□ مدرسة عربية للنقد؟ أين هي؟ وما هي ملامحها المميزة ومكوناتها؟ ومن هم رعاتها؟ على أي مرتكزات فكرية تعتمد؟ هراء.. محض هراء. أعترف أنني وقفت كثيراً عند مطالبة البعض بإقامة نظرية عربية نقدية، ولم أفهم المغزى من إقامة هذه النظرية. لقد قام عبد العزيز حمودة بهذه المحاولة في «المرايا المقعرة»، فما الذي انتهى إليه؟ لا شيء سوى إثبات أن للمناهج البنيوية والإنجازات اللسانية عند دو سوسير جذور عند الجرجاني والقرطاجني وغيرهما من البلاغيين القدماء، وأن المناهج النقدية الحديثة لم تأت بجديد، ومن ثم يدعو لتوثيق صلتنا بتراثنا النقدي وتطويره، بغض النظر عن التراكم المعرفي الذي كان من شأنه استكمال هذه الإرهاصات القديمة وتطويرها على يد النقاد والمنظرين الأوروبيين. طيب، مادام هذا هو ذاك، فما الجديد إذن؟ وما هي المحصلة؟ اختلاف التسميات مثلاً؟ نزاع حول بلد المنشأ؟ ما الجديد الذي أتى به حمودة؟ ومَنْ أخذ بنظريته، بل أين توجد هذه النظرية بالأساس؟ في رأس حمودة نفسه من غير شك. أنا من المؤمنين أن النظرية النقدية أو الأدبية لا يمكن أن ترتبط بقومية بعينها، إن لها صفة الكلية والعمومية منذ أرسطو وحتى الآن، وكل ما يمكن فعله بالنسبة للنقاد والمنظرين العرب هو الإسهام بفاعلية في هذه النظرية، كاستبعاد بعض عناصرها أو تلقيحها بمعطيات نراها ضرورية أو لازمة لتطويرها. إن الدعوة لنظرية نقدية عربية تذكرني بمحاولة إنتاج سيارة عربية هي بالأساس ماركة «فيات» ويكون كل فضلنا في إنتاجها هو تغيير الملصق فقط، لكي يكون اسمها «نصر 128» مثلاً أو «شاهين».. عبث!
■ ما رأيك في النتاج الأدبي اليوم خاصة الأصوات الجديدة؟
□ لقد اتسعت رقعة الكُتَّاب في العقد الأخير بشكل رهيب. الكل يكتب، الكثير من القراء أصبحوا كُتَّاباً خاصة بعد انهيار الحاجز المصطنع بين القراء والكتاب مع سقوط حائط برلين. ووسط هذه الفوضى الكتابية لا نعدم أصواتاً متميزة وأخرى مبشرة، فقط يحتاجون لمن يركز الأضواء على إبداعاتهم. ولا ننسى أننا نعيش في مجتمع تقليدي، مصاب برهاب التغيير، يظل يحتفظ فيه الشاعر بلقب «الشاعر الشاب» حتى سن السبعين!
■ كيف ترى العقل المصري الآن في ظل ما يحيطه، وما السبيل إلى إنقاذ الهوية المصرية؟
□ العقل المصري الآن في حالة تخبط، أو شلل رباعي. وكل الجهود التي بذلت لإنقاذه من حالة التردي وتحريره من القيود التي تكبل حركته باءت بالفشل. ولننظر لما حدث لطه حسين وعلي عبد الرازق وفرج فودة ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد. إنه عقل منقسم على نفسه بين العلم والخرافة بشكل كبير، كلما تقدم خطوة نحو آفاق التفكير العلمي، شده إلى الوراء العقل الجمعي القبلي المؤسس على التفكير الخرافي خطوات، ومن هنا يسقط دائماً أي مشروع نهضوي. نستمتع بمنتجات الحداثة ـ بما في ذلك الميكرفون أو المطبعة التي تستخدم في إصدار المنشورات التي تهاجمها ـ ونلعن قيمها من فوق منابرنا صباحاً ومساء. أما الهوية المصرية فيجب تخليصها من كل ما علق بها على مدى عصور الانحطاط من عوامل طارئة طمست جوهرها الأصيل.
تخليصها أولاً من موروث العثمانيــين والمماليك والترك والأغوات، ومما علق بها من الفكر البدوي الوافد من الصحـــراء، بإعادة إحياء الروح ـ الاستلهام وليـــس الاجترار أو إعادة الإنتاج ـ التي نظر على أساسها المصري القديم للطبيــــعة والكون، والتي تفتقت عن إنجازات رهيــبة في مجالات العمارة والفنون، وتفوق لا نظير له في علوم الفلك والطب والكيمياء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية