الانقلاب العسكري قد يُغير التوازن في منطقة الساحل بشكل لا يصب في مصلحة الغربيين الذين يعتبرون البلد الأكثر استقراراً في منطقة الساحل، وهو سابع منتج لليورانيوم في العالم.
باريس ـ «القدس العربي»: بعد مالي وبوركينا فاسو، أتى الدور على النيجر يوم 26 تموز/يوليو الجاري لتصبح مسرحًا لانقلاب عسكري هو الثالث الذي تشهد أفريقيا ومنطقة الساحل منذ عام 2020 فيما يعد اتجاهاً مقلقاً في منطقة الساحل، وفق ما أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
الجنرال عبد الرحمن تشياني (عمر تشياني) قائد وحدة الحرس الرئاسي (62 عاماً) برر فعلته، في خطاب تلفزيوني، قائلاً إن المجلس العسكري الذي يرأسه أطاح بالرئيس محمد بازوم بسبب العديد من المشاكل في البلاد، بما في ذلك انعدام الأمن والمشاكل الاقتصادية والفساد، وأمور أخرى. واعتبر أنه خلال عهد الرئيس المخلوع كان يسود «خطاب سياسي» يهدف إلى جعل المواطنين يعتقدون أن كل شيء على ما يرام بينما يؤكد الواقع عكس ذلك، بما في ذلك النهج الأمني الذي لم يسمح بتأمين البلاد.
الجيش النيجري يعلن تأييده للانقلاب على الرئيس محمد بازوم، ويبرر ذلك بالحفاظ على السلامة الجسدية لرئيس الجمهورية وأسرته، وحقن الدماء، وتجنب مواجهة دامية بين مختلف القوى، وتعريض أمن السكان للخطر. كما برر الجيش الذي هدد في وقت سابق بالتدخل إذا لم يطلق الحرس الرئاسي سراح الرئيس وتهدأ الأوضاع، قراره تأييد الانقلاب بالحفاظ على التماسك داخل صفوف قوات الدفاع والأمن. وبرر حاكم النيجر الجديد خطوته أيضاً بتعليق بلاده التعاون العسكري مع مالي وبوركينا فاسو.
هذا الخطاب التبريري لا يختلف في جوهره عن ذلك الذي صدر عن قادة الانقلاب العسكري في البلدين المجاورين مالي ثم بوركينا فاسو، ففي آب/اغسطس عام 2020 أنهت «اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب» رئاسة الرئيس الراحل إبراهيم بوبكر كيتا. وقد تولى الجنرال باه نداو بعد ذلك السلطة، لكن سرعان ما أزاحه العقيد في القوات الخاصة أسيمي غويتا، وهو من مواليد عام 1983 ويحكم البلاد منذ علم 2021 حيث أعلن دستورياً رئيسا انتقالياً لها. أما بوركينا فاسو فقد شهدت في كانون الثاني/يناير عام 2022 انقلاب العقيد بول هنري داميبا، البالغ من العمر 42 عاما، بالقوة على الرئيس الشرعي للدولة روش مارك كريستيان كابوري، قبل أن «يطرد» الأخير بعد ذلك بتسعة أشهر من قبل النقيب إبراهيم تراوري، الذي يحكم البلاد حاليا، والبالغ من العمر 35 عاماً. وفي النيجر مصادر من القصر في نيامي، أكدت لوكالة «فرانس برس» للأنباء أن العلاقات بين الرئيس المخلوع محمد بازوم وقائد حرسه الجنرال عبد الرحمان تشياني شهدت توتراً تدريجياً في الأشهر الأخيرة، دفع بازوم مؤخراً إلى الإعراب عن رغبته في استبدال تشياني. وهو تغيير، يقول مقربون من الرئيس المخلوع إنه من المفترض أن يتم يوم 27 تموز/يوليو، خلال مجلس الوزراء – أي قبل يوم واحد من الانقلاب على الرئيس بازوم.
العديد من المراقبين والمحللين يرون أن ثمة تداعيات سياسية وأمنية لانقلاب العسكر في النيجر. فعلى الصعيد السياسي، فإن الانقلاب على محمد بازوم، المدني المنتخب بعد التناوب السلمي الديمقراطي والانقلابات التي سبقته في الدول المجاورة تجهض جميعها التجربة الديمقراطية في المنطقة، كما يقول لـ «القدس العربي» الباحث في الشؤون الأفريقية محفوظ السّالك، مشيراً إلى أن النيجر راكمت خلال 13 عاماً الماضية تجربة ديمقراطية، تحقق خلالها أول تناوب ديمقراطي على السلطة منذ استقلال البلاد عن فرنسا عام 1960 وهي الآن تعود إلى أجواء 2010 وما قبلها، وستبدأ مسارا جديدا، لن يكون طريقه سالكا على الأرجح بفعل التحديات متعددة الأوجه التي تواجه البلاد.
الجماعات المسلحة
بالنسبة لجمهورية مالي، فقد شكلت الإطاحة برئيسها الراحل إبراهيم بوبكر كيتا، ثم بالرئيس الانتقالي باه نداو، انتكاسة ديمقراطية جديدة. وكذلك الحال بالنسبة لبوركينا فاسو، حينما أطاح الجيش بالرئيس المدني المنتخب روك مارك كريستيان كابوري. في حين، تمر تشاد بمخاض عسير لمسار انتقالي ضبابي، حيث أن الرئيس الشاب محمد إدريس ديبي، خلف والده الذي قتل بعد حكم استمر ثلاثين عاماً، ومدد لنفسه البقاء في السلطة، ولا يستبعد أن يمدد المسار مجددا، يشير محفوظ السالك.
أما على الصعيد الأمني، يضيف الباحث فإن العسكريين الذين يبنون مبرراتهم الانقلابية في العموم على البعد الأمني، وفشل الحكام المدنيين في القضاء على الجماعات المسلحة، فإن التجارب أثبتت فشل حكمهم ولم يتمكنوا من طرد المجموعات المسلحة. بل إن الانقلابات العسكرية دائما ما ينجم عنها تدهور الوضع الأمني، لأن الحكام الجدد يركزون على ما هو سياسي بالدرجة الأولى، وهو ما يجعل الجماعات المسلحة تستغل الظرف، وتكثف هجماتها، وفق محفوظ السالك.
هذه الجماعات المسلحة، في غرب أفريقيا، كان الرئيس النيجري المخلوع محمد بازوم حليفًا رئيسيًا للغرب في الحرب ضدها، وربما كان آخر حصن لحماية السلام والأمن في منطقة الساحل بالنسبة للغربيين، لا سيما بعد إجبار عملية «بَرْخان» الفرنسية على مغادرة مالي. وبالتالي، كانت فرنسا تراهن على النيجر، حيث توجد لديها قاعدة عسكرية بها نحو 1500 جندي. بينما يوجد لدى الولايات المتحدة الأمريكية نحو 1000 جندي في هذا البلد، بالإضافة إلى 200 جندي ألماني.
علاوة عن مدى صحة الحديث عن وجود أياد روسية في الانقلاب النيجيري، كما سبق وأن اتهمت موسكو بلعب دور في مالي وبوركينا فاسو – لاسميا بعد ظهور متظاهرين وهم
داعمون للانقلاب العسكري في العاصمة النيجرية نيامي رافعين العلم الروسي ومطالبين بالقطيعة مع فرنسا، كما كان الحال في مالي وبوركينا فاسو؛ فإن صحفا فرنسية، منها «لوموند» اعتبرت أن باريس خسرت بالانقلاب على محمد بازوم أحد آخر حلفائها في منطقة غرب أفريقيا وفي الحرب ضد الجماعات المسلحة في الساحل. وقالت «لوموند» نقلا عن متابعين إن الانقلاب العسكري في النيجر قد يُغير التوازن في منطقة الساحل بشكل لا يصب في مصلحة الغربيين الذين كانوا ينظرون إلى هذا البلد على أنه الأكثر استقراراً في منطقة الساحل، وهو سابع منتج لليورانيوم في العالم.
فبينما وصف الرئيس الرئيس الفرنسي الانقلاب العسكري في النيجر بالتطور الخطير جدا على أمن المنطقة بأسرها، قالت وزيرة الخارجية في حكومته كاترين كولونا إن باريس لا تعتبر الانقلاب في النيجر لم يبلغ منتهاه، متحدثة عن إمكانية وجود مخرج، إذا استمع الانقلابيون لدعوات المجتمع الدولي. وهددت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بوقف الشراكة والدعم للنيامي.
في غضون ذلك تعقد المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «ايكواس أو سيدياو» قمة طارئة اليوم الأحد في العاصمة النيجيرية أبوجا من أجل بحث الوضع في النيجر، في وقت يكافح فيه التكتل الغرب أفريقي بغية إقناع العسكر بإعادة السلطة إلى المدنيين في كل من بوركينا فاسو ومالي. وهنا، تساءل الباحث في الشؤون الأفريقية محفوظ السالك إن كان هناك تنسيق بين الغرب، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا القيام بتدخل عسكري في النيجر؟ مبررا سؤاله بتصريح وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا أن بلادها لا تعتبر الانقلاب في النيجر نهائيا، متحدثة عن إمكانية وجود مخرج، ناهيك عن إعلان المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا مؤخرا عن قرارها إنشاء قوة عسكرية، من ضمن مهامها التدخل ضد الانقلابات العسكرية في بلدانها الأعضاء.