آنا برسكي
بعد عدة جولات من المفاوضات لم تعط ثمارها ولم تؤد إلى صفقة، وبعد أن ردت حماس رداً باتاً وأساساً في ضوء إصرار رئيس الوزراء نتنياهو على البقاء في محور فيلادلفيا، رغم صراخ قادة جهاز الأمن، السابقين والحاليين، بأن مسألة فيلادلفيا قابلة للحل، وأنه لا يوجد ما ينبغي الإصرار عليه – يبدو واضحاً تماماً أن نتنياهو لا يريد صفقة مخطوفين.
هذا على الأقل هو الرأي السائد لدى وسائل الإعلام وجهاز الأمن (على الأقل إذا ما حاكمنا الأمور وفقا للمقابلات الصحافية والتسريبات) وفي أجزاء واسعة من الجمهور. إن التفكير اليوم بأن نتنياهو معني بالوصول إلى صفقة لتحرير المخطوفين ووقف القتال في غزة، هو وصمة تطال السمعة المهنية، على الأقل.
اقتنع المحللون وهم يقنعون الجمهور بأن رئيس الوزراء يعرقل كل صفقة لأنه غير معني بها. وكل ما يعنيه هو مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية. للدقة، حتى الانتخابات، وثمة سيناريوهان: إما أن يفوز نتنياهو مرة أخرى أو يخسر، وعندها افعلوا ما تريدون بالدولة وبالمخطوفين. سأخاطر وأعرض ادعاء غير شعبي، على شفا الكفر.
ادعائي هو أنه رغم كل ما يقال، ثمة أساس للافتراض بأن نتنياهو بالفعل يريد صفقة مخطوفين. وإصراره العام بالذات وعلى بند محور فيلادلفيا خصوصاً (البند الذي لا يراه جهاز الأمن حرجاً وليس جوهرياً لدرجة إسقاط الصفقة) إنما هو سلوك يدل على أنه يحاول جلب صفقة.
لقد اقتبس نتنياهو أكثر من مرة وهو يتهجم على أعضاء طاقم المفاوضات: “لا تعرفون إجراء مفاوضات صعبة مثلي”.
أصر نتنياهو بداية على إدراج بنود متعلقة بمحور فيلادلفيا ومحور نتساريم ومعبر رفح، وبعد ذلك عدم التنازل عنها، حتى عندما تقول حماس بوضوح بأن الصفقة لم تحصل بسببها. هذا بالضبط، على الأقل من ناحية نتنياهو، يسمى “معرفة إدارة مفاوضات صعبة”.
تقول النظرية بتوسع إن من يميل للتنازل مسبقاً في إطار المساومة لن يصل أبداً إلى توافق مع الطرف الآخر. لأن الذين أمامك ليسوا أولياء عظاماً، بل مخربون وحشيون، وإن تنازلك لا يقلص الفجوات، بل يطور شهية الطرف الآخر للمطالبة بمزيد من التنازلات.
حسب هذا المنطق، إصرار نتنياهو على إبقاء الجيش الإسرائيلي في محور فيلادلفيا ليس قنبلة يلقيها هو كي يفجر الاتصالات، بل ورقة مساومة تعطيها إسرائيل للوسطاء.
ثمة مناورة مفاوضات معروفة، يمكن الافتراض بأن نتنياهو يستخدمها. الإصرار على شيء ما، بهدف التنازل عنه في النهاية مقابل أمور أخرى – هي أمور يراد تحقيقها في واقع الأمر.
في معظم تصريحات نتنياهو الأخيرة في موضوع الصفقة والمفاوضات، يشدد على أن إسرائيل معنية برفع عدد المخطوفين الأحياء الذين سيعودون إلى الديار منذ المرحلة الأولى. وذلك، إلى جانب مطلب إسرائيلي آخر، الحصول على حق فيتو على الأقل على قسم من المخربين الثقيلين الذين تطالب حماس بتحريرهم مقابل المخطوفين الإسرائيليين. إذا تحقق هذان المطلبان الإسرائيليان، فسيتبين في نظرة إلى الوراء بأن إصرار نتنياهو على إبقاء الجيش الإسرائيلي في محور فيلادلفيا كان مجدياً.
نتنياهو معني بالصفقة. ليس لاعتبار حاجة حيوية في إعادة مواطني الدولة الذين تركوا لمصيرهم واختطفهم العدو.
لكن لنتنياهو سبباً مهماً في عقد صفقة المخطوفين، وينبع من أن الصفقة ووقف القتال في قطاع غزة تلقيان معنى إضافياً؛ فقد أصبح لإسرائيل مهمة استراتيجية إقليمية واسعة، مرحلة ضرورية في الطريق إلى هدف كبير.
إن هدف نتنياهو الاستراتيجي هو الوصول إلى مواجهة إقليمية لإزالة التهديد الإيراني. غير أنه هدف غير قابل للتنفيذ في وضع اليوم، خصوصاً حين لا يكون الأمريكيون معنا وتواصلت الحرب في غزة، وجلوس الدول العربية السنة على الجدار تنتظر لترى إلى أي حد يمكن التعويل على كلمة ودعم واشنطن.
بكلمات أخرى: نتنياهو معني للصعود إلى مسار تسوية إقليمية مرة أخرى. المسار الذي اضطرت إسرائيل للخروج عنه – أو للدقة، وضعه جانباً – عقب هجمة حماس في 7 أكتوبر. اليوم، طريق العودة إلى التسوية الإقليمية تمر عبر محطة الصفقة ووقف القتال في غزة.
هذه خطوة ضرورية بات نتنياهو معنياً بتنفيذها. إذا لم يكن لأجل الصفقة ذاتها، فللهدف الاستراتيجي الأكبر الذي يمكن به العودة والبحث مع الأمريكيين بعد تشرين الثاني، أي بعد انتخابات الرئاسة.
معاريف 26/8/2024