القاهرة ـ «القدس العربي» : تتواتر في النسخة الـ(11) من معرض «عين المُقتني» في غاليري (أوبنتو) بعض الأعمال الفنية التي تمثل ملمحا من مسار الفن التشكيلي المصري وتحولاته، من خلال فنانين مختلفين، من حيث الجيل الفني والانتماء الطبقي ـ أو محاولة التعلق به ـ من هنا نلمح مدى التأثر بالفن الغربي في خطوطه وألوانه، وبالأولى أفكاره في تجسيد المشهد/اللوحة التي تعبّر عن رؤية الفنان، وكيفية تعامله مع البيئة المحيطة به، ومحاولته التعبير عنها، وكذا الموضوعات التي أثارت حاسته الفنية، سواء في نظرة تقترب من وجهة النظر الاستشراقية ـ وهو ما عانى منه ولم يزل الفن المصري، حتى لو تمثل التعبير عن بيئات محلية أو شعبية، أو التعبير عن أفكار مجردة تتوسل الفلسفات الغربية ومعضلاتها، التي تخص تجربة الفنان وحده، دون أدنى تعبير عن حِس جمعي، تتواصل معه الجماهير، ما جعل الفن التشكيلي بعيداً عن المُشاهد المصري، الذي لم يجد في هذه الأعمال ما يمثله أو بالكاد يُعبّر عنه وعن بيئته ولو من بعيد، دون التورط في أعمال فترة الستينيات وفجاجتها في أغلب الأعمال.
في بعض الأعمال نجد حالة من التغريب، وتمثُل أبجديات الفن الغربي ومحاولة نقلها حرفياً، حتى لو كانت تعبّر عن منظر طبيعي أو حالة يستشعرها الفنان، كما في أعمال جورج صباغ، كامل مصطفى، حليم حبشي وسيف وانلي، رغم التمكّن من السيطرة على تفاصيل اللوحة، من تناغم التكوين اللوني والحركي، سواء المنظر الطبيعي، أو رقصة البالية، أو إقامة علاقة بين الطبيعة الحية والصامتة ـ حالة تشيؤ الإنسان المعهودة ــ هنا نلمح بوضوح عدة مدارس وأساليب مختلفة، من تعبيرية وتأثيرية وسريالية.
البيئة المصرية

ومن وجهة أخرى نجد كيفية التعبير عن البيئة المصرية وناسها، وإن تراوحت الأساليب الفنية، إلا أن الأهم هنا هو كيفية توظيفها وجعلها قريبة من الناس، بمعنى التعرّف بسهولة على العالم الذي تعبّر عنه اللوحة، وكذا تحقيق حالة من الإدهاش الفني لدى المُتلقي، نجد ذلك في أعمال، جورج بهجوري، جرجس لطفي، أحمد الرشيدي، عبد الفتاح البدري، سمير رافع، رفعت أحمد، ناجي باسيليوس، محمد الشرقاوي وفتحي علي. هنا نجد البيئات المصرية المختلفة وعوالمها، من رقصات الجنوب والمراكب النيلية في صعيد مصر، ومجاذيب الأحياء الشعبية في القاهرة، خاصة المحتضنة مقامات أولياء الله الصالحين، أو نساء الحي الشعبي، وكذا طقوس الميلاد، ولعبة (الحجلة) أو البيئة الريفية في شمال مصر ـ لوحة سمير رافع ـ ومحاولة إقامة علاقة بينها وبين الفن المصري القديم، وهو ما يتمثل في تكوين اللوحة، من وضعية الجسد، والربط بينها وبين خلفية اللوحة، وأغلب الظن أن الفنان رسمها في الستينيات من القرن الفائت، مع موجة المد الثوري المزعوم وقتها وأيديولوجيا الوهم الاشتراكي. وبعيداً عن مباشرة الستينيات، نجد مثالاً لوحة لأدهم وانلي تقترب أكثر من اللوحات الكاريكاتيرية، تمثل مشهداً في السوق، والشخصيات المختلفة، وبعض المبالغات في عناصر اللوحة، مع بساطة الخطوط، وكذا العلاقة بين مقدمة اللوحة وخلفيتها.
جماليات الفن

ومن التأثيرية المباشرة عند الأجيال الأقدم من الفنانين المصريين ـ الفنان كامل مصطفى ـ نجد الجيل الأحدث، جمال مليكة، يوظف الأسلوب في موضوع قريب من المُتلقي، عربات تسير ليلاً في شارع وقت المطر، وقد يبدو المشهد عادياً ومألوفاً، ولكن الفنان يُعيد إنتاجه وفق جماليات الفن، من ألوان متداخلة، وتجريد واختصارات تُترجمها عين المتلقي أو يستكملها وعيه، بما لديه من مخزون بصري يستكمل من خلاله ما تم اختصاره، وكأنها لعبة يتحاور فيها مع اللوحة في حرية تامة.