لندن – «القدس العربي»: يعد الدوري الإنكليزي بالنسبة للكثيرين، الدوري الأكثر صعوبةً والأعلى قيمةً في العالم، وهذا ليس محض صدفة فحسب، فالمتابع للدوريات الخمسة الكبرى على يقينٍ تام بالفارق التكتيكي المهول لصالح الدوري الانكليزي الممتاز.
أكبر مثال على صعوبته يكمن في قلّة أرقام هدافي الدوري الإنكليزي مقارنة بأرقام هدافي الدوريات الأوروبية الأخرى. فعلى سبيل المثال، هداف الدوري الإسباني تاريخياً، الأرجنتيني ليونيل ميسي سجل 474 هدفا في 520 مباراة، أما هداف الدوري الإنكليزي تاريخياً، الإنكليزي آلان شيرر، فأحرز 260 هدفاً في 441 مباراة. هذه المقارنة ليست متكافئة بشكلٍ عام، إذ تختلف ظروف الدوري الإنكليزي عن الدوري الإسباني، ويختلف ليونيل ميسي عن آلان شيرر، لكن أرقاماً كهذه هي مؤشرات على قوة المنافسة في الدوري الإنكليزي الذي نجح في المحافظة على مستواه وحسه التكتيكي العالي في العقود الماضية. فالدخول في قائمة هدافي هذا الدوري العريق وأن تصبح أحد أبرز وأهم أساطيره ليس بالأمر السهل على الإطلاق.
ومع انطلاق الدوري الإنكليزي خلال الشهر المنصرم تتجدد الثقة في نجومنا العرب الذين غزوا القارة العجوز بسحرهم المعهود. فبتنا نرى أسماء مميزة ولامعة في كافة المراكز، وأبرز هؤلاء النجوم وأكثرهم نضجاً وشهرةً في الدوري الإنكليزي هو نجمنا المصري محمد صلاح الذي وصل لهدفه رقم 100 في الدوري في 162 مباراة بتاريخ 12-9-2021. وبذلك أصبح خامس أسرع لاعب يصل إلى هذا الرقم القياسي في تاريخ الدوري، كما انضم بذلك لقائمة اللاعبين الـ30 فقط الذين نجحوا في الوصول إلى هذا الرقم التاريخي. كما أنه اللاعب الأفريقي الثاني بعد ديدييه دروغبا، صاحب الـ104 أهداف، الذي يصل لـ100 هدف في الدوري الإنكليزي.
ومع تحطيم نجمنا العربي لهذا الرقم لم أشعر بالزخم الإعلامي المطلوب الذي يستحقه هذا الإنجاز التاريخي. فقصة محمد صلاح هي عبرة لكل مجتهد وحالم بالوصول إلى منصات العالمية. فبدايته على الساحة الأوروبية في نادي بازل السويسري التي لفتت الأنظار بعد وصوله من نادي المقاولين المصري في2012 جعلت كبير العاصمة اللندنية تشلسي يستقطبه في عام2014 . وبعد تجربته العصيبة هناك ذهب بنظام الإعارة لنادي فيورنتينا الإيطالي حيث استعاد بريقه في عام 2015. وتحول صلاح إلى النفاثة التهديفية التي تشعل الجبهة اليسرى في الملاعب في أوروبا في نادي روما الذي أمضى فيه عامين، الأول بنظام الإعارة والثاني بعد أن استقطبه نادي العاصمة الإيطالية من نادي تشلسي. وفي عام 2017 أقدم نادي ليفربول الإنكليزي على شراء النجم المصري بتكلفة مبدئية وصلت إلى حوالي 37 مليون جنيه استرليني.
وبعد أن حط الملك المصري الرحال في ليفربول لم يتوقف عن كسر الأرقام القياسية. فمع مرور السنوات، ازداد عطاؤه وحسه التكتيكي العالي. فمنذ وصوله إلى انكلترا ازداد لمعان صلاح، فأبرز أرقامه تمثلت في موسمه الأول هناك الذي أصبح فيه صاحب أكبر عدد أهداف لناد واحد في موسم واحد في تاريخ الدوري الإنكليزي، إذ تمكن من الفوز بالحذاء الذهبي بعد إحرازه لـ32 هدفا في موسم 2017/18، متفوقا بذلك على لويس سواريز في 2013/14 وكريستيانو رونالدو في2007/08 وآلان شيرر1995/96 الذين تمكنوا من إحراز 31 هدفاً. كما وتمكن في أن يصبح اللاعب الأفريقي الأول الذي يصل لـ30 هدفا في موسم واحد في ذات الموسم.
ومع أن صلاح انضم إلى ليفربول فقط في عام 2017، إلا أنه تمكن في أن يصبح هداف الفريق التاريخي في دوري أبطال أوروبا أيضا. فقبل لقاء ليفربول مع نادي مدتيلاند في كانون الأول/ديسمبر من عام 2020، كان ستيفن جيرارد صاحب الرقم القياسي بـ21 هدفًا، لكن صلاح ارتقى إلى22 هدفًا في تلك الليلة ليجعل الرقم القياسي خاصاً به. إذ تمكن من كسر الرقم القياسي في39 مباراة، أي 34 مباراة أقل من جيرارد.
كما ويحمل صلاح لقب اللاعب الأعلى تهديفاً لليفربول في أول 100 ظهور للفريق. فالأسطوري روجر هانت هو فقط من تمكن من تحقيق المزيد لليفربول في حقبة ما قبل الدوري الإنكليزي الممتاز بتسجيله72 هدفا، ولم يصل إلى هناك إلا بهدفين في مباراته رقم 100. واحتفل صلاح بالمناسبة هذه في مباراةٍ للدوري الإنكليزي في شهر مارس/ آذار من عام2020 بتسجيله لهدفه الـ70. إذ تمكن حينها من التفوق على فيرناندو توريس الذي كان سجله يحمل 63 هدفًا قبل أن يصل صلاح إلى ملعب «أنفيلد» لتحطيمه. لكن آلان شيرر تمكن من الوصول إلى 79 هدفا في أول 100 مباراة له مع بلاكبيرن. ولكن إذا كان الرجل الوحيد الذي تفوق عليك هو الهداف التاريخي الأول في المسابقة، فلا بأس بذلك.
تلك الحقائق هي جزء بسيط من الأرقام القياسية التي تمكن أبو مكة من تحطيمها، لكنها تؤكد على القيمة الفنية العالية التي يتمتع بها فخر العرب، والتي تتجنب الصحف الإنكليزية والعالمية الحديث عنها، نظراً لنجاحه المستمر وتحطيمه لأرقامٍ قياسية بدون إشباع وبدون توقف وعدم توقفه على تقديم المزيد. فعدم نجاحه في محطاتٍ عدة زاده عزيمةً وإصرارا للتحليق في محطاتٍ وأندية أخرى. فمحمد صلاح هو أسطورة العرب ومثالٌ يحتذى به لأجيالٍ كرويةٍ قادمة.