الهروب من «انفاق الحرية» أو بـ «صفقة تبادل» هكذا يتحرر أسرى «مدى الحياة» من سجون إسرائيل

أشرف الهور
حجم الخط
2

غزة-»القدس العربي»:  تثبت عملية هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من «نفق الحرية» الذي اخترق التحصينات الأمنية، لأعتى سجون الاحتلال «جلبوع» والمفاوضات التي تقودها المقاومة الفلسطينية، في هذا الوقت، من خلال الوسطاء، لإطلاق سراح أعداد كبيرة من الأسرى، أن الشعب الفلسطيني يرفص القيود والسلاسل، وأن شبابه خلقوا للحرية، ولن يكتب عليهم البقاء أبد الدهر خلف الزنازين المعتمة.
وقد حملت عملية الهروب، العديد من الرسائل، كان أبرزها «كسر منظومة الأمن» التي تتغنى بها إسرائيل، وتعتبرها الأقوى في العالم، حيث تروج لذلك من خلال التعاقد مع دول كبرى وأخرى عربية انضمت لتلك القافلة، التي تستورد التكنولوجيا الأمنية من تل أبيب، علاوة على حملها رسالة، أكدت أن أولئك الأسرى، رغم قلة الإمكانيات وفقدان أبسط أنواع أجهزة التكنولوجيا، تمكنوا من التغلب على كافة أجهزة استخبارات الاحتلال، التي تنشط في السجون، بل وتفوقت عقولهم على أجهزة الاستشعار والمراقبة.
فمن ذلك السجن «جلبوع» الذي يعد الأكثر تحصينا وتشديدا في إجراءات الأمن، فر الأسرى الستة، وتمكنوا من حفر النفق، وإخفاء الرمال طوال فترة الحفر التي امتدت لعدة أشهر، بدون أن يشعر السجان وضباط الأمن بأي تغير، حتى أن يوم الهروب، اختير بدقة بالغة، ما يثبت عزيمة الفلسطينيين، وتوقهم للحرية.
فاختيار أبطال عملية الهروب، دخول «الأعياد اليهودية» التي تكثر فيها إجازات الجنود، كما اختاروا ليلة لم يتجل فيها القمر بكامل هيئته، مستغلين الظلام للحركة من خارج أسوار السجن، حيث فتحة النفق، حتى مسافة بعيدة، أوصلتهم إلى منطقة تبعد عدة كيلو مترات، ليختفوا من هناك عن رقابة الاحتلال الذي فشل من خلال كاميرات المراقبة المنتشرة في الشوارع وطائرات الاستطلاع والدراون وأجهزة التجسس الأخرى من الوصول إليهم.
ويتردد أنه لولا إبلاغ مزارعين يقطنون على مسافة بعيدة نسبيا من السجن، عن وجود حركة غريبة لبعض الأشخاص، لما اكتشف السجان أمر الفرار فجر اليوم التالي من الهروب، ولبقي أمر كشف فرارهم حتى ساعات الصباح الأولى، حين يخضع السجان الأسرى للعد اليومي.
ولأن عملية الهروب، عبرت عن كل الشعب الفلسطيني، فإن خبرها أثلج قلوب الفلسطينيين من منطقة سكناهم في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، حتى مدينة آخر نقطة في قطاع غزة، حيث يمثل إطلاق سراح الأسرى مطلبا وطنيا، لا يختلف عليه اثنان سواء في القيادة التي أبرمت اتفاق سلام، ينص على إطلاق سراحهم، لم تنفذ بنوده إسرائيل، أو في صفوف المعارضة، التي سعت عبر أسر الجنود الإسرائيليين لإطلاق سراحهم.
فعمت الأفراح وخرجت المسيرات الشعبية، ووزعت في شوارع فلسطين الحلوى، كما أطلقت النساء الزغاريد، فيما توعدت المقاومة بالرد بكل الطرق الممكنة على الاحتلال، وأنذرته من المس بحياتهم، بعد أن نشر الاحتلال وحدات عسكرية كبيرة، يخشى أن تقدم على تصفيتهم.
وفي عملية الهروب التي ستصبح إحدى الحكايات التي ستذكرها «قصص النضال» كونها تمثلت على أرض الواقع، لم ترد في قصة فيلم هوليوودي، ضرب أبطال العملية الستة، نظرية الأمن الإسرائيلي في مقتل، وأوصلوا للعالم أجمع رسالة أن الشباب الفلسطيني لم يخلق ليمضي حياته خلف قصبان السجون، ليس لذنب اقترفه، وإنما لمقاومة الاحتلال، وفق ما أقرته القوانين الدولية.
فبإرادة من حديد، تكمن هؤلاء الأسرى باستخدام أدوات بسيطة جدا «ملعقة صدأة» وأيديهم، بالاستعانة بهممهم التي تلين أمامها الجبال، تمكنوا من حفر «نفق الحرية» لينقلهم من عتمة الزنازين وضيقها إلى رحب الدنيا وشمسها، وليأخذهم من ظلم السجان وجبروته، إلى أرض فلسطين بحنانها وأشجارها وحجارتها ومائها وسمائها.
وأراد هؤلاء الأسرى، أن يثبتوا للعالم أنهم ليسوا أرقاما، كما أرادت إسرائيل، وأنهم أسرى حرية، يرفضون الواقع المرير، ويتطلعون لليوم الذي تزول فيه قيود السجان وظلم الاحتلال.
وقد وصف الجنرال احتياط افي بن ياهو، الهرب من نفق حفره ستة سجناء، بانه يمثل «إخفاقا كبيرا جداً يكشف عن أوجه قصور خطيرة للغاية في المخابرات والأمن بالمنشأة» فيما نقلت تقارير عبرية عن مسؤول كبير في الشرطة الإسرائيلية وصفه لحادثة الهروب بأنها «أحد أخطر الحوادث الأمنية بشكل عام».
عقوبات إسرائيلية
ومن أجل التغطية على الفشل العسكري والأمني الذريع على حادثة فرار الأسرى الستة من سجن جلبوع أكثر سجون الاحتلال حماية، شددت إدارة السجون الصهيونية من إجراءاتها في مختلف السجون، وقالت هيئة شؤون الأسرى إنه وفقا للمتابعة المستمرة لأوضاع السجون والمعتقلات بعد هروب الأسرى كثفت إدارة السجون طواقمها، بعد أن أفرغت سجن جلبوع من الأسرى ونقلتهم إلى جهات غير معلومة.
وأضافت بأن أسرى قسم 2 في سجن جلبوع المحكومين بالسجن المؤبد، وزعوا على سجون «ريمون ونفحة والنقب» وأن حركة تنقلات كبيرة حدثت في صفوف أسرى حركة الجهاد الإسلامي في السجون حيث حول عدد كبير منهم إلى الزنازين، كما تم تحويل قيادة الحركة وعدد من عناصرها إلى تحقيق الجلمة، وأوضحت أنه جرى إغلاق كامل للسجون والمعتقلات من قبل الإدارة التي امتنعت عن توزيع وجبات الطعام على الأسرى في العديد من السجون والمعتقلات، وقلصت مدة الفورة، وأغلقت الكانتينا، علاوة عن تنفيذ مداهمات عدة للأقسام، تتخللها الاعتداء على الأسرى.
جدير ذكره أن الناطق باسم الهيئة حسن عبد ربه، قال إن سلطات السجون وضعت غالبية أسرى جلبوع في زنازين انفرادية، لافتا إلى أن قيادات الحركة الأسيرة في هذا السجن يخضعون منذ الاثنين الماضي للتحقيق من قبل المخابرات الإسرائيلية. وبيّن عبد ربه أن الإجراءات العقابية شملت كافة السجون وليس فقط سجن جلبوع، وتركزت على أسرى حركة الجهاد الإسلامي.
كما قال مكتب إعلام الأسرى، إحدى المؤسسات التي تتابع ملف الأسرى، أن توترا شديدا يسود كافة السجون نتيجة إجراءات عقابية يفرضها الاحتلال على الأسرى، لافتا إلى أن السجون «مقبلة على موجة تصعيد خطيرة» في ظل الإجراءات العقابية.
ومع إعلان الأسرى «حالة النفير العام» رفضا للعقوبات ضدهم، قام بعضهم بإلقاء الماء الساخن تجاه قوات القمع الإسرائيلية التي داهمت زنازينهم، فيما قام آخرون بحرق غرفهم رفضا لقرارات نقلهم إلى سحون أخرى.
وكان مسؤولون في مصلحة سجون الاحتلال هددوا باتخاذ إجراءات مواجهات عنيفة مع الأسرى وبتفكيك ما وصفوه بـ»مراكز القوة» لدى قيادة الأسرى، عبر حركة تنقلات واسعة داخل السجون.
وبسبب الخشية من تعرض الأسرى للخطر، حذرت الفصائل الفلسطينية في غزة باللجوء لكل الخيارات لحمايتهم، بما فيها العسكرية، فيما طالب نادي الأسير المؤسسات الحقوقية الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي بفرض رقابة وحماية دولية على الأسرى، وبتكثيف الجهود لمتابعة أوضاعهم، وطمأنة عائلاتهم، كما حمّل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياتهم، وحذر رئيس النادي قدورة فارس، من أن الضغط الإسرائيلي على الأسرى قد يؤدي إلى انفجار الوضع داخل وخارج السجون.
ومنذ الكشف عن عملية الهروب المدبرة، شرعت قوات إسرائيلية كبيرة بعملية البحث، باستخدام أعتى الوسائل التقنية، ووحدات عسكرية كبيرة، حيث نشرت قوات الاحتلال أكثر من 260 حاجزا عسكريا، وهو ما يثير مخاوف من قيام الاحتلال بتصفيتهم، وقد دفع ذلك بحركة الجهاد الإسلامي التي ينتمي لها خمسة من الأسرى الستة، إلى توجيه رسائل تحذير، وقال القيادي في الحركة خالد البطش «إن اغتيال الأسرى الستة الفارين من سجن جلبوع في شمال إسرائيل، سيدفع الاحتلال ثمنه غاليًا» وأضاف «يجب أن تكون الرسالة واضحة بدون التباس ونحذر العدو من الفتك بهم أو اغتيالهم».
ومن المؤكد أن عملية الهروب، ستمثل دافعا قويا لأسرى آخرين، يتوقون لليوم الذي يرون فيه شمس الحرية، بعد أن قضت ضدهم محاكم الاحتلال العسكرية بالسجن مدى الحياة، على غرار أبطال عملية الهروب الستة، وحينها سيتمكن هؤلاء رغم الإجراءات الأمنية التي ستضاعفها سلطات الاحتلال، من الوصول إلى الطريقة التي يكسرون فيها قيد السجان، إذ أثبت الكثير ذلك، من خلال تهريب «النطف» التي زرعت في أرحام نسائهم، ليبصر لهم إطفال خارج السجن النور، ويسموا «سفراء الحرية».
صفقة تبادل
وفي دلالة على أهمية قضية الأسرى، ترافقت عملية الهروب مع أنباء ترددت حول جولة مفاوضات واتصالات جديدة قادها الوسيط المصري، بشأن انجاز صفقة تبادل الأسرى، ما بين المقاومة وإسرائيل، حيث زار وفد أمني إسرائيلي مطلع الأسبوع الماضي العاصمة المصرية القاهرة، وكان ملف التبادل أبرز الملفات التي جرى بحثها.
ومن المقرر أن يقوم وفد أمني مصري بجولة تشمل غزة وتل أبيب، لبحث مستقبل الصفقة، التي تدار بعيدا عن الإعلام، حيث كشف النقاب قبل أكثر من أسبوعين، أن الوسطاء قدموا مقترحا جديدا، طلب من الطرفين المقاومة وإسرائيل الرد عليه، ويشمل إبرام الصفقة على عدة مراحل.
والمعروف أن الجناح العسكري لحركة حماس يأسر أربعة إسرائيليين، بينهم جنديان أسرهم خلال الحرب التي شنتها إسرائيل صيف العام 2014 وتطلب حركة حماس مقابل إطلاق سراحهم، أن تقوم إسرائيل بإطلاق سراح أعداد كبيرة من الأسرى الفلسطينيين المحكومين بأحكام عالية، على غرار صفقة تبادل الأسرى التي أبرمت عام 2011 وأطلقت بموجبها الحركة سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شالبط، مقابل 1027 أسيرا، نصفهم من ذوي المحكوميات العالية (المؤبد ومدى الحياة).
وفي سجون إسرائيل هناك أكثر من 500 أسير محكومون بالمؤبد «مدى الحياة» من بينهم حاليا أكثر من 90 أسيرا مضى على اعتقالهم أكثر من 20 عاما، وبينهم عدد من الأسرى مضى على اعتقاله أكثر من 30 عاما، أبرزهم الأسرى كريم يونس والأسير نائل البرغوثي، حيث يقترب الأول من عامة الأربعين، فيما أمضى الثاني أكثر من 40 عاما في الاعتقال.
وهؤلاء الأسرى لا خلاص لهم من ظلمة الزنزانة الإسرائيلية سوى كسر قيودها، أو الهروب من خلال نفق، أو التحرر من خلال صفقة تبادل، خاصة وأن عددا منهم قضى بسبب المرض الذي أصابهم خلال الأسر، ورغم خطورة وضعهم الصحي رفض الاحتلال إطلاق سراحهم، حتى أن الاحتلال لا يزال يحتفظ بجثامين شهداء أسرى قضوا في السجون، ممن كانوا يقضون أحكاما مدى الحياة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية