لا أخفي أنني، ومن موقع اهتمامي بـ’نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي’ ككل، سعدت، كثيرا، لتمكيني من دراسة في غاية من الأهمية والتكثيف… حتى أعمل على نقلها، ومن الفرنسية، إلى العربية. والدراسة لصاحبها رشيد الأندلسي المهندس المعماري والباحث في الفن المعماري… ورئيس ‘جمعية ذاكرة الدار البيضاء’ (‘كازا ميموارْ’ ، بترجمة البعض) التي تأسست العام 1995 وبدافع من التصدي لـ’الهضم’ أو النزيف المعماري’ الذي أخذ يفترس مدينة الدار البيضاء وعلى النحو الذي ينال من ذاكرة هذه الأخيرة؛ وهذا بالإضافة إلى ما عرفته المدينة نفسها من استئصال، وبكل برودة، للعديد من المآثر والمعالم والساحات والبنايات… التي تم تشييدها في عهد المرحلة الكولونيالية.
والغاية من ‘التعريف’ (كذا) الأخير هي التأكيد على أن رشيد الأندلسي ليس من الصنف الذي يختبئ في ‘مختبره’ بعيدا عن ‘الألغام’ و’الزوابع الذهنية’. فالمعمار، بدوره، مجال لـ’التمثيلات’ (Repr’sentations) و’التمثيلات المضادة’، ولـ’علاقات القوة’ و’السلطة وإساءات السلطة’، ولـ’عمل الذاكرة’ و’تحوّلات الهوية’ و’تجليات التهجين’… وهي كلها مفاهيم، وإشكالات، متداولة في نظريات الخطاب ما بعد الكولونيالي و’التحليل الثقافي’ بصفة عامة.
فـ’الهندسة المعمارية تحكي الكل، تفضح جميع ما نريد ستره، يمكن قراءة التاريخ من خلالها’ كما قال، وعن حق، صاحب الدراسة. ولذلك فإن المعمار صورة للمجتمع المغربي في جدلياته، وبما في ذلك جدلياته الشائهة، وصورة لثقافته ولمعاييره ولأنساق التفكير السائدة داخله على مستوى التعاطي لسؤال الجمال والذوق وعلى مستوى التعاطي لـ’سياسة المدينة’. وبالنظر لـ’الانفجار المجتمعي’ من ناحية، و’الانفجار الثقافي’ من ناحية موازية، لا يبدو غريبا أن يصير المعمار، بالمغرب، مجالا لتوسيع شبكات العنف المادي الإجرائي المباشر ومجالا لتصريف أشكال من المكبوت والتفتت المجتمعي. فما حصل، وما لا يزال يحصل، من ‘انزلاقات’، بل وحتى من عنف مدروس ومستثمر، في التعاطي لملف المعمار، يحصل باسم ‘ثقافة متعيـّنة’: ‘متكلـِّسة’، للمناسبة. ومن ثم أهمية أو بالأحرى ضرورة ‘تدخـّل’ المهندس المعماري وفي إطار من ‘أداء المثقف’ ودونما تفريط في ‘السند المهني’ لهذا الأخير. فأداء المثقف، و’الإنتاج الرمزي’ ككل، ليس وقفا على الكتـّاب والمفكرين والمبدعين والجامعيين كما يستقـِّر على ذلك البعض… فالطبيب أو المحامي أو المهندس… بإمكانه، هو الآخر، ومن زاوية نظره، الاضطلاع بنوع من هذا الأداء وفي المدار ذاته الذي لا يفارق التشابك مع المشكلات الحارقة التي تلوي بالمجتمع ككل وضمنها مشكلة المعمار والتعمير (Urbanisme) بصفة عامة.
وقبل عشر سنوات كنت، قد كتبت عن الرجل، ومن منطلق التركيز على مرتكز المثقف فيه وفي إطار من موضعة هذا الأخير في ‘اليسار الإنسانوي المتفتـِّح’؛ وفي تلك الفترة لم يكن في الواجهة كما اليوم بالنظر للعديد من ‘البنايات/ الأعمال’ (uvres) التي صارت دالة على ‘توجهه المعماري’ بين زملائه من المهندسين المعماريين ومن نقاد المعمار ومؤرخيه، وكذلك بالنظر لحجم التوافق أو الاختلاف معه بالنظر للتوجه ذاته في دنيا المعمار الفاتنة. الأهم أن الرجل له ‘مرجعيته’ في مجال تخصصه، مرجعية قائمة على الإحكام النظري/ الأكاديمي وقائمة على نوع من ‘التبصـّر’، وإن على حساب استبعاد الميراث العربي الأندلسي والأمازيغي، بسبب من اقتناعه بتصور محدد لـ’الحداثة’ التي لا تفارق ‘العصرنة’. وعلى الرغم من تركيزه على ‘الفناء’ (باعتباره صيغة مغربية)، في إطار تركيزه وما أمكن على مساحات الضوء الطبيعي، ومما يجعله يكثر من الزجاج، فإنه يظل سليل ‘المدرسة المعمارية الغربية’ التي أخذت في التبلور والكشف عن ذاتها، ومن قبل مهندسين مغاربة، وبشكل أنضج، بدءا من الثمانينيات الصاعدة من القرن المنصرم. وحتى الآن يمكن الزعم بأنه ثمة ‘نقاش عام’ بخصوص المعمار بالمغرب، وعلى النحو الذي يفيد من ‘النظرية’، وليس ضرورة باللغة الفرنسية؛ وهو ما يمكن الاطلاع عليه في الملف الهام واللافت ‘فن المعمار بالمغرب اليوم’ بمجلة ‘الثقافة المغربية’ (العدد 30ــ 31، فبراير 2007). وطبعا هناك أعمال أخرى، وهو ما يتطلب بيبليوغرافيا تقريبية مستقلة.
وذلك الصنف من ‘التأثـُّر’، والذي يبلغ حد ‘التماهي’ مع الإنتاج المعماري الغربي في بعض نماذجه، هو ما يمكن استخلاصه في نص الدراسة المشار إليها في سقف المقال. والدراسة، وتلافيا لأي عنوان تأويلي حدّي، تتحدث عن الدار البيضاء باعتبارها ‘حلما منجزا’، أو ‘متحقـقا’ كما في العنوان ‘R’alis” وكما في تصور رشيد الأندلسي باعتباره ‘رجل علم وتقنية’ يأخذ بالقياسات وأشكال الترميز والتدقيق، وباعتباره ‘رجل ميدان’ أيضا، مما يسهل عليه الاطمئنان إلى ‘حكم’ من هذا النوع؛ وهذا على الرغم من اشتراطه ــ وحتى إن كان لا يشير إلى ذلك ــ لعنصر ‘التمثيل’ أو ‘التعبير’ في ‘العمل المعماري’ الذي بموجبه تتكشـَّف ‘رؤية’ المهندس المعماري ومدى إفادته من ‘الفن المعماري’ أيضا، وهذا على الرغم من إفادته من مكتسبات البناء والتكنولوجيا أيضا.
وصاحب الدراسة يواصل، ومع آخرين وسواء في الهندسة المعمارية أو في مجال الخدمات الاجتماعية ككل، تثمين ‘منجز ليوطي’ بالمغرب (ليوطي ‘الإنسانوي’ (Humaniste) كما يحرص على ‘توصيفه) وإلى الحد الذي يجعل منه ‘المؤسـِّس الأوّل للمغرب الحديث’. وكان الراحل الملك الحسن الثاني، قد فاجأ صحفيا فرنسيا، في نهاية السبعينيات (وهو ما يذكرّنا به رشيد الأندلسي نفسه)، عندما قال له: ‘من حسن الحظ أن المغرب كان له رجلان كبيران، هما: ليوطي ومحمد الخامس’.
وصاحب الدراسة يخلص إلى خلاصة نصها: أن ليوطي أو ‘سيدي ليوطي ولي صالح’. ومن أدنى شك أن تبدو هذه الخلاصة ‘صادمة’ لكثيرين ما لم يطلعوا على الدراسة في سياقها المعرفي المخصوص الذي هو سياق ما أنجزه ليوطي ــ وابتداءً ــ على صعيد المعمار ذاته، وعلى أرض الواقع أيضا، وهو ما لا تزال بنايات شاهدة عليه حتى الآن في الدار البيضاء والرباط ومدن أخرى. بنايات تسهـِّل علينا الوقوف، وفي إطار حتى من المقارنة العمياء، عند حجم ‘التشويه’ الذي طال الدار البيضاء والمغرب ككل. ولا نملك إلا أن نشاطر الباحثين المعماريين المغاربة من الذين يركـّزون على ‘النزعة الثقافية الكامنة في الفكر التعميري’ (Culturaliste)، عند ليوطي، تبعا للمفهوم الذي كان قد استعمله جون دوتيي في مجلة ‘نشرة المغرب الاقتصادية والاجتماعية’ (عدد مزدوج: يوليوز ــ ديسمبر 1970).
ومن أبجديات ‘التحليل المعماري’ أن نأخذ بآراء علماء الاجتماع وعلماء النفس ونقاد التشكيل والصناعة التقليدية… بخصوص المعمار وفي إطار من التعامل مع ‘ثقل الأرض’ أو في إطار من ‘المكان الذي نعيش معه لا فوقه’ كما في التصوّر الفينومينولوجي عند هايدجر، وربما في هذا الصدد أمكننا التذكير بما يسميه كل من الفيلسوفين فيليكس غتاري وجيل دولوز بـ’الأرض المتحركة’. ويبدو لافتا منهجية الدراسة القائمة على استدعاء مفاهيم شتى ومن فروع معرفية بلغت حد الإفادة من ‘علم الأعصاب’ في سياق التأكيد على ‘الحميمية’ و’الإرسال’ و’الاتصال’ وسواء داخل الحي الواحد أو ما بين ‘الأحياء’ (Quartiers). وكذلك المنهجية القائمة أيضا على ‘السرد’ بمعناه الثقافوي، وعلى نحو ما تمثـّل في تتبع ليوطي في تشييد المنطقة الإدارية وبعدها مصلحة البريد وبعدها قصر العدالة… ثم البنايات والأحياء ثم المدينة الحديثة. تدرج كاشف عن ‘فكر متبصِّر’. فالإدارة هي الأساس، لكن الأساس الموالي هو ما يضمن الاتصال وبالتالي جلب المقاولين والمستثمرين، وبدون عدالة لن يجرأ أحد على الإقامة في المغرب. وقبل هذا وذاك ثمة الميناء الذي كرّس له ليوطي ‘الجانب الأيمن من العقل’ تبعا للمثل العربي، بل وتتبعه وكأنه طفل له. وحقا كم من مدينة خلقها الميناء؟ وكيف كانت ستكون طنجة ــ مثلا ــ بدون ميناء؟
إجمالا ما كان لليوطي أن يحقق كل ذلك لولا فريق عمل بأكمله من المهندسين المعماريين والأثريين والرسامين من الخلص لليوطي بنزوعه الملكي وبتماهيه مع المغرب وعلى النحو الذي جعله يوصي ــ وإراديا ــ بدفنه بالمغرب. وهي فكرة يحرص صاحب الدراسة، وكآخرين، على أن يختم بها دراسته، وعلى النحو الذي يبحث عن مكانة لائقة بليوطي في ‘المخيال الاجتماعي’ المغربي: ‘ولي صالح’ كما سلفت الإشارة إلى ذلك من قبل.
أجل إن النظر إلى ليوطي في غير مجال المعمار قد يتغير، بل وقد يتحوّل في أحيان، إلا أنه في مجال المعمار ــ قد ــ يظل هو هو… لكن في ‘حدود’ حتى لا نجعل من ليوطي، وعلى صعيد المعمار ذاته، الدار البيضاء ومن الدار البيضاء ليوطي. وهذا على الرغم من أن وجوده كان ‘حاسما’، وفي هذا الصدد يقول صاحب الدراسة: ‘لقد وضع [ليوطي] المفاهيم الكبرى التي تتحكم في التعمير اليوم’. وقبل ذلك تجدر الملاحظة إلى أن اغلب المعماريين المغاربة لا يسقطون في ‘التيار المعادي للاستعمار’ ((Anticolonialisme ولو من زاوية ‘العداء الليبرالي’ أو ‘العداء الإنسانوي’ وفي المدار الذي لا يفارق تحوّلات ورهانات مثل هذه النظرة. ثمة نوع من الإقرار بما أنجزه ‘الآخر’ ممثلا في ليوطي بصفة خاصة، ذلك الإقرار الذي يقفز ــ في أحيان ــ من ‘دائرة الإعجاب’ نحو ‘ مربع التماهي’.
أجل إن الدارس لم يسقط في ‘الجغرافيا التخييلية’ (G’ographie Imaginaire) كما أسماها إدوارد سعيد صاحب الكتاب الصادم ‘الاستشراق’ الذي صوّب فيه أقوى نقدا للغرب ولاسيما من ناحية تجنيد الثقافة لخدمة الإمبريالية. إلا أن عدم السقوط الأخير لا يعفي من التأكيد على أن الدار البيضاء كانت منتظمة ضمن خطاطة ‘جغرافيا المغرب’، كما كانت تتصوّرها فرنسا بطريقة منهجية ومنظمة، أو منتظمة في ‘التقليد المعماري الفرنسي الكبير’ كما اصطلح عليه؛ وهذا على الرغم من أن الدارس سعى إلى الدفاع عن أن ليوطي خالف هذا التقليد أو خالف ‘المدرسة الفرنسية’ في بعض القرارات. وأليست ‘الجغرافيا عدونا الأول’ كما قال إدوارد سعيد في كتابه ‘تأملات حول المنفى’ (ص307).
كما أسلفنا قد يخفت، وعلى صعيد النظرة، ‘العداء الحدي للاستعمار’ فيما يخص التعامل مع ملف المعمار الكولونيالي. غير أن ذلك لا يحول دون التأكيد على ‘قرارات سياسية’ اتخذها ليوطي نفسه كشفت عن ‘الإيديولوجيا الاستعمارية العنصرية’ ذاتها. ومثال ذلك قرار جعل ‘مدن الأهالي’ محرمة على الأوربيين بـ’دليل تفادي أمراض الأوربيين’؟، وهو الموقف الذي تم الاندهاش منه من قبل الوفد الهولندي خلال ‘المؤتمر الدولي للتعمير الكولونيالي’ لسنة 1913… على نحو ما يذكـِّرنا بذلك المهندس المعماري جمال شيشاوي في دراسته المركزة ‘بانوراما المعمار المغربي المسمى ‘كولونيالي’ والمتضمنة في الملف المشار إليه. دراسة جديرة بأن تعكس وجهة نظرة مغايرة وفي إطار من المرجعية النظرية الغربية ذاتها التي يفيد منه رشيد الأندلسي (ص78).
فالهاجس في حال البيضاء، وفي إطار من المعمار ذاته، ‘اقتصادي كولونيالي’. ومعنى ذلك أن المعمار من ‘أدوات السطو العلمي’ المحكومة بسياق ‘التفوق الأنطولوجي الإبستيمولوجي’ للغرب. وكما قلنا، في مقال ‘التحرش بالذاكرة’، فليوطي كرّس الاستعمار الفرنسي بالمغرب، مثلما نفدّ ‘الأوامر الاستعمارية الفرنسية’… لكن وفق ‘استراتيجيا محكمة’ جنبت فرنسا السقوط في الخيار العسكري الدموي الجزائري.
وبقي أن نختم بفكرة، في غاية من الأهمية، وهي ذات صلة بالفكر ككل، وضمنه الفكر المعماري، ومدى أهميته على مستوى التشابك مع أبنية الواقع في أفق الإسهام في ‘الحداثة’. فالمعماري، بدوره، يستند إلى ‘تصوّر’؛ والمعمار، واستطرادا، ليس مجرد ‘علم وتقنية’ فقط، فهو ‘بنيان فكري’ أيضا. ولذلك لا يبدو غريبا أن يقول صاحب الدراسة: ‘أنا بنفسي مهندس هجين (Hybride). عشت ثقافتين، وأنا نقطة ارتباط بين هاتين الثقافتين، مما منحني منظورا ثالثا مختلفا’. وقد يكون هذا ‘الموقف’ حبيس نوع من ‘الإحساس’ فقط، ذلك أن التأمل في بعض منجزات، أو بالأحرى ‘أعمال’ الدارس، التي ترقى إلى ‘مآثر’، لا يندرج ضمن، ما يصطلح عليه في ‘نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي’، بـ’مفهوم الفضاء الثالث’ (Third Space). ذلك الفضاء الذي يصل ما بين الثقافتين: المحلية والغربية، وفي المدار ذاته الذي لا يفارق: التهجين’ الذي دافع عنه الدارس على مدار الدراسة بأكملها والذي لا يفارق أيضا ‘موقع الثقافة’ ذاته تبعا لعنوان الكتاب الأشهر للناقد ورائد نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي هومي بهابها (Homi Bhabha). الكتاب الذي نظفر فيه بتصور متماسك بخصوص ‘التهجين’.