«الهدية»: حكاية ياسمين التي تؤكد أنَّ فلسطين لا تُقهر

حزامة حبايب
حجم الخط
0

نال جائزة «بافتا» البريطانية كأفضل فيلم روائي قصير

فوز الفيلم الفلسطيني «الهدية» للمخرجة فرح النابلسي، بجائزة الأكاديمية البريطانية لعلوم السينما والتلفزيون «بافتا» في نسختها الـ74 عن فئة أفضل فيلم روائي قصير، يشكل نسمة منعشة ومبهجة وسط حالة عامة من الاختناق الإنساني. وإذا كانت هذه النوعية من الأفلام تجد صعوبة في الوصول إلى جمهور عريض من المشاهدين، لتبقى أسيرة صالات المهرجانات ذات الجمهور النخبوي أو المحدود، فإن عرض «الهدية» عبر منصة نتفليكس قد يُنصفه، على الرغم من محتوى المنصة المرتهن لذائقة ملتبسة.
في «الهدية» هناك فلسطين وأكثر. هناك قهر بالقنطار، ومحاولات حثيثة ومستمرة من الاحتلال الإسرائيلي لكسر الذات الفلسطينية وسحقها. لكن هناك في الوقت عينه الحبّ والتوق، وهناك دفء البيت، ودفء الأسرة، ودفء العناقات، وهناك سبب للاستيقاظ يومياً وتناول الإفطار على عجل ومواصلة الحياة، وتخطيط الزوج لمفاجأة الزوجة بهدية بمناسبة عيد زواجهما، عبارة عن ثلاجة جديدة، بدل تلك التي لم يَعُد بابها يُغلق.
على مدى 24 دقيقة، هي زمن الفيلم، يروي «الهدية» الذي شاركت النابلسي في تأليفه مع الكاتبة والمخرجة هند شوفاني، وقائع يوم في حياة يوسف وابنته ياسمين اللذين ينطلقان في الصباح لتسوق بعض الحاجيات للبيت وشراء الهدية المنتظرة، أي الثلاجة، في رحلة يقطعها آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية يومياً للذهاب إلى أعمالهم، مضطرين خلالها للمرور عبر عدد من نقاط التفتيش، أو «المعابر» كما تُعرف، التي يمارس فيها جنود الاحتلال هوايتهم الأثيرة بإذلال الفلسطيني. من البداية، يقبض مشهد الاكتظاظ اللاإنساني على الحاجز الإسرائيلي بالقرب من بيت لحم على عنق الروح، وهو مشهد فيه من الألم والمهانة ما فيه. وتبدو الأجساد المتدافعة كأنها تتحرك بآلية مفصولة عن الواقع، فيما يوحي بحالة يومية عادية. وإذا كان هناك ما هو أقسى من المهانة فهو اعتيادها. لا أحد يفتح فمه بكلمة، لكن الوجوه التي تبدو كأنها صامدة على شعرة تحكي الكثير. ولعل وجه يوسف، الذي يجسد دوره باقتدار الممثل الفلسطيني صالح بكري، يشكل لوحة مرسومة بمشاعر جياشة تتأرجح بين الغضب والغيظ والمرارة والمقاومة الداخلية اليائسة. ولا يغيب عن المتفرج أن يضع نفسه مكان الأب الفلسطيني، الذي يشعر بالخزي والخجل كونه يتعرض للإهانة أمام طفلته، التي تجلس على الأرض، تتابع بصمت ممضّ مشهد إذلال والدها على أيدي جنود الاحتلال الذين يصرّون على احتجازه لبعض الوقت في «قفص» عند الحاجز، إلى جانب آخرين، إمعاناً في تحطيمهم.
وحين يتجاوز يوسف وطفلته ياسمين الحاجز، طاوييْن المهانة، ومتجاوزيْنها، رغم الرضّة النفسية التي خلّفتها فيهما، فإنهما يقتنصان لحظات فرح حقيقية وهما يتسوقان في بلدة بيتونيا. بل إن يوسف يشتري لطفلته تاجاً برّاقاً يضعه على رأسها، هي أميرته، حتى إننا كمتفرجين نكاد نطوي مهانة الصباح من ذاكرتنا، رغم القلق الماثل في الأجواء. ونشارك يوسف فرحته بالثلاجة التي يشتريها، مغتبطاً بقطعة القماش الحمراء التي يزين بها البائع هديته الأثيرة.
لكن الاحتلال البغيض يضنُّ على الفلسطيني بلحظة سعادة عابرة أو فسحة حياة حرة أو طبيعية في الحد الأدنى. فعند طريق عودة يوسف وياسمين للبيت، في سيارة نقل تحمل الثلاجة، يمنع الجنود المتمركزون على الحاجز السيارة من العبور، ممّا يضطر يوسف إلى إنزال هدية زوجته الثقيلة، وتثبيتها على عربة بعجلات لجرّها. وهناك عند نقطة التفتيش إياها، تبدأ حلقة جديدة من مسلسل الإذلال، إذ يستوقفه الجنود الإسرائيليون، يسألونه عن الثلاجة وعن سبب شرائها، وينقبّون في أكياس التسوق خاصته، حتى إذا سمحوا له بالمرور أخيراً، بعدما نال حصته من المهانة المعهودة، يكتشف يوسف أنه من المستحيل إدخال الثلاجة عبر بوابة الحاجز الحديدية المدوَّرة. كل ما يريده هو أن يذهب إلى بيته على الجهة الأخرى من الحاجز. كل ما يتمنّاه هو إيصال الهدية لزوجته. لكن الجنود يرفضون السماح له بأخذ الطريق الرئيسي المخصص للسيارات. عندئذ، لا يبقى أمام يوسف سوى إطلاق الغضب من قمقم الروح. يضرب الطاولة عند المعبر بيده، في اشتباك لفظي وعاطفي عنيف مع جنود الاحتلال، الذين يرفعون السلاح في وجهه، لكنه يواصل الصراخ فيهم، في تفريغ يائس لمشاعر الإحباط المتعاظمة داخله، فيما يشي اصطكاك أمشاط البنادق بنية إطلاق النار عليه. وحين يلتفت حواليه فجأة، وسط غضبته المستعرة، لا يرى ياسمين، طفلته، التي كانت تراقب الاشتباك بصمت.
هنا نصل إلى نهاية الفيلم المبهرة؛ إذ يقف يوسف ومعه جنود الاحتلال مصدومين أمام المشهد غير المتوقع، وهم يشاهدون ياسمين تجرّ الثلاجة، هدية أمها، على الشارع الرئيسي، المخصص للسيارات، بعدما غافلتهم أثناء اشتباكهم، لتمضي بها إلى البيت. اليوم عيد زواج أبيها وأمها، ولا توجد أي قوة، حتى قوة الاحتلال، يمكن أن تحول دون أن تحتفل أسرتها بهذا اليوم.
ياسمين، ابنة أبيها وأمها، ابنة فلسطين، تعرف الطريق إلى بيتها، والأهم تعرف كيف الوصول إليه. والناظر إلى الطفلة وهي تمضي بخطوات واثقة، وثابتة، غير هيّابة، وسط عجز جنود الاحتلال عن القيام بشيء حيالها أو إيقافها، يتيقَّن بأن فلسطين لن تُقهر.
تُقدِّم النابلسي حكاية فلسطينية مطرَّزة بلغة مقتصدة وعاطفة شجية، ومشهدية بصرية فائقة التكثيف والحساسية، ضمن حبكة، تنجح في تقديم واقع غاية في التعقيد في سياق سردي سلس، وبسيط ظاهرياً، لكنه كالموج الذي يتصاعد حثيثاً من الأعماق، حاملاً معه كتلة جارفة من المشاعر.
لقد اختارت النابلسي، في أول تجربة إخراجية لها، عنوانا دالاً للفيلم بالإنكليزية هو «The Present»فالمفردة تعني «هدية» كما تعني أيضاً «الحاضر» أو «الراهن». قد يكون هذا حاضر فلسطين لكنه حتماً ليس مستقبلها؛ المستقبل الذي سوف تصنعه ياسمين، ومعها ياسمينات فلسطين اللاتي سيتفتّحن في أرضها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية