في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 1940 كتب طفل في الرابعة عشرة رسالة جميلة إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مفتتحا رسالته بـ»صديقي العزيز روزفلت» ومختتما إياها بـ»صديقك فيديل كاسترو».
كان ذلك الطفل مجهولا آنذاك، لا يتقن اللغة الإنكليزية جيدا، ولكنه اجتهد ما استطاع ليعبر عن إعجابه بالرئيس الأمريكي الثالث والثلاثين، طالبا منه ورقة ذات العشرة دولارات كهدية، لكن تلك الرسالة ستكون شاهدا قويا على ميلاد سياسي كوبي كبير، خاض معاركه المبكرة من أجل حلم طفولي، لا ندري إلى أي مدى تحققت له تلك الأحلام بدون أن تشوهها السياسة.
رسالة كاسترو تلك لم تكن فقط وثيقة تاريخية مهمة، بل وثيقة تشهد على الذكاء الفطري العالي لذلك السياسي، ورؤيته الاقتصادية اللافتة وهو يعرض صفقة حديد على الرئيس روزفلت لصنع بواخره كما ورد في الرسالة. معجزة تلك الرسالة هي أنها استثناء في التاريخ الشخصي لكاسترو، وتاريخ روزفلت الذي لم يهمل الرسالة، ولم يقزم محتواها، رغم أن كاتبها طفل كوبي من عامة الشعب.
في أدب الرسائل ندخل العالم الحميمي للشخص من باب غير مُتوقّع، وهذا ما يؤكد أن الاعتراف يسبق اللغة في أغلب هذه «المخطوطات الثمينة» ويرفع من قيمتها أكثر من المذكرات الشخصية والمؤلفات المنشورة، إذ كثيرا ما بيعت هذه الرسائل بأسعار خيالية لأناس هوسهم الأول جمعها والاحتفاظ بها ككنوز شخصية.
قرّاء كثر عبر العالم، يعتبرون رسائل كتابهم المفضلين وثائق تكشف مدى تطابق شخصياتهم بالمبادئ التي ينادون بها، إذ تتحول الرسالة إلى مقياس أخلاقي للكاتب، وهذا ربما يبدو لنا غريبا، ظنًّا منا أن القارئ الغربي مثلا أكثر تفهما للعلاقات التي تنشأ في الخفاء، بين كتاب وشعراء وسياسيين، سواء بين بعضهم بعضا، أو بين عشيقاتهم..
في الرسالة تنساب الحقيقة من بين الأصابع لتوجه الكلمات حيث تريد، لا مجال للتحكم في المشاعر الجياشة، التي تجرف الكلمات كالسيل، كما لا مجال لإيقاف متعة البوح إلا بالصمت الأخير، الصمت الذي يرادف بالمعنى الحقيقي الموت، فكل صمت هو موت ما، هو نهاية حتمية لحياة ما.
في الرسالة يُخرج القلب مكنوناته، ويُسَخِّر العقل نفسه ليتجاوز تلك الشبكة الخطيرة من الاعترافات التي تتزاحم في فوضى لاحتلال البياض. الرسالة أدب مستقيم يصل بين شخصين، لا تلاعب فيه بالتأكيد، ولا مجال فيه لحبك الأكاذيب الجميلة، وتزيين الذات، وفبركة التبريرات، إنّه جلسة يتجرّد فيها الكاتب من أثوابه البرّاقة، ليكشف تفاصيل عريه، بقبحه وجغرافيته القاحلة، وعطشه وجوعه.. ولو لم تكن الرسالة تعبيرا عن جوع وعطش فما الجدوى من كتابتها؟ لو لم تكن تعبيرا عن رغبة دفينة فما معنى أن نكتبها لشخص معين دون غيره، ونثبت عليها بصمتنا إلى الأبد؟ في رسائل كثيرة خرجت من الصناديق الخاصة للمشاهير من كتاب وشعراء ورجال سياسة بعد وفاتهم ما أمتعنا، لكن أيضا ما أدهشنا كقراء يشتركون في إنسانيتهم ويختلفون في هوياتهم وألسنتهم.
نظرة الصغار لرجال السياسة فيها من الحكمة ما يجهله الكبار، وهذا قول عابر خطر ببالي، وأنا أبحث في الموضوع وأشرحه، إذ نادرا ما اهتم الأدباء برسائل رجال السياسة ونسائها، بل برسائل الحب عموما.
في الفاتح من شهر إبريل/نيسان 1980 كتبت السيدة الحديدية مارغريت ثاتشر رسالة للطفل ديفيد ذي التسع سنوات ردا على سؤال وجهه لها حول محبة المسيح ومقارنتها بتلك التي يتصف بها الإنسان العادي، تحمل السيدة ثاتشر قلمها وتجلس أمام أوراقها وتسجل اعترافا حقيقيا لذلك الطفل: «عزيزي ديفيد، إنّه سؤال صعب طرحته عليّ، لكنني سأحاول الإجابة عليه، حتى لو حاولنا أن نكون جيدين لا يمكننا أبدا أن نكون واضحين وحكماء مثل المسيح، أعتقد أن والدك على حق عندما قال لك إننا لا يمكن أن نكون مثاليين كما كان بإخلاص مارغريت ثاتشر».
يمكن وضع كل الرسائل التي كتبتها السيدة الحديدية لرؤساء وشخصيات مهمة في العالم في كفة، ورسالتها لديفيد الصغير في الكفة المقابلة… هي رسالة كتبت في زمن الحبر والورق، بعيدا عن أضواء السوشيال ميديا، ولا أعتقد أن ثاتشر كتبت الرسالة من أجل استعراض ما، بقدر ما أرادت ألا تخيب آمال طفل في عمر، رأى فيها شيئا آخر غير «الحديد» الذي قُرِنت به إعلاميا وسياسيا عبر العالم كله، ثمة شيء حقيقي رآه الطفل في رئيسة الوزراء، ربما رأى فيها صورة «الأم العارفة» التي تجيب عن كل الأسئلة، وربما شيئا آخر نعجز عن رؤيته، ينكشف في عظمة سؤاله، رغم صغر سنه. صحيح أن الصبي إبن رجل في البرلمان، لكن هذا لا يمنع من قراءة سلوك ثاتشر تجاه الصبي، بعيون لا تقيمها سياسيا.
نظرة الصغار لرجال السياسة فيها من الحكمة ما يجهله الكبار، وهذا قول عابر خطر ببالي، وأنا أبحث في الموضوع وأشرحه، إذ نادرا ما اهتم الأدباء برسائل رجال السياسة ونسائها، بل برسائل الحب عموما، خاصة تلك التي يرتكز محتواها على علاقة حب، وهذا النوع من الرسائل لكثرته خصصت له كتب متوفرة في المكتبات بلغات عدة، وربما يجدر العودة لمنشورات دار المدى التي أصدرت بعض ترجمات غاية في الروعة، تحوي رسائل عشق مجنون لكتاب وشعراء لحبيباتهم، وشخصيا أحببت كل ما اقتنيته من كتب من هذا النوع، لكنني أتوق لقراءة رسائل الكاتب الفرنسي ألبير كامو للممثلة الإسبانية ماريا كازاريس بعد الذي قرأته في الصحافة العربية عنها، 865 رسالة أخرجتها ابنته كاترين كامو من مخبئها كتبها والدها العاشق لحبيبته رغم حفاظه على زواجه إلى آخر يوم في حياته.
في مقال جميل للكاتبة نجوى بركات نقرأ بعضا من مقدمة كاترين للكتاب الذي يفوق 1300 صفحة، وأعتقد أنه من ترجمتها: «رسائلهما تجعل العالم أكثر اتساعا، الفضاء أشدّ نورا، الهواء أكثر خفّة لأنهما ببساطة وُجِدا» مراسلة دامت 12 عاما «تظهر طابع البداهة التي لا تُقَاوم لحبهما» ونستخلص ما يختصر علاقة مليئة بالشغف العاطفي والفكري بين كائنين عاشا من أجل عطاءاتهما الإبداعية، ولعل قصة حبهما تلك هي الحطب الحقيقي لكل تميز حسب لهما، خاصة بالنسبة للممثلة الشابة التي تغذت فكريا من رجل الأدب الناضج، الذي رحل في أوج عطائه، وأوج تألقها كنجمة مسرح. يسجل التاريخ أن أداءها لدور مهم في مسرحيته «سوء تفاهم» كان مفتاح شهرتها، أما بالنسبة له، فقد كانت الثابت الملهم في حياته، رغم بعض العلاقات العابرة من حين لآخر.
السؤال بعد هذا العرض المقتضب لوجهين من أوجه المراسلات المميزة، وأهمية الكشف عنها، ما الفائدة من الاطلاع على رسائل الآخرين؟ يقول ميلان كونديرا «إنها أكثر إلهاما للكاتب من أي قصة حب يعيشها» وقد قصد رسائل غوته للسيدة بتينا فون أرنيم أوائل القرن 19 التي تأثر بها شخصيا، لكنه لم يخطئ في مقولته، فأحيانا يصبح الحب عائقا أمام الإبداع، كعلاقة خاصة نغرق في جوفها، ما يجعل التلصص على قصص الآخرين أكثر إلهاما.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين