صنعاء ـ «القدس العربي»: قد تنعكس ثنائية الحرب والوباء تأثيراً سلبياً على تجربة الكِتابة، في ظل ما يعيشه الكاتب من مخاوف كثيرة متعلقة بالموت تحت القصف، أو بفعل كورونا، لكن هذه الثنائية أحياناً قد تكون حافزاً إيجابياً للكتابة لدى البعض. السؤال: كيف يُمارس الكاتب يومياته مع الكتابة تحت تأثير ثنائية الحرب وكورونا؟ هنا يتحدث لـ«القدس العربي» عددٌ من الكُتاب اليمنيين عن الكتابة تحت تأثير هذه الثنائية:
وكلاء محليون
تساءل الصحافي والكاتب عبدالله الصعفاني، وهو من أهم كُتاب العمود في اليمن، «كيف للكاتب أن يعيش مناخاً كتابياً وصحافياً بعد أن صار الصحافيون والإعلاميون في الغالب الأعم مجرد وكلاء محليين، لمن يدير الأمور في صنعاء أو عدن أو مأرب… فضلاً عن الكتابة بالوكالة للممولين من الخارج. هذا هو السِر الذي لم يعد سِرا. كيف يمكن لي أن أتماهى مع حرب مجنونة على اليمن، تقضي على منجزات اُنشئت من دماء وعرق الشعب الفقير، وفي الوقت نفسه يُصعب التماهي مع قوى العبث والفساد الممتد بطول وعرض اليمن. إذا كنت محكوماً بسلطة الأخلاق ومن قبلها الدين الذي يُحرّم الدماء والأموال والأعراض، فلا بد من ألف خطوة تنظيم، وأنت تكتب أو حتى تحاول.
وأردف «ولهذا أنا متوقف عن الكتابة للصحف الورقية؛ لأن الكتابة فيها تتم تحت ضغط التزامك تجاه المطبعة، وبالتالي قد تتحول، بدون أن تدري إلى إنسان محرض في الغامض والواضح وحتى الفاضح، ولا تعلم أين ستنتهي كلمتك في ميدان الدم، خاصة ذلك الذي يجري بين يمنيين لا يمتلكون قرارهم أو عقولهم.. مشهد عام هذه ملامحه سيجعلك لا تتوقف عن الكتابة، وإنما لا تجري وراءها… فقط تكتب عندما يفرض هاجس الكتابة نفسه عليك، وهنا لابد من اللجوء إلى هذا الفضاء الإلكتروني من داخل ضمير مهني لا يعمل ضد محدداته. وكان المؤمل أن تكون تهديدات فيروس كورونا عامل تلاق عند جميع الأطراف اليمنية، خاصة في بلد يُعاني في موضوع الوعي المجتمعي والأوضاع المادية المعقدة، لكن الاحتراب متواصل مع الأسف. حاولت تَخيل الذي سيحدث لو تحول كورونا إلى وباء في اليمن، فنهجتُ أسلوب الكتابة اليومية بأسلوب يجمع التوعية بالوخز عن تحديات فيروس قاتل لا يعترف بتمترسات جهوية، ولا يعرف بطاقة انتماء حزبي أو جهوي، وإنما يبحث عن صدور ورئات تتنفس، فيتولى أمر تعزيز الاقتتال بالقتل.»
الجانب السلبي
فيما يرى الكاتب والناقد مُحي الدين سعيد، أن اليمن جزء مهم من العالم ويتأثر فيه سلباً وايجاباً، معتقداً أن «الحرب كانت سبباً في تراجع الكِتاب والصحافة والطباعة، وكل شيء له علاقة بالثقافة، خاصة موضوع الكتابة عموماً؛ لكن تبقى الحرب سلاحاً ذا حدين فقد تدفع البعض للكتابة الغزيرة، وفق مفاهيم الحرب وتداعياتها؛ وقد تكون داعية من دواعي التراجع للوراء، عن ممارسة الكتابة بسبب انعكاساتها النفسية.»
واستطرد «لقد وصلتْ إلينا تداعيات كورونا، ووضعتنا في مأزق نفسي أمام وباء عالمي. وتبقى الكتابة جزءاً من يومياتنا، لكنها تراجعت لصالح القراءة، أو هكذا يفترض؛ باعتبار الحجر الصحي المفروض عالمياً؛ منحة ربانية للقراءة؛ ويبقى الجانب النفسي مهماً للتحكم بما سيكون عليه الكاتب خاصة.» معتبراً هذا الوباء سيمثل « انعطافة عالمية في مجمل الأفكار والفلسفات، التي كانت سائدة أو تحكم المجتمعات عموماً؛ حيث توقف الزمن فجأة عند منعطف فيروس خفي؛ فاختلت كل القيم والقوانين لصالح قوانين جديدة ومواقف أجد. لقد اتفق الكثيرون على أن العالم بعد كورونا لن يعود إلى ما قبله، وربما تحول الكُتّاب، عموماً، إلى طرائق تفكير جديدة وابتكار لغة مغايرة، وقد يشهد الأدب تحولاً في أنماط الكتابة السائدة. وبالنسبة لي أحدثت هذه الجائحة من الوباء والحرب انعكاسات سلبية على تاريخي مع الكتابة بكل أسف ومنحتني الجانب السلبي.»
اليمن جزء مهم من العالم ويتأثر فيه سلباً وايجاباً، معتقداً أن «الحرب كانت سبباً في تراجع الكِتاب والصحافة والطباعة، وكل شيء له علاقة بالثقافة، خاصة موضوع الكتابة عموماً
نهايات تافهة
أما الروائي والصحافي سامي الشاطبي، فله تجربة قاسية مع هذه الثنائية…يقول «عند الحديث عن تأثير ثنائية الحرب والوباء في يومياتي ككاتب، تتنطع كعقرب شره إصابتي، في أثناء لجوئي وتجوالي في غابات إثيوبيا، بلدغة حشرة البسيلا الافريقية. الآلام والمتاعب الصحية التي نتجت عن إصابتي بتلك اللدغة، التي اضطرتني للعودة لليمن والعلاج، وضعتني أمام تأثير الوباء قبل الحرب على الناس، خاصة البسطاء ممن لا يملكون الإمكانات والمستلزمات الصحية اللازمة لتفادي الأوبئة، وبالأخص وباء كورونا الذي اجتاح العالم ويهدد باجتياح اليمن. حالياً أقبع مجدداً تحت تأثير ثنائية الحرب ووباء كورونا؛ حيث أقف أمام إنجاز عددٍ من النصوص القصصية التي تتناول مساءلة الحرب وعلاقتها بالوباء، تحت عنوان «نهايات تافهة»، وأكاد انتهي من رواية بعنوان «رجل في الزحام»، تتناول قصة شخصية عادية مع الحرب والألم والأمراض.. كيف يواجه المرء كل تلك التحديات في بلد يقبع تحت نير التخلف والفقر؟ سؤال كبير أحاول الإجابة عليه بسرد قصص أناس بسطاء جدا.»
لازمتُ داري
فيما يُعرب الكاتب والناقد عبدالوهاب سنين، عن حزنه إزاء واقع تحضر فيه هذه الثنائية التي كان له معها تجربة إيجابية على ما فيها من مخاوف، قائلاً «وأنا أرى التحذيرات في وسائل الإعلام المختلفة حول قاتل العصر كوفيد 19، أرى الهلع ينشر ظله الثقيل في مختلف أنحاء العالم، مع ذلك أجد في بلادي شيئاً من التهاون من قبل كثير من الناس في هذه المرحلة الخطيرة، أما أنا كواحد من الكُتّاب في اليمن، أصبحتُ قليل الحركة، ولكن ما الذي انعكس عليّ كشاهد عيان لهذه الآفة الضاربة بلا رحمة؟ لا أُخفي أن لديّ الكثير من الأعمال الكتابية، كانت تقبع على رفوف النسيان، وحين أتت الحربُ بالويل والثبور، لازمتُ داري وأنستُ بأسفاري، وأفرغتُ ما يجيش في حنايا ضلوعي في أوراقي المبعثرة، وجلتُ بنظري على رفوف مكتبتي التي تتربع فيها أسفار مَن رحلوا، ومَن هم على قيد الحياة، وخلال تلك الأيام الموحشة استطعتُ التعامل بإيجابية مع الظروف، وخلالها صدر كتابي الأول «رحلة في أروقة الخيال». قبل أشهر قليلة ظهر فيروس كوفيد 19؛ فأخذتُ في كبح نفسي من مغادرة المنزل، باستثناء ساعة أو ساعتين من النهار، وخلال بقية اليوم تركتُ نفسي على سجيتها، وهرعتُ للكتابة، ولكن الألم يمزقني على وطني النازف، وعلى ما يحدث في كثير من بلدان العالم من هجوم قاتل لهذا الفايروس، ومع ذلك مكثتُ بين أسفاري أستدعي بُنيات أفكاري، وهأنذا أنجزتُ كتابي الثاني، متمنياً أن يرى النور قريباً.»
مذكرات الفايروس
الشعور بدنو الموت بهذا الفايروس المستجد دفع الصحافي والشاعر فايز مُحيي الدين البخاري للتفكير بكتابة مذكرات تنبه من مخاطر الفايروس…يقول «منذ بدء انتشار وباء كورونا المستجد، وفي خضم الهلع والرعب والخوف الذي يجتاح الجميع، تأثرتُ فيه بشدة بداية الأمر، ثم بحثتُ وتابعتُ بجهد منقطع النظير عن كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالفايروس وطرق انتقال العدوى وأعراض المرض، والأهم من ذلك طرق الوقاية. وبدأتُ أكتبُ عن ذلك وأنشر من خلال موقع «يمن دايركت» الذي أديره، لعلني أسهم بشيء من أجل حماية مجتمعي، ومنع انتشار هذا الوباء الفتاك في بلدي. ومع مرور الأيام وفي ظل عدم تسجيل حالات إصابة مؤكدة في اليمن، بدأتْ نفسيتي تهدأ وأشعرُ بالأمان، لكنني بقيتُ متشدداً في عدم مغادرة المنزل، والامتناع عن مقابلة أو استضافة أي شخص مهما كانت معزته وقرابته. وهذا الأمر تم بتفاهم مع زوجتي، التي أدركتْ معي حجم الخطر الذي يتهدد الجميع، وبتعاوننا استطعنا أن نكتب في موقعنا (يمن دايركت) الذي ترأس تحريره، ما يبعث على الطمأنينة، وفي الوقت نفسه لا يشجع على التواكل والإهمال. والشيء الأجمل في الموضوع برمته أننا بدأنا نستشعر دنو الموت، ونحاول أن نكتب مذكرات تنبه من يأتي بعدنا لمخاطر الفايروسات، ونوضح من خلالها تجارب بعض الأدباء الذين عايشوا مراحل اجتياح الأوبئة الفتاكة، كما حدث مع الأديب العالمي ماركيز في روايته ذائعة الصيت «الحب في زمن الكوليرا».»
سبب للموت
أما الروائي والكاتب المسرحي منير طلال فمازال يشتغل على بعض الأعمال التاريخية؛ « لأهديها للأجيال القادمة، عسى تأخذ العظة من التاريخ لتبني الحاضر، وهناك رسالة جليلة لكل كاتب نحو وطنه وأمته أن يزرع روح المحبة والسلام وثقافة التعايش… يجب ألا تُخرج الحربُ والوباء أسوأ ما فينا، علينا أن نواجه الدمار والخراب بالمحبة. تجربة الحرب والتشرد وضياع الوطن مؤلمة لكل اليمنيين، الجميع تصالح مع ذاته حتى يستطيع الحياة مع ظروف الحرب والحصار والدمار. وجائحة كورونا بالنسبة لليمنيين ليست مُخيفة، رغم تردي الأوضاع الصحية والمعيشية؛ فالذي يعيش وسط مقبرة لا يهتم بالبحث عن سبب الموت، واليمن أصبحت مقبرة كبيرة مقسمة ومجزأة ومحاصرة… كل مَن يموتْ في هذه البلاد صاروا شهداء حتى أمراء الحرب، وأعوانهم. عندما تَحدَثَ العالم عن الحَجر والعُزلة كان بلدنا معزولاً عن العالم، وأغلبنا لا يستطيع السفر والتنقل داخل البلاد؛ فما بالك بالسفر للخارج. أما الحركة الثقافية والإبداعية في اليمن فهي في حالة موت سريري؛ وكل الأطراف المتصارعة لها توجه ديني متطرف يُحارب الفن والمسرح والسينما والرسم والغناء…ومَنْ يشتغل على أعمال أدبية أو فكرية فهو يكتبها على أمل أن يتغير الوضع ليتمكن من نشرها أو ترى النور في المسرح أو السينما.»
هاجس التحوط
فيما يعتقد القاص والروائي بسام شمس الدين «أن وهج الكتابة يصبح أكثر في حال توفرتْ ظروف هادئة، ونحن، هنا، في صنعاء مازلنا بعيدين عن خطوط النار، أما القصف الجوي فمستمر، والوباء كذلك مازال يركض في البلدان الأخرى، ولا نشاهده إلا في الشاشات، وهذا يخلقُ جواً من الرهبة والكتابة من منطلق الإحساس بآلام المرضى ورعب الشعوب المصابة. وفي الوقت الحالي أعكفُ على تصحيح ومراجعة رواية سوف تصدر قريباً في صنعاء، بعنوان «نهاية رجل غاضب» وهي روايتي السابعة، وتحمل رمزية وشكلاً مختلفاً عن رواياتي السابقة، ولاسيما رواية «نبوءة الشيوخ» الأخيرة، التي أثارت استياء بعض الأشخاص المصابين بالريبة، ممن يقدسون الماضي… على كل، أفكر، حالياً، بتوزيع مسودات أعمالي تحوطاً لوقوع متاعب، ولأشخاص ثِقات ممن يمكن أن ينشروها في حال نجاتهم من الأوبئة والحروب… لا أعرف لماذا يزورني هاجس التحوط هذا باستمرار، وكل ما في الأمر أن مسودات رواياتي الجاهزة أخذت مني جهد خمسة أعوام من الكتابة اليومية، ومعظمها كُتبت بعد 2014؛ وهي أحلك سنوات مرّ بها البلد، وللتذكر سأعدد أسماء هذه الروايات الجاهزة للطباعة: «ثلاثية عصفور الحقل»، «مهنتي لا تروق لي»، «زفاف فرحان»، «العربيد»،» بكاء الرجال»، وكلها تدور حول قضايا اجتماعية والحرب، والصراع الديني، وصراع الأجيال، واختلال موازين الحياة في مجتمعاتنا التقليدية التي وقعت حائرة بين القديم والجديد.»