الهجوم على جبل التركمان بين التمرد على القرارات الدولية والقتال تحت مظلتها

حسام محمد
حجم الخط
0

شهدت مواقع النظام السوري العسكرية في جبل التركمان، جبهة الساحل، في التاسع من تموز/يوليو الحالي، هجوما مباغتاً لم تكن تتوقعه من قبل فصائل جهادية وأخرى محلية معتدلة، إذ بدت التشكيلات المهاجمة قد اعتمدت فيه على “الصدمة العسكرية والغزارة النارية” وتمكنت من خلال التقدم إلى 15 نقطة عسكرية خلال ساعات قبل انسحاب المهاجمين من المواقع التي دخلوها رغم إمكانية الحفاظ عليها بسبب وعورة المنطقة والأساليب التي اتبعت في الهجوم الذي اعتبر وفق دراسات وتحليلات الأوسع من ناحية الأهداف والرسائل، وخاصة تلك التي جعلت المصالح الروسية وصولاً إلى قاعدة حميميم تحت التهديد المباشر.

الهجوم الذي شهدته جبهة الساحل السوري، أعاد ملف الجهاديين في الشمال الغربي من سوريا إلى الواجهة مجدداً، وكذلك أظهر قدرة التشكيلات العسكرية المعارضة على المناورة العسكرية من دون المجازفة بالتوافقات السياسية التي جرت برعاية تركية – روسية.

بعض المصادر، اعتبرت العملية كسراً للخطوط الحمراء الدولية التي تخص جبهات الساحل السوري، وبعضهم اعتبرها معركة ضمن القفص، لن تغير من المسارات المفروضة على المنطقة رغم حساسية الجبهة التي شهدت عملية واسعة النطاق، في حين راح آخرون إلى اعتبار أن مشكلة التشكيلات الجهادية تكمن في توظيفها واستغلالها من قبل الدول الفاعلة في الملف السوري.

تصعيد محسوب

 

كل مناطق شمال غرب سوريا من وجهة الخبير في شؤون الجماعات الجهادية حسن أبو هنية، تعتبر مواقع معقدة رغم خضوعها لاتفاقات روسية – تركية عبر سوتشي، وتنضم إليهما إيران عبر مسار “أستانا” ولكن من المستبعد أن تغير الهجمات مهما كانت نوعيتها من الملامح العامة.

كما أن الحملة التي يقودها جيش النظام السوري والروسي ضد الشمال السوري، جاءت بعد تقارب أمريكي – تركي، ولكن نشاهد رغبة ولا نشاهد إرادة للتعامل مع ملف إدلب الذي يخضع لتفاهمات دولية أكثر من الديناميكيات الداخلية فقط، وبالتالي مهما شاهدنا من عمليات تصعيد بين فينة وأخرى، سيبقى هذا التصعيد “محسوبا”، وليس في إطار خطة متكاملة أو شاملة، فالمنطقة متروكة في النهاية لتفاهمات دولية ومسائل حل نهائي.

حلول جزئية وصفقات

 

وفي الإشارة إلى ملف المقاتلين الأجانب “الجهاديين” قال أبو هنية لـ “القدس العربي”: أيضا ملف الجهاديين يخضع لسحابات إقليمية ودولية، ومؤخرا كنا أمام اتفاق أمريكي – روسي بعد اجتماع القدس الثلاثي، حيث تم التفاهم على مواجهة المتشددين والقاعدة، وقد تعرض بعض المنشقين عن تنظيم حراس الدين، وهو التيار الأكثر تشدداً وارتباطاً بالقاعدة، إلى ضربات جوية مؤخراً أدت إلى مقتل قيادات بارزة فيه، والملفت هنا هو تبني الولايات المتحدة الأمريكية عبر التحالف الدولي للعملية، رغم أن المنطقة المستهدفة ضمن مناطق النفوذ الروسي، وحدوث مثل هذا غير ممكن بدون التوصل لتفاهم بين واشنطن وموسكو.

وفي المقابل، الأحاديث عن أن هذا الاتفاق وفق “اجتماع القدس” تحجيم للتوسع الإيراني في سوريا، ولكن لا نستبعد الصفقات هنا أو هناك، كما تتم بين الروس والأتراك على بعض القضايا، وبالتالي يمكن تصنيف كل الحلول على إنها “حلول جزئية” لا حل شاملا فيها.

كذلك، يشار دائما إلى ملف الجهاديين والقاعدة، ولكن الواقع مختلف تماماً، ففي إدلب يوجد ملايين السوريين، وكل فصائل المعارضة تتواجد هناك، فأي عملية شاملة ستكون بتكاليف باهظة وموجات نزوح معقدة، وهذا غير ممكن، كونه يشكل خطرا على تركيا وأوروبا.

حرب الوكالات

عموما، لا يمكننا القول، أن هناك تمردا كبيرا للجهاديين أو المعارضة السورية على الإرادة الدولية، فأحيانا تنفذ هجمات وأحيانا تنتظر التفاهمات، وكل ما يجري يمكن تصنيفه ضمن “حرب الوكالات” وهي حروب لا تتعدى ذلك، وحدود اللعبة أصبحت في أيدي القوى الدولية ورهن التفاهمات، ولم يعد الوضع اليوم كما كان في سنوات الثورة السورية الأولى.

حتى الآن، نحن وفق – الباحث في شؤون الجهاديين – أمام اتفاقات جزئية كـ “سوتشي” وتفاهمات روسية – إسرائيلية، وغيرها، ولكن لا توجد هناك تأكيدات عن حل جذري، وبالتالي ستبقى المسألة مؤجلة في ما يخص مصير شمال غربي سوريا، وقضية الجهاديين، ولا يوجد أي طرف يريد المغامرة وتغيير خريطة المنطقة التي استقرت على حالها منذ 2018 تقريبا.

روسيا، تستغل الهجمات التي تتعرض لها قاعدة حميميم العسكرية، لتنفيذ هجمات على الشمال الغربي من سوريا، بحجة وجود تهديد، وهذا صحيح، ولكن هذا جزء من حرب الوكالة. والهجمات التي تتعرض لها قاعدة حميميم غالبا ما تكون مرتبطة بتصعيد أمريكي – روسي، ونوعا ما تركي – روسي، وفي النهاية لا توجد حالة من الصراعات الصفرية، وموسكو كلما تعرضت لهجمات في حميميم، كانت دائما تتهم الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا مفهوم من خلال تحول سوريا إلى ساحة تصفية حسابات.

العملية التي شهدتها جبال التركمان، أبرزت وفق دراسة أعدها مركز “جسور” قدرات عالية عسكرية للفصائل عبر الدمج بين الهجمات التقليدية وغير التقليدية، حيث يُمكن اعتبار الهجوم الذي تم تنفيذه في جبل التركمان أحد الأساليب القتالية الهجينة في ظل الاعتماد على توسيع خط النار لتشتيت قوات العدو عسكرياً ومعلوماتياً بشكل يجعلها غير قادرة على تكوين معطيات سليمة حول قدرات وإمكانيات الفصائل في الهجوم والدفاع.

أنّ فصائل المعارضة ما زالت قادرة على تهديد مصالح روسيا الحيوية سواءً فيما يخص قاعدتها العسكرية في حميميم أو حتى القوات العسكرية الخاصة التابعة لها، كون السيطرة نحو التلال الحاكمة المتقدمة يجعل تلك المصالح في نطاق الأهداف الحيوية التي يُمكن استهدافها وإصابتها بشكل مباشر.

إضافة إلى رغبة الأطراف المهاجمة في الحفاظ على خطوط التماس الرئيسية لاتفاق خفض التصعيد، وذلك انسجاماً مع سياسة تركيا وانتشارها العسكري في محافظة إدلب ومحيطها، وأنها قادرة على الدفاع عن حدود تلك المنطقة ونقاط المراقبة فيها.

تمرد وكسر للخطوط الحمراء

 

إلا أن الباحث السوري خليل المقداد، يرى أن إدلب مع أرياف حماة واللاذقية، لا تشبه أي منطقة سورية أخرى، مرجعاً ذلك إلى تجمع غالبية رافضي التسويات والمصالحات مع النظام السوري في هذه الجغرافية، حيث يبلغ تعداد المقاتلين فيها 100 ألف ويزيد.

هذه القوة، حسب الباحث، تستطيع تغيير وجه المنطقة وكذلك المعادلات الدولية، في حال توفرت لدى التشكيلات العسكرية إرادة القتال، معتبراً التحرك الذي قادته فصائل جهادية وأخرى معتدلة، كان تمرداً على القرارات الدولية وكسرا للخطوط الحمراء، مستبعداً في الوقت ذاته دعم الهجوم من قبل أي دولة أو جهة.

وأضاف “المعركة التي شاهد الجميع نتائجها في جبال التركمان في ريف اللاذقية قبل أيام، شارك فيها مقاتلون سوريون وآخرون مهاجرون، واستطاعوا من خلالها السيطرة على تلال استراتيجية وقتل أكثر من 100 عنصر من قوات النظام السوري و10 أسرى، قبل الانسحاب للخطوط الخلفية”.

وقال: “نلاحظ استهداف وملاحقة الجهاديين السنة في حين لا يوجد ذات التحرك ضد الجهاديين الشيعة وذلك بسبب أن الشيعة هم الأداة ضد السنة، وطهران التي تلتقي مصالحها مع مصالح الغرب، تعتمد على المقاتلين العرب من الطائعين لها في قتال بقية الأطراف التي تحمل العداء لها ولمشروعها”.

مشكلة تُوظف

 

في حين أن السياسي السوري سمير نشار، لم يقلل من أهمية المشكلة التي أحدثتها الجماعات الجهادية في الشمال السوري، إذ اعتبر أنهم مشكلة توظف في أجندات إقليمية ودولية في الصراع على سوريا، الأشد تعقيدا هو صراع المصالح بين دول ومحاور، خاصة الدول المتواجدة عسكريا على الأرض السورية، محور أمريكا وإسرائيل وهو الأكثر تماسكا، والأكثر تطابقا في المصالح، وهذا المحور مدعوم أيضا من دول عربية وأوروبية.

أما المحور الآخر، فهو الأقل تماسكا وتجمعه مصالح ربما مرحلية، لكن الحد الأدنى من المصالح فيما بينهم يحققها هذا المحور فيما بين دوله وهم روسيا وإيران وتركيا من خلال مسار أستانا.

وقال نشار لـ “القدس العربي”: مشروع الجماعات الجهادية هو مشروع عدمي أو عبثي نهايته تشبه نهاية داعش لكن ليس قبل الوصول إلى الحل السياسي النهائي الذي يضمن مصالح الجميع، ونظرًا لأن الحل السياسي لا يبدو في الأفق المنظور، لذلك الجماعات المتطرفة باقية وتوظف في خدمة أهداف الدول التي لها مصلحة في بقائها، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار نقطتين في غاية الأهمية وهما:

الجماعات المهاجرة التي وفدت سوريا من خارجها، فهؤلاء أغلبهم مقاتلون أشداء، يقاتلون حتى الموت نتيجة اعتقاد إيماني وأيضاً بعد هذه السنوات لا مكان آخر لهم يذهبون إليه.

والغاية الثانية، أن هناك عددا مهولاً من هذه الجماعات خاصة من النصرة، هم سوريون ومن سكان المناطق التي يدافعون عنها.

مواجهة مكلفة

 

الدولة أو الجهة التي سوف تحاربهم ستدفع من وجهة السياسي السوري المعارض، ثمنا باهظا جدا في قتالهم، وسوف يستغرق ذلك وقتا إضافة إلى الاستنزاف البشري لقواتهم، وهذا ما يحصل حاليا سواء في جبل التركمان أو في ريف حماة الشمالي، فتركيا وربما من خلفها الولايات المتحدة تعززان موقفهما وأوراقهما السياسية في مواجهة المحور الآخر نتيجة فشله في محاولة إعادة المناطق المحررة لسيطرة النظام لتحسين موقعه التفاوضي من خلال محاولة استعادة محافظة إدلب باعتبارها المحطة الأخيرة للمعارضة، والزعم انه قضى على عصابات الاٍرهاب، لذلك لا أفق حاليا لا للمعارك قبل إيجاد أفق للحل السياسي الذي يحقق لكل محور ولكل دولة من المحورين الحد الأدنى من مصالحه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية