تنقضي اليوم 55 عاماً تماماً على حادثة الاغتيال المروّعة، التي راح ضحيتها مالكوم إكس، واحد من أهم وأفصح قادة الأقليّة الأفرو- أمريكيّة السوداء في القرن العشرين، وأشجعهم على مواجهة ذاته ومجموعته العرقيّة ومجتمعه والطبقة المهيمنة عليه.
ورغم أن السّلطات الأمنية الأمريكيّة وقتها اتهمت ثلاثة من الأفرو- أمريكيين أعضاء في منظمة (أمّة الإسلام) بتنفيذ الجريمة وأودعتهم السجن، فإن ثمّة عدم قناعة متزايدة بين قطاعات واسعة من المواطنين العاديين، كما الباحثين عن حقيقة ما جرى يوم 21 فبراير/شباط 1965 في صالة «أودوبون» للاحتفالات، وإن كانت لم تصل يوماً إلى مستوى حمّى الفضول، التي مست المجتمع الأمريكي في حوادث اغتيال غامضة شهدتها الولايات المتحدّة تلك الفترة، من اغتيال الرئيس جون كنيدي وشقيقه المدعي روبرت إلى تصفية المغني الثوريّ المعروف توباك شاكور.
لكن «من قتل مالكوم إكس؟» الوثائقي الجديد، الذي طرح للمشتركين على «نتفليكس» بداية الأسبوع الثاني من هذا الشهر يفتح نقاشا موسّعا في المجتمع الأمريكي حول هويّة القتلة الحقيقيين – مخططين ومنفذين – لدرجة دفعت مدعي عام نيويورك إلى الإعلان عن إعادة النظر في ملابسات القضيّة في ضوء معطيات الوثائقي، دون استبعاد إمكانيّة إعادة فتح التحقيق الرسميّ مجدداً.
مالكوم إكس: النجم في شباك تحالف الظلام
في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لمع نجم الأفرو- أمريكي مالكوم إكس (1925 – 1965) كأحد أعلى الأصوات القياديّة لمجتمع الأقليّة الأمريكيّة السوداء، التي استمرت في العيش في ظل اضطهاد الأكثريّة البيضاء الممنهج – وما زالت – وعندما غادر الولايات المتحدة في جولة عالميّة أخذته إلى أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط (لبنان والجزائر والسعوديّة والكويت، كما الدّولة العبريّة) فإن الحاج مالك الشبّاز – كما يحبّ أن يدعوه الناس – استُّقبل كبطل، وحفّت به الحشود الشعبيّة في كل مكان، وعومل رسمياً معاملة رؤساء الدّول، رغم كل الإحراج الذي تسبب فيه لبعض المُضيفين، خشية إغضاب سفارات الولايات المتحدّة، التي كانت تتابعه عن كثب.
جولته العالميّة تلك – رغم فشلها في تحقيق دعم أممي لفكرته تنظيم محاكمة دوليّة للسلطات الأمريكيّة (عبر الأمم المتحدة) بتهمة التّعدي على حقوق الإنسان، أو جمع أموال كافية من أثرياء المسلمين لخدمة مشروعه – نقلت أفكاره من شعوذات تنظيم (أمّة الإسلام) العنصريّة التي كان يقودها أليجا محمّد، بداية إلى الإسلام السنيّ، ولاحقاً إلى رؤية تقترب من بناء تحالف عريض يجمع المهمشين – على تنوّع قناعاتهم ومواقفهم الأيديولوجيّة – في مواجهة هيمنة الطبقة الحاكمة.
الكاريزما الطاغيّة لمالكوم إكس، وقدرته الاستثنائيّة على مخاطبة الجماهير، كما صرامته اللّغوية في مواجهة أكوام العنصريّة المتراكمة، جمعت له أعداء كثيرين، سواء داخل تنظيمه السابق – بعدما ترك (أمّة الإسلام) إثر الفضائح الجنسيّة لزعيمها ومواقفه المتخاذلة في مواجهة تعسّف السّلطات – أو بين التنظيمات العنصريّة البيضاء، والأهم منهما معاّ مكتب التحقيقات الفيديرالي والشرطة الأمريكيّة، التي كانت تراقب أنفاس الرّجل أينما ذهب وتسجلّ مكالماته وتقرأ بريده، ليتم تنفيذ اغتياله في 21 فبراير/شباط 1965 (عن 39 عاماً) أمام زوجته وبناته و400 من جمهوره، بينما كان على وشك إلقاء محاضرة له.
بدا واضحاً من ملابسات الحادثة، ومسار التحقيقات، والأحكام التي صدرت على ثلاثة متهمين، ورفض السّلطات قطعياً مبدأ إعادة فتح التحقيق، بعد توفر دلائل قاطعة على قصور العدالة بأن الجريمة كانت أشبه بمؤامرة تلاقت على تنفيذها – بالتّضامن الإيجابي أو السلبي – قيادة تنظيم (أمّة الإسلام) وشرطة نيويورك، ومكتبُ التّحقيقات الفيدرالي معاً.
«من قتل مالكوم إكس؟»: فرصة أخيرة للعدالة؟
لا يكشف الوثائقيّ، الذي قدمته منصّة «نتفليكس» هذا الشهر في ست حلقات معلومات هامّة جديدة لم تسجّل من قبل (مثلاً في كتاب الدّكتور ماننيغ ماربل 2009 أو كتاب المحقق في القضيّة أنثوني بوزا 2011). وهو ليس على نسق أفلام الجرائم الحقيقيّة التي تعددت أخيراً على «نتفليكس»، إذ يسرد كذلك أحداثاً من حياة هذا الزعيم المثير للجدل وقت تألّق نجمه، كما قصّة حياة راوي الحكاية – عبد الرّحمن محمّد، أفرو-أمريكي أسود مسلم يعمل مرشداً سياحيّاً في نيويورك، لكنّه كرّس كثيراً من وقته الشخصي عبر ثلاثين عاماً للكشف عن حقيقة الاغتيال – الأمر الذي قد يُغرق المشاهد العاديّ في لجّة الملل أحياناً لشدّة التطويل. لكنّه مع ذلك يوفّر مقاربة مهمّة عن شخصيّة نادرة لم يعد كثيرون يدركون دورها في التاريخ الأمريكي المعاصر، ويطارد بعض التفاصيل التقنيّة الصغيرة في أعمال التحقيق تؤكد في تقاطعها وجود قتلة آخرين تواطأت السّلطات لإبقائهم بعيداً عن يد العدالة (باستثناء أحدهم الذي قبض عليه جمهور المحاضرة المشؤومة) ويسجّل مقابلات مع أشخاص كانوا هناك – على قلّة من تبقى منهم على قيد الحياة – ويستمع لرواية أحد المتهمين الثلاثة، الذي قضى عشرين عاماً في السجن بتهمة لم تثبت عليه، وما زال يدفع ببراءته إلى اليوم (في الحادية والثمانين من العمر بينما توفي زميله المتهم البريء الآخر منذ بعض الوقت).
الوثائقي وكأنّه نكأ جروحاً قديما لم يشفَ يوماً. فلا رفاقه اقتنعوا في نتائج التحقيق الرّسمي، وبدا أن بقيّة مطلقي النار بمن فيهم صاحب الطلقة القاتلة عاشوا في مجتمع السود في نيوارك (نيوجيرسي) بينما كان الجميع هناك تقريباً يعلمون بتورطهم في الجريمة، وهناك قناعة واسعة الانتشار بين الكثيرين في الولايات المتحدة وخارجها أن السّلطات الأمريكيّة متورطة في تصفية مالكوم إكس، وأنّها، وإن لم تكن هي من شدّت الزّناد في ذلك اليوم الحزين، فهي الموحية بذلك.
وقد تُوّجت الشعبيّة الفائقة، التي حصل الوثائقيّ عليها فور عرضه – لا سيّما داخل أوساط الأقليّة السوداء وناشطي حقوق الإنسان – بقرار مكتب المدعي العام في ولاية نيويورك النّظر في القضيّة وفق معطيات الفيلم، وربّما إعادة فتح التحقيق مجدداً في صفة رسميّة.
وتبدو تلك فرصة أخيرة للمنظومة القضائيّة الأمريكيّة بتحقيق حد أدنى من العدالة للزعيم المغدور وعائلته ومحبيه، وإدانة القتلة الحقيقيين وراء الجريمة، إذ لم يتبق من شهود المرحلة – بمن فيهم القتلة – أحياء سوى القليلين، وفي غيابهم الحتمي لن يكون هنالك ثمّة أحد للتحدث معه في ما حدث، وستنتقل القضيّة عندها إلى مسألة خاضعة لتأويلات المؤرخين دون إدانات حاسمة.
الوثائقيّات: سلطة رابعة فاعلة
سيمنح مدعي عام نيويورك والزّعيم مالكوم إكس في غيابه (كما فعل في حياته) من خلال إعادة فتح التحقيق في الجريمة فرصة أخرى قد لا تتكرر للمجتمع الأمريكي ليواجه تاريخ العنصريّة المظلم، وكوابيسه الشيطانيّة، التي لا تنتهي بشأن الحرب العرقيّة المستمرّة، وربّما الاقتراب لنوع من المصارحة مع الذات حول الجهات التي ما زالت تمنع تحرر الأقليّة السوداء وتتسبب بقهرها وتخلّفها الاقتصادي والاجتماعي إلى اليوم.
وهذه ستكون انتصاراً آخر يضاف إلى سلسلة إنجازات حديثة حققتها الأفلام الوثائقيّة – عبر العالم – في مواجهة فشل العدالة، وتغوّل السّلطات الثّلاث للأنظمة الديمقراطية – الليبراليّة المعاصرة على المجتمعات والأفراد.
هذا الدّور الذي تلعبه الوثائقيّات في شكل متزايد، مستفيدة من طبيعة مادتها العابرة للحدود والثقافات والأجيال ومستويات التعليم، يتجه يوماً بعد يوم لتعويض فشل الصحافة – بمفهومها الواسع مرئية ومسموعة ومقروءة وسيبيريّة – القيام في واجباتها في هذا الخصوص، وتحوّل أغلبها إلى شريك صامت، بل ومتآمر أحياناً مع الأقليّات الحاكمة ضد مواطنيها.
وللحقيقة فإن الصحافة الأمريكيّة وقت جريمة اغتيال الزعيم مالكوم إكس لعبت دوراً مُشيناً في إهمال الحادثة وتجنب استقصاء أبعادها الغامضة الكثيرة، واكتفت بترويج سرديّة السلطات حولها وتصوير المسألة برمتها صراعاً داخلياً بين متطرفين سود، انتهى بتصفية أحدهم.
إعلامية وكاتبة لبنانية بريطانية – لندن