النقلة الزمنية

حجم الخط
4

لا أدري ما الذي أوهم العالم العربي بأنّ الزمن متوقف، فقد تبادر إلى ذهني هذا السؤال كثيرا وأنا أزور مدنا عديدة، فأنا أجدها لا تتغير، يحلُّ عليها الثبات بشكل عجيب، وتبقى صامدة وسط التغيرات المتوحشة حولها، بل إن بعضها تحرّك جملة وتفصيلا نحو الماضي، حتى طاله تشوُّه غريب، يجعلنا نعتقد أننا أمام فيلم كوميدي، أصرّ فيه كاتب السيناريو والمخرج على خلــــط الأزمنة مع بعضها، وترك الممثلين يتخبطون في ذلك العجين الذي لا رأس له ولا قائمة.
في إحدى زياراتي للأهرامات، قادني سائس عربة في جولة، كان مكتفيا بستر جسده بجلابية تلهو بها الريح، وحذاء مسروق من زمن السبعينيات، اختفى طلاؤه تماما حتى أصبح بلون التراب، ويبدو أن الكعب الضخم المتآكل قد عالجه الإسكافي عدة مرات ليخدم صاحبه مزيدا من الوقت، لكنّ الرجل يحمل هاتفا نقالا، ويقدّم نفسه بلغة إنكليزية مفهومة: «ماي نايم إيز هابي» ما يعني أنّ اسمه سعيد، ويتحدّث في السياسة، ويعرف أن العالم ليس بخير، ويؤكِّد لي أن الدولار هو السبب، قبل أن يعيدني إلى زمن الفراعنة، ويرمقني بنظرة إعجاب وهو يروي لي قصّة كليوباترا مردفا: «وهي زيّك تمام، بتشبهك يعني، أكيد حضرتك من سلالة الفراعنة، باين عليكي» الرّجل يبتسم طيلة رحلتنا بين الأهرامات وآثار الزمن الغابر، نصف أسنانه المتبقية صفراء فاقع لونها، وهذا أمر لم يبدُ لي أنه مقلق له، كونه متأسفا فقط أن حماره أصبح عجوزا، ويلزمه حمار قوي ليحافظ على مهنته!
لم أتمكّن من الاستمتاع برحلتي أمام بؤس الرجل، الذي لا يملك من حاضره غير هاتفه النقال، حتى الأهرامات، والمتحف، وكل المعالم التي خلّفتها حضارة الفراعنة العظيمة، لم تكن في تناغم مع بؤس المواطن، الذي يسعى جاهدا لجعلك تحب مصر، وتعجب بتاريخها، في لحظة ما شعرت بأن كتابا مصورا حول المكان كان أكثر رأفة بعواطفي من تلك الرحلة. ابن العشرين، والثلاثين وسط ذلك الموزاييك المأساوي لا يمكنه أمام هاتفه النقال الذي يحمله بكبسة زر إلى أقاصي العالم أن يصدّق أنّه يعيش قدره، بل يعرف جيّدا أنه يعيش وضعا فُرِض عليه، ويعرف أن المعضلة تكمن في طريقة إدارة الأمور لا غير. لكنّه بالمقابل يستحيل أن يقنع «هابي السعيد» بأنه يستحق حذاءً جديدا، وجلابية محترمة، وطبيب أسنان يعالجه، وعربة أفضل وحمارا قويا على الأقل ليرى السائح مصر الجميلة التي تستحق عظمة تاريخها الغابر.
نعم يستحيل على شبان الزمن التكنولوجي أن يقبلوا بمزيد من الإهانات لإنسانيتهم، وهم يرون أترابهم يستمتعون بالحياة بطرق مختلفة، حتى بدون أن يملكوا تاريخا عريقا، وأطلال حضارات عظيمة، وهذا هو الوضع في العراق، والجزائر، وسوريا وباقي الدول العربية، وهذا هو سر كل هذه الثورات، التي يبحث رجال الأنظمة القديمة عن أسبابها، ولعلهم يدركون الحقيقة لكنها تجاوزت أدواتهم القديمة في التعامل مع الأوضاع المستجدّة.
في سنوات مضت كان منع دخول الكتب التنويرية إلى بعض البلدان، وإغراق السوق بالكتب الدينية الصفراء، كافيين لتثبيت الزمن على ساعة الماضي، كان سهلا تجنيد آلاف الشبان بدون مقابل للقتال من أجل قضية خاسرة في أفغانستان، ثم جاءت مرحلة أخرى أكثر تعقيدا، حين أصبح التواصل الإلكتروني طريقة سهلة لتزويد بؤر الحرب بالوقود البشري من أصحاب الأدمغة الخام غير المستعملة.

كل لحظة تمرُّ من أعمارنا هي لحظة ثمينة، لأنّها لا تعود، تستحيل استعادتها إلا إذا أرّخنا لها بتدوينها، بدون أن تكتمل تماما بمظهرها اللغوي أو السّردي القصصي

لقد شكّلت المعرفة قاعدة مهمّة لإقلاع بعض الشعوب نحو القمّة، وشكّلت بالنسبة لأنظمة استبدادية جشعة بمفهومها العكسي قاعدة للتحكم في شعوب خاملة، تتربّع على جبال من الذهب، بدون أن تعرف طريقا لإخراجها والاستفادة منها، وبين شعوب وأخرى يلعب الزمن لعبته الخطيرة، فحين يستحيل إيقاف عجلة الزمن على الدوران، تتحرّك آلة الحرب لحصد أرواح الفئات الشابة، وتهجير بعضها، وتكسير ما تبقى منها، أليس هذا ما يحدث في أغلب العالم العربي؟
العظيم فرنسيس بيكون قال في زمنه: «كل معرفة سلطة» وقد غيّر بنظرياته المسار الحضاري ليس فقط في إنكلترا، بل امتدت أفكاره لتصبح العلامة المضيئة في القرن السابع عشر، ولعلّه كان من الذكاء أنّه لم يصدم الكنيسة بأفكاره العلمية ودعوته لطرح الأسئلة، كونه كان متدينا، لكنه أشار إلى أن العقل في حالة ركوده لا يختلف عن رؤوس الحيوانات، وأن تعطيل العقل له عواقب وخيمة أمام زحف الزمن الذي لا يرحم. نحن نندهش بكل بساطة أمام ولد صغير يستعمل تطبيقات هاتف نقال حديث، بدون تعليمه، لكنّنا لا نفهم الرّسالة الرّبانية من ذلك، يتعطّل حدسنا البشري أمام عوائق عديدة زرعت سلفا في تقبلنا لفكرة نقل المعرفة بين الأجيال وتطورها عبر الأزمنة.
نعرف أيضا أن الأطفال يتعلمون بسرعة، وأن الإنسان طالما هو شاب فتعليمه لتقنيات عديدة كسياقة السيارة، واستعمال بعض الآلات يكون أسهل بكثير من تعليم كهل، ومع هذا يبقى إصرارنا غريبا على تسليم دفّة مركبة الحياة لتلك الفئة العاجزة عن التّعلُّم، ومواكبة حركة الزمن. يسيطر اللامنطق على سلوكنا بدون محاولة لإصلاحه، نلجأ في الغالب للعنف بكل أنواعه للحفاظ على الثبات الوهمي لبقائنا، وهذا أمر محيِّر فعلا.
في حوار مترجم للعربية يصرّح صاحب كونغور 2002 باسكال كينيار: «في كل معرفة ولادة جديدة» أو لنقل بمفهومنا البسيط «انطلاقة جديدة» مع تصحيحات للذات، ولكل مساراتنا الخاطئة انطلاقا من تجارب سابقة، فهل يكفي هذا الشرح لتفكيك اللغز الصعب الذي تعجز مجتمعاتنا على ابتلاعه؟ في سباق الحضارات تبدو المعرفة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالنقلة الزمنية، وفق ما تمليه علينا الخيارات، فإمّا أن نخضعها للحاضر، وما يجرُّه من معطيات مستقبلية، وإمّا أن نجرّه للماضي المتلف، باستعمال بقاياه غير الصالحة للاستعمال تماما. أستعيد أيضا حوارا لتشارلي شابلن حين سئل كيف استطاع أن يحقق كل ذلك النجاح؟ فأجاب: «بكل بساطة سلكت الطريق التي تؤدي إليه، وقد كانت أمامي» ولا أعتقد أن هناك من نجح بعودته للخلف.
كل لحظة تمرُّ من أعمارنا هي لحظة ثمينة، لأنّها لا تعود، تستحيل استعادتها إلا إذا أرّخنا لها بتدوينها، بدون أن تكتمل تماما بمظهرها اللغوي أو السّردي القصصي، إننا نسعى فقط لتثبيتها ربما لمتعة شخصية دفينة، لكنّها في الحقيقة رسالة مشفّرة لأجيال ستأتي في ما بعد، كل فعل إبداعي شيفرة ستفهمها أجيال المستقبل، أمّا الفضاءات الخاوية من الإبداع فهي سجون أبدية لكائنات تحيا وتموت على الإيقاع نفسه، مثل تلك المدن الميتة التي تعج بها الخريطة العربية، المنسية في الجبال والصحارى، وكأنّها أوكار حيوانات في أزمنة القحط… لا خلاصة لهذا الموضوع في الحقيقة، لا نهاية له ونحن لا نزال على هامشه، نتابع أبناءنا يموتون بشتّى الطرق في بقاع بلداننا، فيما أقلية الأقليات تعتمد ساعة متوقفة لقياس الزمن، وأدوات بدائية للتعامل مع عقول نابضة بالأفكار. لا نهاية حاليا، في انتظار أمل ما.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية