كثف الطيران الروسي وطيران النظام السوري قصفه على مدينة معرة النعمان ثاني أكبر مدن محافظة إدلب شمال غرب سوريا، وقصفت القاذفات الروسية خط الجبهة في ريف معرة النعمان الشرقي وصولا إلى طريق حلب-دمشق (M5).
وتمكنت قوات النظام والميليشيات التابعة لها من إحداث خرق في قرية أم جلال أقصى شرقي جنوب محافظة إدلب والمزارع القريبة منها وصولاً إلى تل الشيح، حيث سيطرت عليها بعد تمهيد جوي وبري عنيف بآلاف قذائف المدفعية وراجمات الصواريخ إضافة للبراميل المتفجرة، حيث قدرت أعداد البراميل حسب مصدر طبي محلي بما يزيد عن 160 برميلاً متفجراً حتى لحظة كتابة هذه السطور (ظهر الجمعة).
وبدأ النظام السوري بتركيز القصف على ريف معرة النعمان الشرقي بعد أن قصف ريفيها الجنوبي والغربي مدة شهرين من دون توقف، ودفع عشرات آلاف المدنيين للنزوح شمالا من مدينة كفرنبل ومعرتحرمة.
واتهم الدفاع المدني السوري روسيا والنظام السوري بتهجير ما تبقى من السكان وقتل أكبر عدد منهم، وأضاف في بيان له يوم الأربعاء الماضي أن الطائرات الحربية “استهدفت اليوم فقط مركزاً للدفاع المدني ومركزاً إسعافياً وأسواقاً شعبية، وشركة الكهرباء” في مدينة معرة النعمان، وطالب “كل الأطراف والدول الفاعلة والمؤثرة بالضغط على النظام وحلفائه لوقف عمليات القتل الجماعية” وناشد “الجهات الدولية تقديم المساعدة للمدنيين المهمشين في العراء والمخيمات التي أنشئت على عجل في ظل أصعب وأقسى الظروف الإنسانية ” وحماية الأطفال “من برد الشتاء وجحيم القصف”.
وقال رائد الصالح مدير الدفاع المدني السوري في تصريح لـ”القدس العربي”: “الوضع إنسانياً كارثي، حتى الآن نزح أكثر من خمسين ألف إنسان، لا يوجد أي تحرك دولي لوقف الهجمة كما هو واضح، ومما سيزيد الوضع كارثيةً أننا على أبواب الشتاء”.
وأطلق نشطاء إعلاميون في معرة النعمان حملة استغاثة من أجل إجلاء عشرات آلاف المدنيين العالقين في معرة النعمان، والذين لم يتمكنوا من الخروج بسبب القصف الكثيف وعدم توفر وسائط نقل كافية لسكان المدينة من أهلها والنازحين إليها من مناطق خفض التصعيد المنهارة سابقاً، أو من التهجير الأخير من ريف حماة الشمالي وخان شيخون الصيف الماضي.
ورقة اللاجئين السوريين
في سياق منفصل، هدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بورقة اللاجئين السوريين وأشار إلى أنه “حالياً هناك 50 ألف شخص يتجهون من إدلب نحو أراضينا، ويوجد بالفعل 4 ملايين لاجئ في بلادنا، ربما سيزداد هذا العدد”.
جاء ذلك في معرض رده على أسئلة الصحافيين، يوم الخميس، في اجتماع طاولة مستديرة عُقد في إطار قمة كوالالمبور بالعاصمة الماليزية. وأوضح الرئيس التركي أن البلدان الغربية لا تدعم بلاده “عند الحديث عن تأسيس منطقة آمنة شمالي سوريا، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأسلحة فإنهم يرسلونها إلى المنظمات الإرهابية، وحينما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب يقولون ينبغي علينا محاربته”. وأضاف: “أنفقنا أكثر من 40 مليار دولار على السوريين، وليس هناك دعم جاد من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ولا يفي الاتحاد الأوروبي بوعده”.
وتجنب اردوغان التطرق إلى هجوم النظام السوري في منطقة “خفض التصعيد” الرابعة، والتي أبرم حولها اتفاقين منفصلين في سوتشي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وتعتبر بمثابة منطقة تحت “الوصاية” والحماية التركية وتضمن بها فصائل المعارضة هناك.
في سياق متصل، قطعت قوة أمنية كبيرة تتبع هيئة تحرير الشام (النصرة) الطريق الواصل بين بلدة سرمدا ومعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا في وجه آلاف المتظاهرين، وأغلقت الطريق بالحواجز الاسمنتية قرب منطقة الجمرك القديم شمال البلدة. وأطلق عناصر القوة الأمنية النار لتفريق المتظاهرين، الذين ردّوا بهتاف “شبيحة.. شبيحة” ما أدى إلى إصابة أحد المتظاهرين. وتعتبر محاولة كسر الحدود والعبور إلى تركيا المرة الثانية التي يقوم بها المدنيون الهاربون من جحيم القصف الروسي، حيث تمكن العشرات من اقتحام المعبر العسكري في بلدة أطمة الحدودية ودخول الأراضي التركية في 30 آب (أغسطس) الماضي.
وقال قائد “جيش العزة” الرائد جميل الصالح، في تغريدة على تويتر: “أصبح ترك الملف السوري أفضل من وصايتكم عليه، تعاونكم مع روسيا وإيران أفسد الثورة والثوار. حولتم الثوار إلى مرتزقة لديكم وكممتم الأفواه وقيدتم البنادق. اتركونا لنموت بشرف أفضل لنا من الموت بذل تحت وصايتكم”.
وهو ما يمكن تفسيره بأنه رد فعل على صمت الضامن التركي على ما يحصل في إدلب.
الهجوم من محور آخر
ويشير سير العمليات العسكرية والهجوم الذي تشنه قوات النظام برعاية روسية إلى أن النظام اتبّع سياسة قصف المدن بهدف إخلائها، حيث باشر منذ شهرين بقصف المنطقة من حرش عابدين باتجاه الشمال إلى سجنة وحيش ومعرتحرمة وكفر نبل وصولاً إلى كفرومة.
وكما هو متوقع سيبدأ النظام الهجوم من محور آخر بعدما أنهك فصائل المعارضة وضغط بشكل هائل على المدنيين والمنظمات الإنسانية والإغاثية، وعلى الأرجح اختار لهجومه خط الجبهة الأضعف على محور عجاز – أم الخلاخيل في ريف المعرة الشرقي، وهي منطقة سهلية شبه صحراوية وقليلة التضاريس لا يمكن لمقاتلي فصائل المعارضة التحصّن والثبات فيها، ولا يوجد على هذا المحور مدن أو بلدات تمنع تقدمه وتتيح للمقاتلين التحصّن.
ومن المتوقع في مرحلة لاحقة وبعد أن يحقق النظام اختراقات في الجبهة بعمق 10-15 كيلو مترا أن يعود لفتح محور هجومي آخر انطلاقاً من ريف حلب الجنوبي باتجاه أوتوستراد حلب- دمشق الدولي، ولن يزجّ بمقاتليه في معارك مدن كبيرة مثل معرة النعمان وسراقب، إنما سيلجأ لحصار هذه المدن وتقطيع الأوصال بينهما، بهدف السيطرة على أكبر مسافة من الطريق الدولي بأقل كلفة من الخسائر.