البدوي هو عضو في مجتمع ما، غالباً بلا مأوى ثابت، وأهم ما يميزه أنه لا يكن شعورا بالانتماء لأي فرد أو لأي جماعة، وغالباً ما يستمر في الترحال بين الأماكن، ويستقر في مكان ما لفترة لا يعلم هو نفسه إلى متى سوف تستمر؛ فاستقراره مرهون بمدى ما يحصده من فائدة من هذا المكان. وبالتأكيد، حينما تتلاشى تلك الفائدة أو تنتهي، يترك ذلك المكان بدم بارد، بدون النظر للوراء ولو لوهلة اعتباراً لأي ذكريات، حتى لو طالت فترة إقامته فيه لسنوات عديدة. وبدون شك، يفقد أي شخص بدوي أي سمات قد تحدد شخصيته؛ لأن محددات الشخصية، وخطوطها العريضة تنبع من انتماء الفرد لأحد المجتمعات، التي من خلالها يكتسب المرء سمات شخصية وإثنية، وتاريخا مميزا لا يمحوه تعاقب العصور، وهي محددات تؤثر في ذات الفرد، وشعوره بالانتماء لجماعته أو البلد الذي ولد فيه، وفي ذوقه الخاص، وطريقة تفكيره وملبسه، وحتى ما يفضله من طعام، وتلك المحددات هي ما تشكل ما يسمى بالهوية الثقافية، أي أن البدوي تعوزه هوية ثقافية محددة يكون من خلالها ممثلاً لتاريخ بلاده في الحاضر والماضي والمستقبل.
وقد يظن البعض أن الهوية البدوية تقتصر على البدو الرحل، لكن، هذا قطعاً ظن خاطئ؛ لأن البداوة قبل أي شيء هي شعور دائم بالغربة وعدم الانتماء يشعر به اللاجئ والمهاجر والمغترب والمشرد، وكذلك الأفراد الذين يعملون في الخارج. فجميعهم يعانون من عدم وجود هوية ثقافية مميزة، أو سمات شخصية تميزهم عن أقرانهم في المجتمعات الأخرى؛ فالبدوي لديه رغبة عارمة دائمة للتكيف مع البيئة التي يرتحل إليها، وفي الوقت نفسه يشعر بأنه بعيد كل البعد عن إمكانية استقطابه ليشعر حتى لو بالحنين لمجتمع عاش فيه لعدة سنوات.
وتشير المراجع القديمة التي كتبت حتى عصرنا الحديث، أن البدو الرحل، أو من يسيرون على نهجهم، هم دوماً مصدر للشك والريبة، وغالباً، ما يتم وسمهم بصفة الخيانة؛ والسبب أن ولاءهم لأي شخص أو لأي مكان وقتي يرتبط بوجود مصلحة شخصية بحتة. لكن، فور انتهاء المصلحة، ينتهي الولاء برمته، وكأنه شيء لم يكن. وقد حاول الكثير من المفكرين والفلاسفة تحليل «البداوة» تحليلاً وافياً، ونذكر منهم ميشيل فوكو، وجيل ديلوز، ولوسي إريجاراي، إلى أن جاءت المفكرة والفيلسوفة الإيطالية روزي برادوتي (1954) بوضع نظرية تحلل فيها «البداوة»، حيث توصلت إلى أن «البداوة» هي قبل أي شيء شعور بالاغتراب، والتشرذم ينبع من الفرد ذاته، وهو شعور دائم بالقلق وعدم الاستقرار، أي أن «البداوة» لم تعد وصمة عار، كما كان الحال بالسابق. والمدهش أن الغالبية العظمى من سكان الكرة الأرضية – خاصة بعد الألفية الثانية ـ يرغبون في أن يصيروا بدوا لا يكفون عن الترحال، ولا يرغبون في الاستقرار. فأصبحنا نسافر بشراهة كالبدو الرحل، ونتسوق ونمتزج بعالم الإنترنت كالبدو الرحل.
الشعور بالبداوة تبلور إلى حقيقة مؤلمة في العصر الرقمي، فالوطن صار محمولاً، وكذلك الهوية، وبضغطة زر يمكن تغيير كل هذا وكأن عدم الانتماء صار هو الدين، والبداوة هي الحقيقة الوحيدة في الحياة.
أما تقنيات الاتصال الحديثة، فقد استطاعت أن تحررنا من عالم المادة المقيت، الذي يربطنا بمكان واحد طوال العمر، في حال إذا لم تتوافر لدينا الإمكانات المادية للسفر لدول أخرى. وعلى هذا فإن استخدامها يعتبر بمثابة تحد للعوالم الفيزيائية التي تقيدنا بهوية واحدة طوال العمر، وإثنية مجبرين أن نعتنقها، ولا نستطيع الفرار منها.
أما وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، فلم تعد مجرد شاشة عرض ننظر إلى المادة التي تقدمها بانبهار أو اشمئزاز، بدون أن يكون لدينا أدنى حد في التعبير عن رأينا أو الاشتراك فيها، وهي تبني بنا هوية ثقافية محددة عن طريق غسيل الأدمغة غير المباشر، كما كان يفعل الإعلام في ما مضى وفقاً لنظرية المستشار الإعلامي لهتلر جوزيف غوبلز، أثناء الحرب العالمية الثانية. فعلى النقيض، صارت العلاقة بين الإعلام الجديد، والهوية الثقافية علاقة تفاعلية. فبدلاً من تحديد هوية المرء بانتمائه لوطن ما، أو جماعة معينة، صار من السهل تعريف الهوية الثقافية للأشخاص من خلال البحث في شبكة الإنترنت لتحديد الشبكة أو الشبكات الاجتماعية، التي ينتمي لها الفرد، وقراءة تعليقاته والأخبار التي يشاركها. أضف إلى ذلك، كون عالم الإنترنت عالم جديد بكل المقاييس؛ لأنه عالم له أعرافه وتقاليده، التي من المحتم أن يتبعها رواده، وإلا يتم طردهم من شبكاتهم الاجتماعية التي ينتمون لها. ومن ثم، فبدلاً من تعلم السلوك، والقواعد المعرفية، والأسس الإثنية من المجموعات الثقافية أو الدينية، صارت الأجيال الجديدة تتعلم هذه القواعد الاجتماعية من وسائل الإعلام الجديدة لبناء هويتهم الثقافية.
وعلى الرغم من أن الحقائق الثقافية للأفراد أساسها هو تعقيدات وتشابكات ثقافية مصدرها الأساسي، هو وجود وطن محدد للأفراد يبني أساس هوية الفرد، على الرغم من أنها قد تتناقض مع الواقع الثقافي له.
ومن المعلوم أن الهوية تتأثر بعوامل عدة مثل الدين والنسب، ولون البشرة واللغة، والطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي، والمهنة والمهارات الذاتية، والأسرة والأيولوجيات السياسية، وجميع تلك العوامل تساهم في تطوير هوية الفرد، لكن مع وسائل الإعلام الجديدة صار من السهل جدا تحدي تلك العوامل وطمسها، وبناء محددات ثقافية أخرى حسب الأهواء. فمثلاً، صار تطبيق التيك توك Tik Tok من أشهر وأهم التطبيقات، خلال عدة شهور من طرحه. فقد كان الغرض الأساسي منه جعله منصة للتعبير عن الرأي، لكنه صار منصة للتعبير عن تفاهات، وموضوعات تتنافى مع كل ما يبني الهوية. ومن خلال وسائل الإعلام الجديدة والتيك توك يمكن بناء أي هوية مع تهميش أو طمس الدين، والنسب ولون البشرة واللغة والطبقة الاجتماعية، والمستوى التعليمي، والمهنة والمهارات الذاتية، والأسرة والأيديولوجيات السياسية. فمن خلال الهاتف الذكي يمكن بكل سهولة الانتماء إلى وطن جديد من اختيار الفرد، ومن السهل أيضاً الانتماء لوطن آخر أو عدة أوطان في الوقت نفسه، وكأنه يرتحل بسرعة البرق من مكان لآخر كالبدوي الرحال من خلال هاتفه الذكي الذي يحمله إلى أن صار لصيقا به.
الشعور بالبداوة تبلور إلى حقيقة مؤلمة في العصر الرقمي، فالوطن صار محمولاً، وكذلك الهوية، وبضغطة زر يمكن تغيير كل هذا وكأن عدم الانتماء صار هو الدين، والبداوة هي الحقيقة الوحيدة في الحياة.
٭ كاتبة من مصر