غزة ـ «القدس العربي»: تتجه الأمور الميدانية في قطاع غزة إلى مزيد من التصعيد الدامي، بعد أن أثبت رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وأعضاء حكومته المتطرفين، أن لا هدف لهم من المفاوضات سوى كسب المزيد من الوقت، من أجل تنفيذ خطتهم الخاصة باليوم التالي للحرب، والتي تتنافى مع كل البنود التي وردت في مقترح الوسطاء، وذلك بعد أن صوتت حكومة الاحتلال اليمينة على قرار بعدم الانسحاب من «محور فيلادلفيا» بعد إعلانها الموافقة على «هدن إنسانية» لأغراض صحية، وهو ما يثبت أن الهدف من وراء هذه الهدن، هو تخفيف حجم الانتقاد الدولي لأفعالها وهجماتها الدامية ضد قطاع غزة.
استمرار القتل والنزوح
وبما يدلل على ذلك، كان الخيار العسكري البري، الذي عمد نتنياهو على توسيعه، من خلال الدفع بمزيد من القوات العسكرية، للتوغل في مناطق كثيرة امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، على وقع الكشف عن إنشاءات عسكرية أقامها جيش الاحتلال مؤخرا في قطاع غزة، بشكل تثبت عدم رغبته في الانسحاب في المنظور القريب، والاستمرار في خطة الاحتلال والتهجير.
وخلال الأسبوع الماضي أصدر جيش الاحتلال أكثر من مرة أوامر إخلاء عسكرية جديدة، فبعد التوسع البري في مدينة خانيونس، خاصة في أحيائها الشرقية والجنوبية والشمالية، ومهاجمته مناطق النازحين في المواصي، أصدر أوامر جديدة بالإخلاء لأحياء واسعة من مدينة دير البلح، غير تلك التي كان قد أنذرها من قبل، فدفع تحت وطأة النيران الكثيفة، ربع مليون من سكان قطاع غزة، كانوا يقطنون في أطراف مدينة دير البلح الشرقية والبلدات والمخيمات المحيطة بها، للنزوح القسري في مناطق ضيقة في مخيمات النصيرات وبلدة الزوايدة، وفي غرب المدينة، وهو ما دفع بمسؤول دولي في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» لوصف مشهد التكدس، بعدم قدرة الشخص على رؤية الرمال التي تحت قدمه، من كثرة الخيام المقاومة في تلك المناطق، ومن كثرة النازحين.
وليس ببعيد عن هذا المشهد، كانت قوات الاحتلال تشن هجوما عنيفا على خمسة أحياء من شمال قطاع غزة، قريبة من بلدة بيت لاهيا، بعد أن كانت قد أنذرت أخرى تتبع بلدة بيت حانون القريبة، وإن كانت هذه المناطق أبلغ سكانها تحت نيران القصف الجوي والمدفعي على النزوح القسري، فإن الأمر كان مغايرا لسكان حي الزيتون شرق مدينة غزة، التي دخلها جيش الاحتلال بشكل مفاجئ، وهو ينفذ عمليات قصف وأحزمة نارية كثيفة.
وفي تلك الهجمات التي وقعت طوال أيام الأسبوع الماضي، وقع عدد كبير من الشهداء والمصابين، بينهم أطفال ونساء ومسنون، كما سقط خلالها عدة صحافيين، في إطار حملة الاحتلال الرامية لإخافة وإرهاب السكان، ودفعهم لتنفيذ أوامر الإخلاء.
وقد جاء ذلك خلال وبعد إفشال بنيامين نتنياهو باعتراف إسرائيلي تدخلات الأخيرة للوسطاء «الأمريكيين والمصريين والقطريين» بعد عقدهم سلسلة اجتماعات في العاصمة المصرية القاهرة والقطرية الدوحة، حضرها بعد الغياب عن الجلسة السابقة وفد من حركة حماس، رغم تشكيك فصائل المقاومة التي تمثلها حماس في المفاوضات، بنوايا إسرائيل.
فلم يكن الوفد الإسرائيلي الأمني الكبير الذي شارك فيه مسؤول جهاز «الموساد» ومسؤول جهاز «الشاباك» وقائد كبير في الجيش، يصل العاصمة المصرية القاهرة، لبدء جولة التفاوض الأخيرة، والتي حضرها مسؤولون كبار من الدول الوسيطة، حتى كان جيش الاحتلال يصدر أوامر جديدة لإخلاء مناطق سكنية في وسط القطاع وفي شمال قطاع غزة، ولم تكن تمر سوى ساعات على عودة الوفد الإسرائيلي من القاهرة، دون أن أي اختراق في المفاوضات، بسبب تكرار «لاءات نتنياهو» حتى كانت القوات الإسرائيلية تدخل حي الزيتون، وتصعد من حجم عمليات القصف الجوي والمدفعي وتوسيع رقعة الهجوم البري، وتوقع أعداد كبيرة من الضحايا، دون أن تأبه بأنين الضحايا أو بالمطالبات الدولية، التي دعتها لوقف الهجمات.
شروط تهدم المفاوضات
وفي تلك المفاوضات، وما تلتها شارك فيها «وفد أمني فني» من تل أبيب، كشف النقاب أن نتنياهو جدد مطالبه والمعروفة بـ «لاءات نتنياهو» لكن بكلمات وجمل تختلف في النطق عن السابقة، وتتفق معها في المعنى وحين التنفيذ.
وعقب المفاوضات التي جرت في مصر مباشرة، والتي لم تنجح في حلحلة أي من الملفات العالقة، والتي تعترض سبيل التوصل إلى المرحلة الأولى من التهدئة التي تنهي الحرب على غزة، جرى الكشف أن أسبابها تعود إلى رفض نتنياهو التعاطي مع مقترحات الوسطاء، وحتى حلولهم المقدمة لتجاوز الخلاف على كيفية تنفيذ بنود الاتفاق، وإصراره على إبقاء جيشه في «محور فيلادلفيا» الفاصل عن مصر، و«محور نتساريم» الذي يقسم قطاع غزة إلى جزئين واحد في الشمال وآخر في الجنوب.
وقد كشف النقاب، أن نتنياهو، حمل فريقه ما سميت بـ «خطة جديدة» غير تلك السابقة، غير أن باطنها أظهر ان الجوهر واحد، وان اختلفت الكلمات، فالأولى التي رفضتها الفصائل جملة وتفصيلا، والثانية التي لم تتعامل معها، تشمل بقاء جيش الاحتلال في مناطق عدة في قطاع غزة.
فمثلا في «محور فيلادلفيا» قدم الوفد الإسرائيلي مقترحا يقوم على أساس «تخفيف» قوات جيشه التي تحتل المحور الفاصل عن مصر، وليس انسحابها بالكامل، حسب بنود الاتفاق، وهو ما يعني بقاء الاحتلال هناك، فوجود خمس نقاط للجيش بدلا من ثماني، لا يغير حقيقة احتلال المحور، وكذلك فرض شروط إسرائيلية على تشغيل معبر رفح، لا يعني إزالة القيود المفروضة عليه، وإغلاقه منذ نحو الأربعة أشهر.
وكان الأمر مشابها، لما قدمه الوفد الإسرائيلي المفاوض، والذي وصل كعادته محكوما بشروط نتنياهو، بخصوص «محور نتساريم» فكان الحديث في المفاوضات الأخيرة تخفيف القيود على عودة النازحين المتواجدين حاليا في جنوب القطاع، ويريدون العودة لمنازلهم في شمالي القطاع، دون أن يشمل انسحابا كاملا لتلك القوات العسكرية، من ذلك المكان.
وابتدع نتنياهو حيلة جديدة، حين دفع بالإعلام العبري للحديث عن تنازلات في الجولة الأخيرة، تمثلت في تقليص اعتراضات إسرائيل على الأسرى الفلسطينيين الذين سيطلق سراحهم في حال أنجزت صفقة التبادل، مقابل زيادة عدد الأسرى الإسرائيليين الذين سيطلق سراحهم في المرحلة الأولى، وهو شرط لم يختلف عن الشروط القديمة، إذ اختار نتنياهو من تبديل الكلمات أن يحقق مكسبا له وهو وإن خفف الاعتراضات سيحصل على أسرى بعدد أكبر، وهو بالأصل مخالف لبنود مقترح التهدئة الذي أعلنه الرئيس الأمريكي في نهاية ايار/مايو الماضي، وأقره مجلس الأمن الدولي، ووافقت عليه الفصائل الفلسطينية.
وحسب ما جرى الكشف عنه، فإن آخر جولة تفاوض لم يظهر خلالها أي تقدم في المفاوضات، وأن إسرائيل قدمت تصورا يشمل إعادة تموضع قواتها داخل القطاع، مع الحفاظ على وجود دائم في 12 نقطة، منها كما هو موجود في الشمال والوسط وأخرى في الجنوب.
أكذوبة الهدن الإنسانية
وفي تأكيد على استمرار شروط إسرائيل الخاصة بالبقاء في غزة، وعدم سحب قواتها في حال التوصل إلى تهدئة، صادق المجلس الوزاري الأمني والسياسي «الكابينيت» على بقاء الجيش الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا» ليقطع بذلك كل الخطوط ويفشل جهود الوسطاء، بشكل واضح، وقد نقلت هيئة البث الإسرائيلية، عن وزراء بالمجلس الوزاري، زعمهم أن قرار بقاء الجيش في هذا المحور «يقرب الصفقة ويجبر حماس على التنازل».
وقد جاء قرار «الكابينيت» الجديد، بعد أن أعلنت الأمم المتحدة أن إسرائيل، وافقت على «هدن إنسانية» تستمر لساعات في بعض مناطق قطاع غزة، خلال فترة تطعيم الأطفال ضد مرض «شلل الأطفال» وهو ما يؤكد ان حكومة اليمين في تل أبيب، التي تمضي في الحرب الدامية ضد غزة، تهدف إلى تخفيف حدة الانتقادات الدولية لعملياتها العسكرية، حيث أن هذه الهدن ستدوم إن صدقت إسرائيل لبعض الساعات يوميا، وستعود بعدها آلة الحرب الإسرائيلية للقتل والتدمير، كما ستبقي إسرائيل بسبب استمرار حربها، على مسببات انتشار مرض «شلل الأطفال» والناجمة عن قلة النظافة وتكدس السكان في مناطق ضيقة، مع استمرار الحرب وإجبار الكثير على النزوح القسري..
وفي دلالة على أن هذا القرار يهدف إلى إفشال الصفقة، نقل عن وزير جيش الاحتلال السابق، موشيه يعلون قوله «الحكومة قررت التضحية بالأسرى الـ107 من أجل البقاء، وانتشار قواتنا على طول محور فيلادلفيا، في شريط من عشرات الأمتار لن يمنع حفر الأنفاق تحت المحور، وسيعرض الجنود للخطر».
كمت هاجمت عائلات الأسرى المحتجزين بغزة، قرار الكابينت» وقالت في بيان لها «بعد نحو عام من الإهمال، لا يفوت بنيامين نتنياهو أي فرصة للتأكد من عدم التوصل إلى اتفاق تبادل الأسرى».
وقد جاء هذا القرار رغم رفضه من قبل حركة حماس، وكذلك من قبل الجانب المصري، الذي له حدود مع غزة، وقد نقلت قناة «القاهرة الإخبارية» المقربة من دوائر الحكم، عن مصدر رفيع، بعد انتهاء جولة المفاوضات الأخيرة، تأكيده أن مصر جددت تأكيدها لجميع الأطراف المعنية بعدم قبولها أي وجود إسرائيلي بمعبر رفح أو «محور فيلادلفيا» وأشار إلى أن مصر تدير الوساطة بين طرفي الصراع في غزة، بما يتوافق مع أمنها القومي ويحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.
هذا وقد كشفت صحيفة «يديعوت احرونوت» العبرية، عن تفاصيل مقترح قدمه نتنياهو للوسطاء بشأن «محور نتساريم» خلال محادثات وقف إطلاق النار في غزة، ويقوم على أساس خنادق تقطع المحور من الشمال إلى الجنوب لمنع مرور المركبات، وكلف فريق المفاوضات بعرض المُقترح في القاهرة رغم معارضة المفاوضين.
ويتضمن المقترح عودة الأشخاص المدنيين مشيًا على الأقدام، أما السيارات التي تتطلّب العودة إلى الشمال سيتطلّب تفتيشها وتحويلها إلى الفحص أولًا، وقد قدم هذا العرض، رغم أن الجهات الأمنية ترى هذا المقترح غير عملي، حيث تم عرضه قبل أشهر لكن تم رفض عرضه مرارًا، لأنه سيخلق عبئًا كبيرًا على حركة الفلسطينيين من الشمال للجنوب والعكس.
وذكرت الصحيفة العبرية أن نتنياهو يحاول وضع أعباء جديدة على المفاوضات، قد تؤدي إلى أشهر عقيمة من التفاوض، من خلال طلبه حفر الخندق، وتابعت «مؤخرًا أرسلت حماس إجابة على مقترح بايدن، وهو ما اعتقد الجميع أنه يؤدي إلى تقدم مهم نحو التوصل إلى صفقة، ورأته المؤسسة الأمنية جيدًا، وبعد الاستمرار، جاءت الرسالة التوضيحية من نتنياهو، التي أرسلها إلى اجتماع روما، ما أدخل المفاوضات في دوامة عقيمة».
وبما يدلل على نوايا إسرائيل بالبقاء في محاور غزة، كشف النقاب عن قيام جيش الاحتلال ببناء ثكنة عسكرية رابعة على «محور نتساريم» كما كشف صورا نشرت لـ «محور فيلادلفيا» قيام جيش الاحتلال بتعبيد ذلك الطريق، لتمهيد الطريق أمام حركة المركبات.
ويهدف جيش الاحتلال من وراء ذلك تسهيل تحريك القوات والعتاد من شرق قطاع غزة إلى الغرب بشكل سريع لغرض مواصلة الغارات، وضبط ومنع عودة سكان غزة من جنوب القطاع إلى شماله.
ولذلك نقل تقارير عبرية عن مسؤول في طاقم المفاوضات الإسرائيلي، تفاصيل جديدة بشأن تعثر جولات المفاوضات الأخيرة، بقوله «لا يفهم كثيرون أنه في اللحظة التي يتم فيها حل معضلة أحد البنود الشائكة في الصفقة يأتي بنيامين نتنياهو بعائق آخر».
وذكر أن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رأت أن رد حركة حماس على صيغة 27 أيار/مايو كان متقدمًا نحو إبرام الصفقة، وقال «لكن كتاب التوضيحات الذي صاغه نتنياهو وفرضه علينا لنقدمه في روما أدخل المفاوضات في هاوية عميقة» وتابع وهو يصف الأمر «نحن نتحدث عن دوران في المكان بسبب سياسة نتنياهو».
ولذلك نقلت «القناة 13» العبرية عن مسؤولين إسرائيليين إلقائهم اللوم في إفشال الصفقة على نتنياهو، وقالوا «بدون تنازل كبير من نتنياهو بشأن محور فيلادلفيا ستنفجر مفاوضات التهدئة في أيام».
وفي تأكيد جديد على الشروط، ومضي نتنياهو في خطة الحرب، قال نتنياهو إن حكومته تعمل على إعادة الأسرى من قطاع غزة بالتفاوض والعمل العسكري، وقال «كلا الطريقتين تتطلبان وجودًا عسكريًا لنا على الأرض، وضغطًا عسكريًا متواصلاً على حماس» كما نقل عن نتنياهو القول «لا يهمني موقف المؤسسة الأمنية والعسكرية بشأن محور فيلادلفيا».
رفض المقاومة
ولذلك أعلنت حركة حماس، على لسان عضو مكتبها السياسي عزت الرشق، أن وفد الحركة الذي زار القاهرة في جولة المفاوضات الأخيرة استمع من الوسطاء لنتائج جولة المفاوضات الأخيرة، وأن حركته طالبت بإلزام الاحتلال بما تم الاتفاق عليه يوم الثاني من تموز/يوليو الماضي، والمبني على ما ورد في خطاب الرئيس بايدن وقرار مجلس الأمن.
وأكد في ذات الوقت جاهزية حماس لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، «بما يحقق مصالح شعبنا العليا ووقف العدوان عليه» معلنا أن وفد حماس أكد على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق وقفاً دائماً لإطلاق النار وانسحاباً كاملاً من قطاع غزة، وحرية عودة السكان إلى مناطقهم، والإغاثة والإعمار وصفقة تبادل جادة.
وفي هذا السياق قال رئيس حركة حماس في الضفة الغربية زاهر جبارين، إن المشكلة الحقيقية في المفاوضات هي نتنياهو الذي يريد أن يطيل الحرب من أجل مصالحه الشخصية، محملا نتنياهو كل المسؤولية في عدم التوصل لاتفاق بشأن غزة.
أما الدكتور محمد الهندي نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، فقال إن الإشكالية لا تتعلق بالمسائل الفنية، للاتفاق عما يجري ترويجه، وإنما بالأسس التي تبنى عليها عملية وقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى.
وأشار إلى أن التصريحات الأمريكية التي تحدثت عن استمرار المفاوضات على الصعيد التقني «موجهة للداخل الأمريكي، وتحديدًا للناخب الديمقراطي، حيث يطالب بعض الديمقراطيين بوقف المجازر في غزة ووقف إمداد إسرائيل بالسلاح».