من ليبرتوس ليوتشر إلى مهيار الزيدي… فينسنت فان غوخ بانتظارنا

من منّا لا يعرف فينسنت فان غوخ Vincent van Gogh ذلك الهولندي الطائر، الذي التقطت لوحاته أكبر كمية من الضوء، فاعتبر أحد أعلام المدرسة الانطباعية؟ من منّا لم يسمع، أو لم ير صورا للوحة عباد الشمس، أو جسور لانغلوا، أو حقل القمح، أو أكلوا البطاطا؟ من منّا لم يقرأ كتابه (عزيزي ثيو)؟ ومن منّا لم يتألم حين قرأ آخر جملة قالها لشقيقه ثيو: (إن الحزن يدوم إلى الأبد La tristesse durera toujours)؟ هذا الفنان ما زال الهولنديون يبتكرون المناسبات للاحتفاء به منذ وفاته عام 1890 إلى الآن! وفي كل احتفال يبحثون عن إضافة تعيد لفنانهم العظيم اعتباره، وبما أن لا شيء بالنسبة لهم غير مهم في سيرته الفنية، أو الشخصية، فقد كان احتفالهم هذا العام في الشمال الهولندي في منطقة نيو أمستردام، منطقة فينورد، حيث سبق للفنان أن عاش فيها لمدة شهرين. هذه الإقامة جعلت لتلك المنطقة امتيازا تفاخر به. وقد تميّز الاحتفال هذا العام بمشاركة فرقة VKSO للموسيقى الكلاسيكية، بقيادة المايسترو ليبرتوس ليوتشر بثلاث أمسيات موسيقية، خلال يومي الأحد والاثنين 18 و19 يونيو/حزيران 2023 وقد كان ضيف الشرف في هذه الحفلات الثلاث عازف الكمان السوري مهيار الزيدي.
مهيار الذي لم يسمع به أحد في سوريا، سمعته هولندا، وأرسل إليه المايسترو ليبرتوس ليوتشر Lubertus Leutcher الإيميل الذي حمله هذا المقال عنوانا. فمن هو مهيار الزيدي؟ مهيار شاب من محافظة الرقة، بعد ثلاث سنوات من دراسة الهندسة المدنية في جامعة تشرين، هجر الجامعة، وتفرغ للعزف على آلة الكمان، وحين لم يجد لكمانه صوتا في سوريا، ذهب إلى بيروت، وحين أغلقت بيروت أبوابها في وجه السوريين ذهب إلى إسطنبول، وحين انتهت مدة إقامته في إسطنبول ذهب إلى أثينا، وحين أصبحت أثينا سجنا آخر للسوريين، ذهب إلى برشلونة، وحين لم يجد نفسه في برشلونة، ذهب إلى هولندا. وفي كل رحلة من تلك الرحلات كان يتخلى عن جزء من أمتعته إلا (الكمان) فهو متاعه ومتعته.

لم يكن الكمان بالنسبة لمهيار آلة موسيقية، كان نافذة بجانب روحه. نافذة مفتوحة حيناً؛ ومغلقة أحيانا؛ حسب تقلبات طقس مستقبله الذي كانت تتقاذفه المصادفات، وظروف الهجرة بين لبنان وسوريا. لقد أراد مهيار أن يكون حرا، كل طرق الحياة التي سلكها كانت الحرية فيها مؤقتة، إلاّ طريق الفن فقد وجد نفسه فيه حرا إلى الأبد. لا تعرف ما الذي سيحدث حتى تحاول ذلك. جملة قالها الشاعر الأمريكي وليم ستافورد.

مهيار الزيدي

حين قرأت الإيميل الذي أرسله المايسترو Lubertus Leutcher إلى مهيار تذكرت فرجينيا وولف؛ وقلت في نفسي: ليعرف الناس القيمة الحقيقية للحياة، لا بدّ لأحدهم أن يعزف الموسيقى. متناسيا أننا منذ أربعة عقود ونحن نحتفل بأحزاننا الكبيرة، ونتذكر أفراحنا الصغيرة! منذ أربعة عقود وأشجار الرقة لا تأوي إليها العصافير! منذ أربعة عقود والخوف هاجسنا: الخوف من القحط، الخوف من المستقبل، الخوف من الآخر، تعددت أشكال خوفنا، وتنوعت، وكان آخرها الخوف من الموت تحت الأنقاض. وأهم من كل تلك المخاوف هو خوفنا من قول الحقيقة!
منذ أربعة عقود وأنا أكتب في الصحافة للناس عن الناس، ولم تأخذ الموسيقى صفحة مما كتبت، فهي ليست من أولويات القارئ السوري المشغول بلقمة العيش، منذ أربعة عقود وأنا أحاول مواربة الحقائق ليصبح المقال صالحا للنشر في صحفنا المدجنة، منذ أربعة عقود لم أسمع أو أقرأ لكاتب سوري كتب مذكراته بصدق، وكل من كتبوا، كتبوا مذكرات مجتزأة تاريخيا، وكأن حياتهم التي عاشوها لا يحتملها كتاب، والأصح لا يحتملها عقل الرقيب! منذ أربعة عقود لم أكتب في مقال كلمة أنا، وإن كتبتها فأكتبها لتشهد للآخر، وتضيع فيه! الآن أتساءل: لماذا عام 1968 في تلك المدينة النائية التي اسمها الرقة قامت ثورة تحمل اسم ثورة الحرف، وفي عام 2023 يستشري اللغو الوطني المستتر على غايات طارئة، وأخلاق زائفة؟!
مهيار ليس موهبة فريدة بين الشباب السوريين، إنه مثلهم في الانكسار، ومثلهم في تطلعهم إلى وطن يحترم مواهبهم، ومثلهم في أحلامه التي لم يجد لها مراحا.
ويبقى السؤال يراود الخاطر، لماذا سوريا التي مساحتها 185 ألف كم لا يوجد فيها متسع لأحلام الشباب من أبنائها، وهولندا التي مساحتها 41 ألف كم، وتعتبر من أكثر دول العالم كثافة سكانية، تتسع لأحلام أبنائها، وغيرهم من الشباب الوافد إليها؟ تلك الأسئلة أصابت مني مقتلا يتجدد ألمه كلما مررت من أمام مبنى الهجرة والجوازات ورأيت ازدحام الشباب، وسمعت أحاديثهم عن الهجرة. كل الشباب السوري يعرفون ماذا يريدون، الصعوبة في فعل ذلك، وليس في معرفته. ولم يبق أمامهم سوى أن يقطعوا المسافة إلى الأمل ولو كان ذلك برفقة الخوف. أولئك الشباب قيل لهم إن الحياة ممكن أن تكون غلطة، فغامروا لإلغاء هذا الاحتمال. وقد أتيح للبعض منهم أن يضعوا بصمتهم في المكان الذي يريدونه، ومهيار ليس أولهم، ولن يكون آخرهم.

كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية