النقد واقتناص اللحظة في كتاب « الهجرة والمهاجرون في الأدب اليمني»

حجم الخط
1

للوقوف على تجليات الهجرة والمهاجرين في كتاب الشاعر والناقد محمد الشيباني، لا بد للمرء أن يتسلَّحَ برؤى نقد النقد، وهي مادة قد تكون من الصعوبة بمكان، إلا أن موضوع الكتاب يفتح لك أفقاً جديداً بما حمله من مادة تكاد المكتبة اليمنية تخلُ منها، أو تشح بها، خاصة وقد اقتنصها المؤلف من بطون كتب الإبداع اليمني بمختلف مشاربه: الشعر، الرواية، القصة القصيرة.
وسنحاول هنا أن نقف على نماذجَ من هذه الاقتناصات، التي لفت نظرنا إليها الشيباني في هذا الكتاب، واستنتجها القارئ الكريم من خلال النص النقدي. من هذه الاقتناصات تجد أن ثمةَ هجرتين أحتنكها اليمنيون فيفترقان بالأسباب ويجتمعان بالغاية.
الأولى لأسبابها الفقر والظلم والمرض، وهذه الحالة كانت سبباً في هجرة أغلب اليمنيين، ورصدتها أغلب النصوص الأدبية التي تناولت الهجرة ومنها رواية: «الصخور المهاجرة» لجلال علي الرويشان، التي تتناول صلابة المواطن اليمني وصبره على قساوة الغربة وتكيُّفه وتغلبه على صعابها.
الثانية لأسباب تجارية، وقد تكون إما للجيل نفسه أو للجيل الثاني، الأبناء، وتتمثل هذه الحالة في شخصية عبدالله في رواية «فتاة قاروت» لأحمد السقاف، وعبدالله شاب سافر من حضرموت إلى جاوة لأجل استلام ثروة والده الذي مات هناك، وكان في نيِّة عبدالله استلام إرث والده والعودة إلى حضرموت إلا أنه استحسن الإقامة في جاوة واستقر فيها.
ومن تلك المقاربات في نقاط الالتقاء بين الأعمال الروائية ما تمثله شخصية الجمال حَمد في رواية (سالمين) لعمار با طويل، حمد الذي يرث والده المتوفى في إندونيسيا، وتجاوزه العقدة السوداء والتدوين الاجتماعي للعبد سالمين، تلك كانت هي السمة البارزة في هذه الهجرة. من هذه الاقتناصات النقدية في هذه الدراسة ثمة 4 حالات:
الأولى: تتمثل بالتغلب على المصاعب والعمل في البحر وإتاحة فرص العمل والحياة ويجسد هذه الحالة:
1ـ شخصية (علي فنيتو) في رواية «الميناء القديم» لمحمود صغيري.
2ـ شخصية (علي الزغير) في رواية «صنعاء مدينة مفتوحة» لمحمد عبدالولي.
3ـ شخصية (ناجي الزبيدي) في رواية «طيف ولاية» لعزيزة عبدالله.
الثانية: تتمثل بالانبهار بالعودة من العمل في البحر والنجاة منه ويجسد هذه الحالة:
1ـ شخصية (علي بن علي) في قصة «العائد من البحر» لزيد مطيع دماج.
2ـ شخصية (عبده سعيد) في رواية «يموتون غرباء» لمحمد عبدالولي.
3ـ شخصية (عبدالله) في رواية «فتاة قاروت» لأحمد السقاف
الثالثة: في هذه الحالة تبدلت فرص النجاة والحياة العملية التي منحها البحر إلى الموت، ويجسد هذه الحالة:
1ـ شخصية (فضل اليافعي) الذي غرق في البحر مع صديقه صالح وبقية طاقم السفينة، في رواية «قرية البتول» لمحمد حنيبر.
2ـ شخصية (مبخوت) الذي مات على ظهر السفينة ورُمي في البحر، نظراً لبعد موانئ الهند عنهم، في رواية «الميناء القديم» لمحمود صغيري.
3ـ حالة الروائي أحمد عبدالله السقاف صاحب رواية «فتاة قاروت» الذي أدركته المنيَّةُ وهو على ظهر سفينة في البحر عائداً من إندونيسيا مكان هجرته.
الرابعة: شخصية (مثنى) في رواية «رجال الثلج» لعبدالناصر مجلي، في هذه الحالة ثمة غموض يتمثل بشخصية (مثنى) الذي دخل إلى نيويورك سباحة عام 1920، وقد عرض لنا الكاتب حالته، إذ قذف بنفسه إلى البحر في مياه مغمسة بالثلج بعد رفض وشجار بينه وبين مهرب سوري على متن سفينة عابرة للمحيط تسمى (الأميرة) ومتجهة إلى أمريكا. هذه الشخصية قذفت بنفسها في البحر بالقرب من إحدى الموانئ الأمريكية، لكن الكاتب لم يوضح للقارئ هل نجى (مثنى) أم لا؟
ولهذا لم نستطع تصنيفها مع الحالات التي ذكرناها، إلا انها تشكل حالة من حالات التناول النقدي لكتاب «الهجرة والمهاجرون» إلِّا أن الشيباني يؤكد وصوله إلى بغيته أرض المهجر نيويورك.
*كتاب «الهجرة والمهاجرون» لفت أنظارنا لاشتغالات مخفية بين سطور الأعمال الأدبية اليمنية، خاصة السردية منها. لفت انتباهنا إلى الخيال السردي عند المغتربين اليمنيين، خاصة الأميين الذين عملوا في أبسط الأعمال، إلا أن الهجرة والتنقل في أماكن كثيرة والاحتكاك بالآخر ملأت خيالهم ووجدانهم بالحكايات والدهشة بالآخر، ليعودوا إلى الوطن فتسطع أخيلتهم بالاندهاش الذي تحول إلى حكايات رائجة بين سكان قراهم البسطاء، وعلى سبيل التمثيل لذلك شخصية (علي بن علي) في قصة «العائد من البحر» لزيد مطيع دماج، الذي يتحدث أحد رعية الشيخ عنه، وهو يتحدث عن مغامراته في البحر، ومشاهداته في البلدان التي رآها، أضف على ذلك ما نسجه الخيال السردي عند هؤلاء العائدين من مهاجرهم. *الناقد الشيباني فتح مداركنا على تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها أكثر الدارسين للسردية اليمنية، لأنها غير ظاهرة بوضوح كبير في الأعمال السردية، إلا ان الناقد الحاذق يبحث عن الجواهر المتناثرة المختفية هنا وهناك، ومن هذه الجواهر (أحلام العودة إلى وطنهم لدى هؤلاء) ورؤيته في أفضل حال، كما شاهدوه في البلدان التي عملوا فيها، ويمثل ذلك شخصية (محمد مقبل) في رواية «صنعاء مدينة مفتوحة» الذي تمنى أن لا يموت إلا وقد رأى بلده مثل تلك البلدان التي زارها وعمل فيها، وليس ذلك فحسب، بل منهم من يريد المشاركة في المشروع الجمهوري والدفاع عنه، ويمثل ذلك شخصية (محمد) في رواية «تحولات المكان» لعلي محمد زيد، وشخصية (ناجي بن علي) في رواية «طيف ولاية» لعزيزة عبدالله، ومنهم من يريد العودة ليعمل مترجماً ويمثل ذلك شخصية (الذماري) في قصة (الذماري) لزيد دماج، وكذلك الحنين الباذخ للوطن عند (الرسام المجنون) في نص (أبورُبِّية) في مجموعة «الأرض يا سلمى» لمحمد عبدالولي.
*في محورية مدينة عدن كمحطة مهمة لانطلاق وعودة المهاجرين منها وإليها يلفت الكاتب نظر القارئ إلى أهمية المدينة بالنسبة للشخوص الذين جاؤوها غرباء، وأضحو أبطالاً فيها مثل شخصية (أحمد) في رواية «زهرة البن» لعلي محمد زيد، الذي سُجن طفلاً مع أبيه في (القلعة) دون ما سبب لسجنه، ولم يبرحها حتى مات والده، فاضطر للهروب منها إلى خارج بلاد (أمير المؤمنين) وكانت وجهته مدينة عدن، مدينة النور والحرية وحاضنة الأحرار، وكان هذا الهروب هو الأول، أما الهروب الثاني فكان من عدن وإليها بسبب المرأة البدينة المطلقة (عيشة) التي شَغَّلته أول مرة كبائع آيس كريم لحسابها، ومحاولة إرغامه على الزواج منها بالقوة.
الهروب الثالث: كان سببه ثورياً إذ هرب من المخفر الذي قبض عليه في مظاهرة عمالية منددة بالاحتلال والشركات التجارية التي تستغلهم حين كان يعمل حارساً في إحدى الشركات.
الهروب الرابع: كان هذا الهروب من مدينة عدن برمتها إلى قريته، إذ أضحى مطلوباً أمنياً عقب المظاهرة، إضافة إلى ضيق العيش في هذه المدينة.
الهروب الخامس: كان كالهروب الأول من القلعة التي سُجن فيها للمرة الثانية بسبب ديون البواقي التي فرضها الحاكم والقلعة عليه ـ كما يقول محمد عبد الوهاب الشيباني.
والمهم هنا ليس عرض هذه الهجرات وتحولاتها لكن المهم الوقوف على هذه الرؤية النقدية المهمة التي أراد الكاتب إبرازها للمتلقي والأهداف الرامية إليها في قراءته للسردية اليمنية.

قاص وناقد يمني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية