تتكئ رواية «مخمل» للروائية حزامة حبايب الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ 2017 من منشورات المؤسسة العربية للنشر، على نموذج خطابي متعدد التوجهات حيث تتداخل أنظمة الخطاب السّردي الذي يتخذ من زمن السّرد أو الخطاب منهجية بلاغية، حيث تنهض الرواية على سرد يوم واحد من حياة الشخصية المحورية (حوا) التي تقيم في إحدى المخيمات الفلسطينية في الأردن، وبين ثنايا ذلك اليوم نختبر اقتطاعات واسترجاعات تتصل بزمن الحكاية، الذي يتطاول كي يتناول محطات من حياتها، حيث يستطيع القارئ تشييد ملامح عالمها، الذي ينتهي بانطفاء وهج عينيها بعد أن تُقتل على يد ابنها في إدانة لتاريخ اجتماعي مستمر من القتل، الموجه للمرأة بداعي القيم المضللة.
إن فعل القتل في المتخيل السّردي، يحيلنا إلى مُضمر مشوّه من السلوك الذي ينتج في مجتمعات حوصرت في تاريخها وجغرافيتها وإرثها المهزوم، وهي مجتمعات النكبة التي انتهت إلى غيتوات نسيت في الزمن، وبات على الإنسان أن يتدبر أمر وجوده كونه بات فائضاً عن الوجود.
هل يمكن أن ننطلق من إشكالية تعريف المرأة لوعيها الجنوسي (الجندري)؟ وهنا نستذكر مقولة سيمون دي بوفوار: «إذا أردت تعريف نفسي فيجب أن أقول أنا امرأة، في حين أن الرجل لا يلجأ إلى التعريف الجندري، إنه رجل فقط». إن ظاهرة الوعي المركب القائم على الاقتلاع والنوع، يأتي في نسيج الخطابات النسوية، التي تتقاطع مع ثيمة أو ثنائية العنف ـ الجسد، بوصفها ظاهرة مسيطرة في مجمل النص. وهذا يتوافق مع التقييمات التي قدمتها جاياتري سبيفاك في ما يتعلق بموقع المرأة في الخطابات ما بعد الكولونيالية، أو الدراسات النسوية.
إن هذه المقاربة للرواية تتطلب استحضار مجموعة من الشخصيات النسوية، وحيواتها التي تتقدمها (حوا) رمز التكوين الأنثوي تبعاً لدالة الاسم، وتتصف بوعي جمالي داخلي مقاوم للسياقات التي نشأت فيها، فضلاً عن فائض التّضحية والقدرة على الاحتواء، ومواجهة الألم حيث تتعرض للعنف على يد والدها الذي يمارس عنفاً منزلياً على عائلته إلى حد التحرش الجنسي، ولاحقا تتعرض إلى عنف على يد زوجها نظمي، وختاماً تتعرض إلى العنف الأكبر حيث تقتل على يد ابنها «قيس» بتحريض من خاله «عايد»، هذا الشقيق الذي كانت «حوا» تحميه بلحمها السّخي حين كانت تتلقى ضربات حزام والدها عند معاقبة الطفل (عايد) حين يبلل فراشه ليلاً.
إن مجمل الصّورة التي تنشأ فيها في هذا المنزل تنضح بالسلبية، من شقيق ينأى بنفسه عن واقع الأسرة عبر تقديم المال، ونعني «لطفي»، وآخر فاشل منحرف (عايد)، وأخوات ينعزلن في عالمهن، في حين أن الأم «رابعة» تبدو مقموعة وسلبية، وأخيرا الجدة «نايفة» مهمّشة على الرغم من قوتها، في حين تتبدى «حوا» بوصفها الكائن الأكثر نبضاً ووعياً بإشكالية وجودها، حيث تتخذ من كيانها مجالاً لاحتواء الكل، ومنهم الشقيق عايد الجبان، والجدة (نايفة)، والأم والابن والابنة، بما في ذلك (الست قمر) القادمة من الشام التي تفقد حباً لم يكتمل تأكيداً للحيوات المكسورة.
إن النّساء في مجمل الخطاب السردي لسن سوى ضحايا تكوينهن الجندري، فهنّ نتاج العنف، الذي نتج بفعل الاضطراب الذي نجم عن ظروف سياقية تتصل بالاقتلاع، والعالم الذي يتداعى في وجه الكائن الفلسطيني الذي تتناوشه قيم عليا تتعلق بالوطن، وأخرى قيم دنيوية تتصل باليومي والمعاش، أو لعله نواتج ممارسات اجتماعية وثقافية واقتصادية، فمعظم الدراسات التي تشير إلى أن التّحرش الجنسي يعدّ نتاج فضاء مكاني مزدحم، أو ضيق (التّلاصق الجسدي) بسبب عوامل الفقر، كما ينتشر أيضاً في الطبقات الغنية، التي تعيش بمعزل عن جهات المراقبة والخفاء… إنه عالم المخيم المثقل بالإحباط والفقر، وهنا لا يمكن الجزم بأن النص يرغب في بناء تعالق دلالي مباشر مع المشكلة الفلسطينية، بمقدار ما يرغب في أن يشتغل على هامش الفعل أو الحدث السياسي الخارجي. إنه يسعى إلى الولوج إلى العوالم الداخلية لوجود قائم ومتشكل في فضاء المخيم الذي كانت تسعى حوا للخروج سعياً إلى الخلاص الروحي والمكاني، إنه بسيط، ولكنه أبعد مما نتوقع.
من الظواهر السردية التي تتصل بالرواية قدرة الكاتبة على بناء تشكيل موضوعي للحصار الذي يطال الروح، غير أن ثيمة (الجسد) في المتخيل السردي تبقى قائمة بوصفها إحالة إلى نموذج جدلي متعالٍ، فالجسد يبدو ثقافة تتنازعها أحلام وواقع، وهنا يتخذ قماش المخمل تشكيله؛ أي بوصفه الأمل المنتظر، أو المسروق من زحمة الوجود، فهو الضوء الذي تراه «حوا» في آخر النفق، والقيمة المؤجلة لمعنى الحياة، كما هي أغاني فيروز، وتلك الصباحات التي مكثت في وعي «حوا» بأثر من عرابتها «الست قمر» التي باتت مرجعية روحية، ولاسيما في اقتناص أجزاء صغيرة من الحياة التي تتأثث بالحب والجمال والرقة.
كافة عوالم «حوا» تبدو لنا متعلقة برمزية الأشياء المؤجلة، كما الذهب الروسي الزائف، وتمثال روميو وجولييت الذي يكسر، ومع ذلك تبقى قطعة المخمل الحقيقة الكونية لاحتواء العالم، أو الأداة لمقاومة بشاعته.
هذا المخمل الذي يحيط باللحم، ويلتصق به يقع في علاقة جدلية مع الجسد، وهنا ربما يتحول القماش إلى حلم الروح التابع للجسد الذي يهرم، أو يُنتهك، وهنا نلاحظ ان انتهاك الجسد في تحولاته من ثورة الصبا إلى الأفول، تبدو صيغة رمزية لتكوين الأنثى وانسحاقها في نواتج العالم الذكوري، حيث تستشعر (الأنثى) مفارقة جسدها للمخمل، وضيقه عليها. يتخذ الفستان أكثر من بعد دلالي حيث يقع بين تمثيلين متناقضين، فالجسد يحتويه جلباب يقمع عنفوانه، وثمة المخمل الذي يظهر تفاصيله، وفتنته، أو تعاليه على ما سواه، غير أن الجسد الأنثوي قد تعرض للانتهاك، فالشخصية الرئيسة «حوا» وأخواتها تعرضن للتحرش من الأب، أو من بعض الرجال في مواقع العمل، كما تعرض هذا الجسد للضرب إلى حد بروز كدمات، كما أن الجسد ينتهك من قبل زوج لا تحبه، وتشعر بالقرف منه، في حين أن ذاكرة جسدها لا تحتفظ إلا بلحظات قليلة استشعرت فيها كيانها، أو ذلك الانسجام بين الروح والجسد إبان مراهقتها، حين تحقق التماس البريء بينها وبين «مراد» ، أو مع منير (أبو ليلى) الذي بدا أقرب إلى ملامسة وجدانها الروحي: «كانت تلك أول مرة تلمس فيها يد رجل، رجل ليس مقحماً عليها، وليس مقحماً لها؛ رجل لا يسلب جسدها فتضطر أن تغمض عينيها، وأذنيها كي لا تراه ولا تسمعه، حتى إذا انتهكها وانتهى، أقنعت ذاتها بأن ما حدث إنما كان كابوساً مرعباً ليس إلا؛ رجل لا يخلف بصاقه فيها وزفارته فتحتاج إلى دهر ويزيد كي تغتسل من آثاره. لقد كانت يداً حقيقية لرجل حقيقي، رجل يبكي».
وهكذا نرى أن الجسد في مجال من الإقصاء الذي يعدّ نسقاً ثقافياً يكمن في صيغ الكتابة النسوية، حيث تتعالى المرأة في النظر إلى جسدها، ولا تمنحه إلا لمن تحب.
تتعالى لغة حزامة حبايب بثراء مفرداتها، فلغة الكاتبة سخيّة حسياً ومعنوياً، فتكوين المفردات والثراء اللغوي يحيل إلى قدرات عميقة على تجسيد نزعة واقعية شديدة من جهة، أو حالمة من جهة أخرى. إنها تتشكل تبعاً لسياق التوصيف الحكائي، حيث تبرز اللغة المعتمدة على الحواس، أو تلك التي تحتمل ذاكرة الأجيال التي عايشت أزمنة «حوا»، وهي ذاكرة يتقاسمها الجيل الذي نشأ على وعي قصص الآباء، في ما يتعلق بالنكبة والتهجير، وانقطاع مسار التكوين الطبيعي لوجود الإنسان نتيجة التهجير، وهنا نقرأ مستويات اللغة التي تختزن في ذاكرتها الجيل الذي ولد في السبعينيات، وعاش بين زمنين، زمن الحكاية، وزمن الحياة في المخيم أو في الشتات.
يلاحظ هنا أن ثمة نسقاً من التعويض التقابلي الذي تستحضره «حوا» في مواجهة الواقع، وفي النص الآتي قدرة على قراءة نسق التعويض النفسي: «فالقماش المخمل في مواجهة الجلباب، أغاني فيروز مقابل الصراخ والضرب، وجسد (من تحب) في مواجهة جسد زوجها «نظمي» الذي يتخلى عنها ليتزوج امرأة ثرية. إنها أشياء تمكنها من تجاوز الألم كي تتمكن من المضي في الحياة، وهنا يتبدى الانتهاك صيغة سردية تتصل بسياق أيديولوجي، حيث تتراجع صيغة المخيم بتكوينه المقاوم، ليتحول إلى تجسيد فعلي للحياة التي تتجرد من أي تفصيلات ثورية، أو خطابية، إنها رواية تحتفي بالحياة كما هي، بعيداً عن ذاكرة المخيم المؤدلجة، أو تلك المتخيلة في الوعي، وعلى الرغم من أن الكاتبة تقيم وزناً للبنى الجغرافية والاجتماعية، لتحولات المخيم من خلال رسم ملامحه، وشخصياته التي انساقت للتحول الأيديولوجي، عبر ما يمكن أن نطلق عليه استغلال القيم الجهادية والتطرف، وغيرها، بيد أن القدّرة على خلق عالم أنثوي بالكامل تتقاسمه «ست قمر وحوا» عبر علاقة تبنى على تمثل الأولى لحضور الثانية، بما تحمله من إحساس مرهف بالجمال الكامن في الحياة، وهذا يشي بأننا إزاء منظور عميق ربما لا يتضح من الوهلة الأولى. فالقماش، وتلك القدرة على التعمق في تفاصيله وأنواعه ورائحته وألوانه يتصل بتكوين المرأة التي تنظر إلى القماش، لا بوصفه أداة وظيفية (زي) أو غطاء للجسد، إنما هو جزء من عوالمها وأحلامها، ومنظورها للحياة.
إن كافة عوالم «حوا» تبدو لنا متعلقة برمزية الأشياء المؤجلة، كما الذهب الروسي الزائف، وتمثال روميو وجولييت الذي يكسر، ومع ذلك تبقى قطعة المخمل الحقيقة الكونية لاحتواء العالم، أو الأداة لمقاومة بشاعته، فحوا تصنع من كافة مفردات اليومي المكروه، والنمطي متعالية جمالية وروحية تحفل بالحياة كالأغاني، ورائحة الطعام وألوانه، ونكهته، وطريقة طهيه، كما القماش في رمزيته، وطرق تصميمه، ولعل هذه القدرة على صوغ عالم أنثى تكمن في الشتات، وهنا يمكن أن نستلّ خلاصة فلسفية، تنهض على أن في الواقع فسحة من الجمال يمكن أن نتملكها، وأن نعيد صوغها كي لا نفقد الأمل، أو قيمة الحياة.
٭ كاتب أردني فلسطيني