دمشق – «القدس العربي» : يشهد شمال سوريا تطورات ميدانية متسارعة، تمثلت بقيام قوات النظام السوري بإطلاق نار استفزازي في محيط نقطة المراقبة رقم 8 التابعة للقوات المسلحة التركية، شمالي سوريا حسب وكالة الأناضول. حيث قالت مصادر محلية إن النظام استهدف محيط نقطة المراقبة الواقعة بالقرب من مدينة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، بالرشاشات الثقيلة، من دون أضرار. وتقع نقطة المراقبة التركية رقم 8 في بلدة سرمان، شمال مدينة خان شيخون التي حاصرتها قوات النظام مؤخرًا، ضمن حملة عسكرية بدأتها مع حلفيتها روسيا قبل نحو 10 أيام. تزامناً أرسلت القوات المسلحة التركية، الخميس، تعزيزات عسكرية جديدة، لنقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب، شمالي سوريا. وذكر مراسل الأناضول نقلاً عن مصادر عسكرية، أن التعزيزات تضم آليات عسكرية، ومدرعات، وذخائر قادمة من مختلف المناطق التركية.
خبراء ومحللون لـ «القدس العربي»: روسيا تفرض سياستها بالقوة في الشمال… و«أستانة» تعرضت لضربة موجعة
كما تمثل تسارع الأحداث بدخول قوات النظام السوري ومجموعات من الجيش الروسي وأخرى إيرانية إلى مدينة «خان شيخون» في ريف إدلب الجنوبي مع استمرار العمليات العسكرية الجوية والبرية، وذلك بعد يومين من إطباق الحصار عليها، والسيطرة على المواقع العسكرية والمناطق المتاخمة لها، في حين تعرض محيط نقطة المراقبة التركية، رقم (8) الواقعة شمالي المدينة لهجمات بالأسلحة الثقيلة من قبل قوات النظام، التي أحكمت كذلك حصارها على مدن وبلدات ريف حماة، ومن ضمنها نقطة المراقبة التركية الواقعة في مورك، إضافة إلى مدينة كفر زيتا.
تعفيش ونزوح
سياسياً، أعلنت أنقرة عن قمة ثلاثية تركية – إيرانية – روسية في أنقرة منتصف شهر أيلول/سبتمبر المقبل لبحث التطورات الأخيرة في الشمال السوري، إضافة إلى مباحثات هاتفية سيجريها الرئيس لتركي رجب طيب اردوغان مع الرئيسين الروسي والإيراني فلاديمير بوتين وحسن روحاني بشكل منفصل خلال الفترة القصيرة المقبلة. وفي أول تعليق رسمي لموسكو، بعد التطورات الأخيرة التي كانت برعايتها ضمن منطقة خفض التصعيد، شمال سوريا، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أن موسكو ستواصل التعاون مع أنقرة بخصوص الوضع في إدلب، مؤكدة ضرورة احترام كل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بشأن إدلب. المتحدثة باسم الخارجية، ماريا زاخاروفا قالت: «نعتبر من الضروري الالتزام بكل الاتفاقيات الخاصة بإدلب، والتي تهدف إلى مواصلة محاربة الإرهاب، وفي الوقت نفسه ضمان أمن المدنيين»، مضيفة: «في هذا السياق سنواصل التعاون مع تركيا في إطار مذكرة سوتشي، التي تم التوصل إليها في 17 أيلول/سبتمبر سنة 2018». في حين، أن المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، عبر عن استياء بلاده من الهجمات التي تعرضت لها منطقة خفض التصعيد شمال البلاد، مشيراً إلى إبلاغهم الجانب الروسي بذلك.
منطقة المواجهات في الشمال السوري، شهدت وفق مصادر محلية، نزوح أكثر من 112 ألف مدني من المنطقة المشتعلة، إضافة إلى مقتل أكثر من 4000 منذ الحملة التي بدأها النظام السوري قبل ستة أشهر، بدعم جوي وبري من الجيش الروسي، والميليشيات الإيرانية. من جانبه، أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى أن قوات النظام السوري، بدأت حال دخولها مدينة خان شيخون في ريف إدلب، بعمليات تعفيش واسعة، من سرقة أثاث منزلي ومحتويات منازل ومحال تجارية ومستودعات وما إلى ذلك، في الوقت الذي يبحث فيه أهالي المدينة عن مأوى لهم في الشمال عند الحدود مع تركيا.
وأشار المرصد، إلى توثيق أكثر من 70 غارة جوية على مدن وبلدات ريف إدلب خلال الساعات الماضية، إضافة إلى 75 قصفاً جوياً عشوائياً بواسطة البراميل المتفجرة، في حين أن المقاتلات الروسية نفذت 38 ضربة جوية على المدن وضد جبهات القتال في ريف حماة وصولاً إلى ريف اللاذقية.
دخول قوات النظام السوري المدعوم بقوات برية روسية إلى مدينة خان شيخون في ريف إدلب شمال سوريا، وفق الخبير العسكري السوري، العميد أحمد رحال، يشير إلى فشل المفاوضات المحتملة بين موسكو وأنقرة، وإصرار روسي على فرض سياسة الأمر الواقع، وتغليب القوة العسكرية على المنطق السياسي. روسيا، وفق المصدر، انقلبت اليوم على كل التفاهمات التي وقعت عليها، سواء في أستانة، أو سوتشي، وقبلهما في اتفاق جنيف، ومن ضمنها التعهدات التي قدمتها روسيا إلى الجانب التركي.
وقال «رحال» لـ «القدس العربي»: المنطقة دخلت في مصير مجهول، وهذا ترسم ملامحه طبيعة الرد التركي، بعد محاصرة نقطة المراقبة في مدينة «مورك» بريف حماة، إضافة إلى تعرض رتل الجيش التركي لهجمات جوية من قبل النظام السوري، متوقعاً أن المرحلة المقبلة في الشمال السوري، سوف ترسمها المحادثة المرتقبة بين الرئيسين «أرودغان وبوتين». خريطة السيطرة الأخيرة في إدلب، فهي توضح بحث الجيش الروسي عن فرض كامل السيطرة على الطرق الدولية، وحملة «الإبادة» في الريف الشرقي من المحافظة من قبل الروس، يدل أن موسكو ترغب في فتح طريق باتجاه مدينة «معرة النعمان»، وبالتالي فتح الطريق الدولي دمشق – حلب.
المعارضة وخيارات متعددة
المعارضة، وفق الخبير العسكري «رحال»، لا زالت تمتلك خيارات متعددة، بعد إعادة التموضع الأخيرة، منها إمكانية فتح جبهات مختلفة، فقوى المعارضة المسلحة تمتلك 300 كيلو متر كحدود مشتركة مع النظام جميعها تعتبر كخطوط جبهات مع قوات النظام السوري، وهي جبهات كفيلة بإجبار دمشق وموسكو على إعادة التفكير بما يجري، ولكن يبدو أن الجانب التركي، يفضل حتى الساعة معادلة «ضبط النفس»، ولكن بلحظة معينة يمكنهم استخدام كل الأوراق التي بحوزتهم، بالتعاون مع «الجيش السوري الحر».
ما حصل في الأسابيع الماضية في الشمال السوري، من وجهة نظر مدير وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات والمحلل والأمني فيه نوار أوليفر، يمكن وصفه بمعادلة «أضرار حصلت يصعب إصلاحها»، وحالياً إذا ما نظرنا إلى مستقبل المنطقة، فسوف نجد أن ما خسرته المعارضة السورية مؤخراً عليها، سنجد أنها من الصعب عليها استرجاعه.
ففي مدينة «خان شيخون»، فقد قام النظام السوري بمحاصرة المدينة لمدة يومين، ثم الدخول عليها بدون قتال، له علاقة باتفاق آستانة، فشركاء هذا الاتفاق يحاولون الوصول إلى آلية اتفاق على الصعيد الداخلي بين الضامنين حتى لا ينهار الاتفاق. فاتفاق أستانة لم يلغ، ولكنه تعرض لضربة قوية، فيما تحاول أطرافه التعافي من تداعيات هذه الضربة من خلال اجتماعهم المرتقب في شهر أيلول/سبتمبر القادم في تركيا.
أما بالنسبة لنقطة مورك، فنقل «أوليفر» للقدس العربي، معلومة خاصة، تفيد بعدم وجود أي نية تركية لسحبها، وأن وجود النقطة، يعود بفائدة على الأتراك، رغم عدم وجود أهمية استراتيجية من بقاء نقطة المراقبة بعد التطورات الأخيرة، ولكن بعد تسليط الضوء عليها، والتواصل مع القوى المحلية والدولية أن هذه النقطة لن تنسحب، فانسحابها سوف ينعكس سلباً على تركيا بالملف السوري ككل.
لذلك لا يمتلك الأتراك خياراً آخر سوى الإبقاء على النقطة، حتى اجتماع آستانة القادم، وبعدها يمكن تحديد مصيرها، والفائدة الاستراتيجية لأنقرة من النقطة، تعود إلى ان المنطقة خالية من المدنيين، ولا يتواجد فيها أعداد كبيرة من فصائل المعارضة السورية، والجيش التركي يطرح فكرة إدارة المنطقة عبر هذه النقطة، كونها المدخل الرئيس للطريق الدولي «إم- 5»، والموضوع شبه معنوي ولكن هناك فائدة استراتيجية مستقبلية في المنطقة، وانسحابها سيؤثر على قوة الدور التركي في الشأن السوري. فمدينة خان شيخون، لم تشهد معارك، إنما اقتصرت على محاصرتها من قبل القوات المهاجمة، وبعد محادثات روسية – تركية، نتج عنها انسحاب المعارضة منها.
بالتزامن، يواصل النظام السوري استهداف جبهات أخرى، ولم يتوقف عند خان شيخون، رغم تسليط الأضواء عليها، بالتالي فإننا أمام مرحلة جديدة، تواصل روسيا فيها ممارسة ضغوط على الجانب التركي، لتنفيذ مخرجات اتفاق المنطقة العازلة، وسحب الأسلحة الثقيلة ومحاربة الجهاديين، وغيرهم، ولكن موسكو، تحاول جاهدة تنفيذ مخططها دون تدمير العلاقة مع تركيا، ولا تتسبب بإزعاجها بشكل مباشر، لذلك يتوقع مدير وحدة المعلومات في مركز عمران للدراسات «أوليفر»، عدم ممارستها ضغوطاً على الجيش التركي لسحب نقطته في مورك في ريف حماة.