النقد الحر في فكر رولان بارت

دعا الناقد الفرنسي رولان بارت إلى ما يسميه النقد الحر، الذي هو كتابة شفافة متحررة من الهيمنة الطاغية للسلطة والفلسفة. لذا كانت المرحلة الثانية في تطوره النقدي هي مرحلة النقد البنيوي التي جعلته يضع نفسه داخل عالم الشاعر راسين، كاشفا عن الأبنية والعلاقات في بنية أشعاره، متخليا عن المؤثرات الخارجية الفلسفية، مؤكدا على أن الهدف من البنيوية تخلص الكاتب من أهوائه وانطباعاته ومعتقداته لصالح علمية النهج النقدي.
ولكنه اصطدم بحدود المنهج البنيوي لغويا وشكلانيا، ومن هنا، فإن تحوله اللافت من البنيوية إلى ما بعدها، كان تطورا فكريا ونقديا شفافا، بدون تأثيرات سادت في عصره، وإنما هي ناتجة عن التجريب والممارسة النقدية الدائمة: تنظيرا وتطبيقا، فما بعد البنيوية كانت جزءا أصيلا من فكره النقدي وليست دخيلة عليه، وإذا كانت هناك تشابهات فكرية بينه وبين نقاد آخرين في عصره، فهذا أمر متوقع وبدهي، فالسياق التاريخي والثقافي والاجتماعي والسياسي واحد، وحركة النقاش جادة في الساحة الثقافية الغربية عامة، والفرنسية بالأخص، ولا شك في أن بارت ـ المتحرر في بداية حياته من الأكاديمية المغلقة، وإن تولى بعد ذلك منصب أستاذ في الكوليج دي فرانس ـ وقد كان جزءا من المشهد الثقافي المحتدم في الستينيات، مع ثورة الطلاب، والحرب الباردة، وجمود مناهج نقدية مع أصحابها النقاد أنفسهم، وهو شخص لا يعرف الجمود، بل يتخذه عدوا لدودا له طيلة حياته، كي يكون غير مؤطر في اتجاه. فما أجمل أن يقول النظرية، ويقود المنهج، ويمارس التطبيق، ثم ينقلب إلى غيره المضاد له، لينقض ما بدأه، بعدما استقر هذا عنه، بل نال بارت شهرة به في الحياة الأدبية الفرنسية.

ما أجمل أن يقول النظرية، ويقود المنهج، ويمارس التطبيق، ثم ينقلب إلى غيره المضاد له، لينقض ما بدأه، بعدما استقر هذا عنه، بل نال بارت شهرة به في الحياة الأدبية الفرنسية.

لذا، فـــــإن البعض يفســـر ما ختم به حياته بأنها مرحلة «النقد الحر» الذي تحرر فيه من المناهج النقدية التي خاض غمارها: الماركسية، الوجودية، البنيوية، النفسية، السيمائية، وأبدع فيها وأضاف، ومن ثم انطلق يمارس حريــــته في عــدد من الكتب التي تتعامل مع النص بوصفـــه يصــنع لذة في القراءة، ومع النقد بوصفه إبداعا على إبداع، فقد رأي أن السيميولوجيا تجعل النقد محصوراً بآفاق الدلالة، سعى إلى تجاوزها إلى ما يسمى «النقد الحر» الذي ينطلق فيه الناقد، كما الأديب المبدع، في إبداع نصوص قديمة جديدة توازي النصوص المنقودة.
ونحن نتحفظ على مفهوم «النقد الحر»، فلابد من وجود منهجية لدى الناقد في قراءته للنصوص، لا أن يترك العنان لما يتداعى في أعماقه من خواطر وأفكار بعد قراءته للنص، فهنا سيصبح الأمر أقرب إلى النقد الانطباعي الذي تنثال كلماته في خواطر، بدون وجود معايير واضحة يستند إليها الناقد. ولكن يمكن القول، إن بارت فضّل كتابة نصوص أدبية راقية، كما نرى في كتابه «شذرات من كتاب العشق»، الذي جمع فيه نصوصا عديدة في توليفة واحدة، عنوانها العشق والوله، وقد انتقى فيها عشرات النصوص من أفلاطون إلى نيتشة ومؤلفات المتصوفة والبوذية وكتب علم النفس ومداولاته مع أصدقائه ومقاطع شعرية، بجانب إشاراته إلى لوحات تشكيلية ومقاطع موسيقية، وذلك عبر ثلاث مراحل في كتابه: الافتتان والتوله المفاجئ، ثم مرحلة الزمن السعيد، وأخيرا مرحلة التعاسة بكل آلامها.
وكما يشير بارت بنفسه في مقدمة الكتاب بأنه: عرض صورا من خطاب العشق كما هي، بدون تحليل أو نقد أو وصف، وأعاد لخطاب العشق شخصيته الأساسية وهي عرض النص وليس الفعل، عرض أنا العاشق كما عبر عنها وليس تحليل ما قاله العاشق، في مقابل المعشوق الذي لا يتكلم ولكنه حاضر في مخيلة القارئ. ذلك أن القراءة هي عمل شهواني أيضاً، وهي حركة للرغبة، اتصال خفي بين ذات وذات، ذات العاشق وذات المعشوق وذات القارئ أيضا، وهنا يتحول من دور الناقد ذي المنهجية التحليلية إلى الناقد الذي يبحث عن اللذة لقارئه، الذي يعيد تقديم النصوص المدهشة الباعثة على اللذة إلى قرائه، كما هي أو ضمن توليفة ما، كي يتأملها القارئ من جديد، ويشعر بمتعة ولذة استشعرها الناقد، وفضّل أن يطرح النص كما هو بدون تحليل أو وصف، وترك للقارئ حرية التلقي. لذا، عدّ النقاد كتاب بارت «شذرات من خطاب العشق» كتابا بلاغيا، شهد انتشارا واسعا، وتحول إلى عمل مسرحي، حيث رآه كثيرون مناديا لبحث القارئ في الحصول على متعة القراءة بطريقة فريدة تخصه وحده، فيقف بارت في صف القارئ، مدافعا عن حقه في الحصول على دور فعال وخلاّق في القراءة بدون وصاية نقدية.

عدّ النقاد كتاب بارت «شذرات من خطاب العشق» كتابا بلاغيا، شهد انتشارا واسعا، وتحول إلى عمل مسرحي، حيث رآه كثيرون مناديا لبحث القارئ في الحصول على متعة القراءة بطريقة فريدة تخصه وحده.

وقد أشار بارت لمثل هذا في كتابه «لذة النص»، حيث دعا إلى «أن نفكر في حصاد دلالي هائل، سنجمع فيه كل النصوص التي حصل أن أحدثت لذة لشخص ما، بغض النظر عن مصدر هذه النصوص، وسنُظهِر هذا الجسد النصي، إنه مدونة وهذا تعبير جيد.. وإن تنفيذه تنفيذا موجزا، وفي عزلة، سيكون أفضل من تنفيذه تنفيذا جماعيا، وأنه من الأفضل أن نتخلى عن المرور من القيمة، التي هي أساس التأكيد، إلى القيم التي هي آثار ثقافية».
وربما يكون هذا التوجه جزءا جديدا من عمل الناقد، يتمثل في إعادة تسليط الضوء على نصوص رائعة، طواها النسيان أو اختفت وراء تراكمات من كتابات ونصوص أخرى، فالأفضل بعثها ضمن سياقات جديدة، وترك الحرية كاملة للقارئ في مشاركة الناقد اللذة إن شاء، وإعادة التأمل فيها دون تحليل أو توجيه نقدي.
في ضوء ذلك، فمن المهم قراءة بارت في تطوره الفكري النقدي، لنتوقف عند أبرز المفاهيم التي انطلق منها، والفلسفات المرجعية التي اتخذها، ومن ثم تمرّد عليها أو على الأقل تجاوزها إلى غيرها من الإبداعات النقدية والأدبية. ولنا في مؤلفاته وما كتب عنه مندوحة في الاستشهاد والتحليل والتعليل؛ لناقد استطاع أن يشكل تيارا وأن يكون رافدا في الحركة النقدية المعاصرة بتقلباتها المختلفة، وإن ظل محافظا على تميزه، وهذا سبب لإضافاته الفكرية الدائمة.

٭ كاتب وأكاديمي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية