الواقعية والرمزية عند صلاح أبو سيف… الأحوال في بر مصر

يعد المخرج المصري صلاح أبو سيف واحداً من رواد السينما الواقعية، بحسب التصنيف والتوصيف المعهود في أفلامه، وهو في هذا الخصوص يُعتبر خليفة المخرج كمال سليم صاحب فيلم «العزيمة» العلامة المميزة في تاريخ السينما المصرية، وقد خضع تعريف سينما أبو سيف بالواقعية بناءً على عنايته برصد الواقع الاجتماعي المصري في أغلب أفلامه، ولكن البعض لم يلتفت إلى الأبعاد الفلسفية والرمزية المُتضمنة داخل السياق الواقعي، لتعميم القراءة الأحادية، والرغبة في تثبيت المفهوم الواقعي، لأسباب غير مفهومة، ربما يكون من بينها قطع الطريق عليه كي لا يدخل منافساً لمن يعتمدون في أفلامهم على لغة الإسقاط والرمز، ويرون أنهم ينفردون بهذا الأسلوب.

استهداف المعاني الخفية

القراءة المتأنية في بعض أفلام صلاح أبو سيف، على نحو غير تقليدي، يمكن معها إدراك موهبته الكبرى في الجمع بين الاتجاهين، الواقعي والرمزي، من دون مغالاة أو تزيد فهو يُصيب الفكرة بأبسط الإشارات التعبيرية، وليس من قبيل المبالغة القول بأن المخرج الراحل، كان ميالاً في الكثير من أفلامه لهذه الطريقة غير المباشرة في استهداف المعاني الخفية في المشهد، والجملة الحوارية، وهو ما يُمثل تميزاً يُضاف إلى الاحترافية والصنعة ومهارة الإتقان والجودة.
ويعد فيلم «البداية» النموذج الأوضح في استخدام الإسقاط السياسي، وإعمال لغة النقد كمنهج وأسلوب لدى صلاح أبو سيف، فالفيلم يناقش من خلال حادث الطائرة التي تحطمت وسقطت في إحدى الواحات، فكرة الديمقراطية الغائبة، وسيادة قانون القوة والجرائم الناشئة في المجتمعات البدائية، التي يصنع أهلها الديكتاتور، فيصير هو الآمر الناهي، والمُتحكم في البلاد والعباد… ثيمه شديدة البساطة والعمق، يطورها صاحب البصيرة السينمائية النافذة، فتُصبح إبداعا دالا على معان خطيرة ومهمة، بغير إسراف أو ثرثرة أو ادعاء من أي نوع. وليس «البداية» هو الدليل الوحيد على تمكن المخرج المذكور من اللعبة الرمزية وإحكام خيوطها الدرامية بالشد على منوال المُغايرة والتورية، بعيداً عن المدرسة الواقعية التي ينتمي إليها، فهناك أفلام أخرى لها الخصوصية ذاتها، من حيث أساليب الطرح وجماليات التعبير، كـ«فيلم القاهرة 30» الذي يعرض عدداً من الصور المأساوية للواقع المصري إبان فترة الأربعينيات، وانعكاسات الاحتلال السلبية على الشخصية في دروب مختلفة، بما فيها المكون الإنساني الرئيسي، والقناعات الأساسية، فالفيلم يربط بين محنة الوطن واضطراب الثوابت، بالإشارة إلى انحراف البطل محجوب عبد الدايم، وانتهازيته الفجة وتخليه المُخزي عن كرامته وشرفه، لقاء الترقي الوظيفي والانتقال إلى طبقة اجتماعية أعلى، وهو الدور الذي لعبه ببراعة الممثل الراحل حمدي أحمد، وكذلك أصابت عدوى الفقر الفتاة الجميلة «إحسان» (سعاد حسني) التي جرفها التيار إلى الهاوية، فصارت ساقطة تتجاوب مع من يدفع أكثر، ولا تُلقي بالاً لمبادئ أو قيم أو فضيحة. ولا يمكن نسيان المشهد البليغ المُعبر عن تلك المضامين، وهو مشهد القرنين المُثبتين فوق رأس محجوب عبد الدايم في لقطة دلالية تاريخية، تترجم حرفياً المعنى وتغني عن كل الكلام.

كان ميالاً في الكثير من أفلامه لهذه الطريقة غير المباشرة في استهداف المعاني الخفية في المشهد، والجملة الحوارية، وهو ما يُمثل تميزاً يُضاف إلى الاحترافية والصنعة ومهارة الإتقان والجودة.

ورغم أن فيلم «شباب امرأة» فيلم اجتماعي بامتياز، يناقش مشكلة طالب جامعي وقع في براثن امرأة لعوب أغوته بالمال والجمال، إلا أن الضرورة الدرامية حتمت استخدام بعض الإسقاطات في التعبير عن تبعية الشاب للمرأة التي أحبته وغوته وغررت به، كمشهد البغل المُعلق في السرجة، وهو معصوب العينين يدور حول نفسه وتلسعه كرابيج العامل الذي يجلده بغير هوادة ولا رحمة!
وقد تكرر هذا المشهد كثيراً في مواضع مختلفة، بما يعني دلالة القصد والنية، ويأتي مشهد آخر لخروف وقد جرته صاحبته من عنقه في لحظة مرور البطلة تحية كاريوكا، وهي تسحب شكري سرحان من يده لتقوده عنوه إلى المأذون، تحت التهديد في تماثل درامي مُتعمد بينه وبين الخروف.

واقعية الحدث ورمزيته

ولم يفت صلاح أبو سيف أن يمزج بين واقعية الحدث ورمزيته حتى في أكثر الأفلام اقتراباً من وعي الجمهور العادي، أي أنه استخدم الأدوات الفنية نفسها وبالمقاييس نفسها، ففي فيلم بين «السماء والأرض» عمد إلى تجميع عدد من الفئات الاجتماعية المختلفة داخل المصعد، ليؤكد على اشتراك الجميع في الأزمة بلا استثناء، ويشير إلى انحرافات الشرائح كافة، كل حسب ظروفه وأدواره وأطواره، ومن بين الشخصيات المأزومة كانت النجمة المشهورة، وكان المخرج السينمائي، وكان اللص الكبير واللص الصغير، ورب العائلة وربة البيت، والمراهق والمراهقة والرجل المُسن.
كل النماذج شملتها المشكلة، ووضعت داخل دائرة الخطر، في وقت كان المعنيون بتشغيل المصعد وصيانته مشغولين بمشكلات أخرى وصاحب العقار في واد آخر غائب تماماً عن المشهد. ولم يأت الحل لإنقاذ المحبوسين داخل كابينة الأسانسير، إلا بهدم الجدار المقابل لباب الخروج، وكلها مفردات ورموز تدل على ارتباط المخرج بمنهجية تعبيرية مزدوجة، تجمع بالفعل بين الواقعية والحالة الرمزية كما أسلفنا.
وفي فيلم «الفتوة» أبدى أبو سيف رأياً صريحاً في فترة الحكم الملكي قبل قيام ثورة يوليو/تموز وأدان الإقطاع والرأسمالية المُستغلة، معتمداً على التورية بين القصة الواقعية لتجار السوق المُحتكرين للسلع الأساسية واتصالهم بالفاسدين من الكبار، وذلك المعنى السياسي غير المباشر المُتضمن داخل الأحداث والهادف إلى نُصرة الضعيف والمظلوم والكادح.
وفي آخر أفلامه، «المواطن مصري» قدم صلاح أبو سيف ما يشبه المرثية للفلاح الفقير عبد الموجود، الذي دفع بابنه للتجنيد في الجهادية بديلاً عن ابن العُمدة، في صفقة مشبوهة فرضها الإقطاعي عمر الشريف على عزت العلايلي، ليدفع وحده ثمناً باهظاً جراء القهر والاستبداد، وهو تفعيل للفكرة الرمزية ذاتها في إطار واقعي لأحداث مأخوذة عن رواية الكاتب الروائي يوسف القعيد ليضيف إلى أرشيفه السينمائي المهم تحفة جديدة على خلفية التوازي بين الواقعي والرمزي وما بينهما.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية