كيم توي… الهروب من الحرب إلى الأدب

حجم الخط
1

من يُتابع دورة الألعاب الأولمبية، التي ستنتهي هذه الأيام في طوكيو، لا بد أنه شاهد وفداً مميزاً، وفداً مختلفاً لا يُشبه بقية وفود البلدان الأخرى المشاركة في الألعاب، نقصد به «وفد اللاجئين» فقد بادرت اللجنة الأولمبية الدولية، منذ 2015، إلى تجميع الرياضيين الهاربين من بلدانهم، بسبب الأوضاع السياسية أو الاقتصادية، في وفد واحد، والدفع بهم إلى المشاركة في أكبر محفل رياضي عالمي، كانت مشاركة هؤلاء اللاجئين في ريو دي جانيرو 2016 للمرة الأولى، قبل أن تتكرس هذا العام، جاؤوا يحملون الراية الأولمبية، لا بلد لهم ولا جنسية، تجمعهم، الرياضة لا الانتماء السياسي أو العرقي، ولا يهمنا هنا أن نقيم أداءهم ومشاركتهم، ليس الغرض منها إحراز ميداليات، ولا تحطيم أرقام قياسية، فكلهم لم يحضروا كما ينبغي للمشاركة، ولم يتدربوا بما فيه الكفاية، بل جاء حضورهم رمزياً، من منطلق دعم هذه الفئة، التي أحالتها أقدار على المنفى غصباً، فمجرد المشاركة يعد انتصاراً لهم، وبالأخص انتصاراً للحركة الأولمبية، التي عرفت كيف تحول الألعاب من منافسة من أجل الألقاب إلى قضية إنسانية.
في ذلك الوفد من اللاجئين، نجد رياضيين من دول عربية أو افريقية أو آسيوية أو أمريكو – لاتينية، كانوا ذوو مراتب متقدمة في بلدانهم، كان بإمكانهم أن يحلموا بميدالية لو لم تعصف بهم الظروف القاهرة خارج أوطانهم، ووقف الجميع للتصفيق لهم، وهم يدخلون حفل افتتاح دورة طوكيو، نجحوا في الوصول، ومجرد حضورهم في ذلك المكان كان نجاحاً قل نظيره، أمام هذا المكسب الرياضي، تحولت صور المشاركين في وفد اللاجئين إلى نموذج يلوح به الجميع: «شاهدوا هؤلاء المنفيين الذين وصلوا إلى ما عجز عنه آخرون» هكذا كان لسان حال البعض، ففي كل مرة ننتظر من اللاجئ أن ينجح رياضياً، أو في تعليمه في بلد المنفى، أو اقتصادياً، أو في إحراز مكاسب مادية شرعية كي تُسارع الصحف والتلفزيونات في إعلانه مثالاً للآخرين، كما لو أن هذه التخصصات هي الوحيدة الكفيلة بتبرير وجود اللاجئ، إنه يستحق اللجوء وإن الخروج من البلد الأصلي لا يعني حكما عليه بالفشل، لكن نادراً ما نُصادف احتفاءً بنموذج أدبي من بين اللاجئين، نادراً ما نصادف احتفالاً بكاتب خرج من جبة اللجوء، لذلك من المهم أن نتوقف عند نجاحات أدبية في أوساط اللاجئين، كي نعلم أن الرياضة أو البيزنس ليسا وحدهما معيارا نجاح المنفي، ونجد في هذا السياق حالة الكاتبة الفيتنامية كيم توي (1968) نموذجاً صادقاً يستحق أن نتوقف عنده.
حين ولدت كيم توي في مدينة سايغون، كانت فيتنام تخوض حربها الأهلية، مقسمة إلى شمال مدعوم من طرف الصين والسوفييت، ويقابله جنوب مسلح بدعم أمريكي ومن كوريا الجنوبية وأستراليا والفلبين، كانت تلك أول حرب في الزمن المعاصر، التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، كانت قضية رأي عام من واشنطن إلى موسكو، حقل تجارب في الصراع البارد بين السوفييت والأمريكيين، خلفت أكثر من ثلاثمئة ألف ضحية، وانتهت بانتصار الشماليين على الجنوبيين، التخلص من الأمريكيين وتوحيد البلد، في ذلك الجو الدامي قضت كيم توي سنواتها الأولى قبل أن تهاجر مع عائلتها على متن قارب صيد إلى ماليزيا، حيث أقامت في مخيم لاجئين، ثم نال أهلها حق اللجوء في كندا، انتقلت من أقصى شرق إلى أقصى غرب، قبل أن تصير كاتبة وتصدر روايتها التي تحكي فيها قصص لجوئها بعنوان «رو» (التي تعني مجرى ماء صغير) وتترجم في ظرف قصير إلى عشرين لغة، فتجعل من كاتبتها نموذجاً في نجاح اللاجئين أدبياً.

روي الكاتبة قصة لاجئة، دونما إسراف في استجداء عطف أو استمالة القارئ إليها، بل تستعين بوسطية، تلتمس حيادا في حكي قضيتها، تعلم أن اللاجئين ليسوا كلهم سواسية، لا تبتغي نظرة إشفاق إليهم، بل فقط الاستماع إليهم.

جاءت الرواية أشبه ما تكون بسيرة ذاتية شعرية، سفراً في أزمنة وأمكنة، من فيتنام زمن الحرب إلى مخيم لاجئين في ماليزيا، ثم الوصول إلى كندا، صعوبة تأقلم المؤلفة مع المجتمع هناك في البداية، ما قاسته مع عائلتها، أمها التي عملت منظفة وهي التي عاشت حياة رفيعة في وطنها الأم، نظرات الأطفال الفضولية إليها في المدرسة، وسوء فهمها لها، ففي «رو» تروي الكاتبة قصة لاجئة، دونما إسراف في استجداء عطف أو استمالة القارئ إليها، بل تستعين بوسطية، تلتمس حيادا في حكي قضيتها، تعلم أن اللاجئين ليسوا كلهم سواسية، لا تبتغي نظرة إشفاق إليهم، بل فقط الاستماع إليهم. تستعين كيم توي بذاكرتها في سرد وقائع ما حصل لها، تحكي كيف كانت صورة هوشي منه في صغرها أشبه بصورة نبي أو قديس، معلقة في كل مكان، كما إن المدينة التي ولدت فيها باتت تحمل اسمها عقب نهاية الحرب الأهلية، وصلت إلى منتهى لجوئها وهي تحلم بوجبة إفطار عادية، فصارت من أهم الأسماء الأدبية في بلد لجوئها وخارجه، رغم أنها حين وصلت إلى كندا لم تكن تعرف كلمة واحدة بالفرنسية، دخلت المدرسة قبل أن تتقن تلك اللغة، تحكي في روايتها عن أعمامها وعماتها، عن فيتنام التي تركتها خلف ظهرها، وهي تعيش حرباً طاحنة، وحين عادت إليها بجواز سفر كندي، بعد سنين طويلة من الغياب، لم تجد البيت الذي ولدت فيه كما كان، بل عثرت عليه مأهولاً بأربع عائلات، فقد هجرته وأهلها بانتحال صفة غير صفتهم، بالادعاء أنهم صينيون، فيتنام كانت تزج بكل الرجال في ساحات القتال، ولا تسمح بخروج سوى الأجانب منها، نجحت تلك الحيلة وعبرت كيم وأهلها البحر إلى ماليزيا، وصلت إلى مبتغاها في بلد وجدت فيه ثلجاً لا شمسا تعودت عليها، استمدت صبرها من حكايات أمها، وروت بلسان الطفلة مشقة أن يكبر الإنسان لاجئاً، قدمت نموذجاً ناصعاً عن نجاح لاجئة أدبياً، في الكتابة وفي الرواية، في مجال لا تنظم فيه ألعاب أولمبية كي تستدير إليها الكاميرات، لكن القراء صاروا يعرفونها، ويعرفون أن خلف كل لاجئ قصة تستحق أن تكتب وأن تقرأ.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية