إلى روح أسامة منزلجي
عالم الرسائل بين الأدباء والكتاب والشعراء والروائيين والموسيقيين، هو نسق جمالي وفني وتعبيري له طعمه الخاص، ولونه المعيّن، وسمته المختلفة وإن اشتركت مع شخص آخر، وهنا تظهر ميّزة هذا الفن من الكتابة. إنه فن، وعالم مليء بالأسرار والمكاشفات والمنطويات السرية بين شخصين محددين، ولكن في لحظة الكتابة والمكاشفة سيظهر أشخاص آخرون، يحضرون بصيغة ما، ليزيد فن الإخبار عن معلومة خافية، لشخص يذكره أحد المخاطبين في الخطاب المُرسل له، فتبرز حينها أخبار وأسرار وأعمال وذكريات منسية، بين من يُذكرون، فتشخص أسماؤهم في الرسالة المُرسلة من هذا المُحرر أو ذاك، فجلّ الأدباء إمّا يذكرون البعض، أو يتغافلون عنهم، لكيلا يتم كشف حياة الآخر، الذي لا يعرف ماذا يدور في خطاب تمّ بين اثنين من الكتاب والأدباء.
أحياناً يلجأ البعض إلى ذكر الحرف الأول من اسم الشخص، أو إلحاقه بكنية، أو صفة معيّنة ودالة على شخصيته، بحيث سيعرف مباشرة الطرف المقابل لمتلقّي الرسالة، حين ترد هذه الصفة أو الكنية أو العلامة المرسومة بخصوص الغائب هذا، الشخص المعني والمذكور طيّ رسالة صديقه أو صديقته.

غالباً يكون المتراسلان إما عشاقاً، تدور بينهما الأسرار والمبادلات والتمنيّات الحبيّة، في عالم الأشواق هذا، أو رسائل تخصّ شاعراً أو كاتباً أو روائياً أو موسيقياً أو فناناً معيّناً، كما هو الحال في رسائل السيّاب إلى لفيف من الكتاب والأدباء والناشرين والشعراء. فرسائل السياب وهي من أجمل وأوقع وأوجع الرسائل، التي قرأتها في مطلع شبابي، حين كنت أقيم وحيداً، وهائماً على وجهي، في فترات بوهيمية سالفة من أيام حياتي في باريس. هناك اكتشفت كم هي كبيرة محنة السياب، مع ذاته والعالم المحيط به، وكم هو حجم معاناته مع الشعر والحياة والمرض، وكذلك هي رسائل فان غوخ لأخيه، حيث يبرز حجم المعاناة الفنية والإبداعية والذاتية لهذا الفنان الهولندي.
إلى جانب هذه الرسائل هناك رسائل العشق المتبادلة بين زوج وزوجته، مثل رسائل الروائي الروسي فلاديمير ناباكوف إلى زوجته المريضة سايكولوجياً، وهو كان بعيداً عنها، ولا يستطيع أن يكون إلى جانبها، نتيجة الظروف التي واجهته في حياته حينذاك. هناك رسائل الكاتب توفيق الحكيم. وثمة رسائل مهمة جرت بين المُبدعَين المغربيين محمد شكري ومحمد برّادة، وأيضاً هناك رسائل كافكا إلى حبيبته وخطيبته ميلينا. ونجد في المقابل رسائل سرية لا تكشف إلا بعد مرور سنوات وعقود، درءاً للفضائح والمكاشفات والملابسات بين الأحياء الموجودين والمذكورين في فحوى الرسائل ومغزاها. وهناك الكثير من الرسائل التي تفضح بعض المواقف والشخصيّات، لجرأة كاتبها، كما كان يحدث في رسائل الروائي الفرنسي مارسيل بروست، والروائي الأمريكي أرنست همنغواي، تلكم الرسائل الكثيرة، والمتعددة الأوجه والسياقات والاتجاهات.
لقد كشف بروست تفاصيل حياته مع المرض، وحياته مع الأصدقاء، ونمّ على هذا وتلك، وحدثت في زمنها مشكلات وتداعيات ارتبطت بأجواء الرسائل، التي أرسلها بروست لأصدقائه، وحملت بين سطورها العديد من المواقف والآراء تجاه بعض الكتّاب. فهناك إشارات حول طبع كتابه الأول على حسابه الخاص، وكان ديوان شعر، فضلاً عن رفض الجزء الأول من سباعيته «البحث عن الزمن الضائع» من قبل المشرفين على دار نشر فرنسية شهيرة، كان من بينهم الروائي أندريه جِيْد، وهو من كبار الكتّاب في زمنه، الذي عبّر عن ندمه على فعلته هذه في ما بعد، في رسالة مرسلة من قِبله إلى بروست.
الروائي أرنست همنغواي كان يكتب للكثيرين في زمنه، لزوجاته وللناشرين والمحررين ولأصدقائه من الكتاب والروائيين. وعلينا ألا ننسى رسائل سيمون دوبوفوار لسارتر ولعشيقها، وسارتر لدوبوفوار وللمتبَنّين من قبله، وكذلك رسائل لناشريه وللكتاب والعاملين معه في مجلته «الأزمنة الحديثة»، ولأصدقائه من الكتاب في عواصم العالم. وفي السياق ذاته هناك رسائل فرجينيا وولف، ورسائل مي زيادة وهي كثيرة، وطبعاً هناك رسائل «غادة السمّان لغسان كنفاني» و»رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان».
أما الرسائل التي بين يديّ والتي ترجمها السوري الراحل أسامة منزلجي والصادرة عن «دار المدى»، تحت عنوان» شغف بالأدب»، فهي لكاتبَين مشهورين، الروائي الأمريكي وكاتب السِير هنري ميلر، مع الكاتبة والروائية الفرنسية المتمرّدة أناييس نن، والرسائل هي لكليهما، فمرة هي تكتب له، وأخرى هو يكتب لها، وذلك حدث في العقود الماضية، إبان فترتي الثلاثينيات والأربعينيات، وصولاً إلى الخمسينيات من القرن الفائت. إن هنري ميلر، المولع بفن السيرة، والمُحب لعالم التفاصيل وإحداثيات اليوم المعيش، كانت كتابة اليوميات هي جزء من فنه، نظراً لحياته المليئة بالتجارب وبالشؤون اليومية المفتوحة على الآخرين، فهو شخصية ليست مغلقة إلا ما ندر، خاصة في ما يتعلق بالعمل الأدبي، فهو يعتبر كتاباته شيئاً خاصاً به، رغم أن هذه الكتابة يشترك فيها الآخرون، كونها تنتمي إلى نسق البيوغرافيا، وتماسها مع الوقائع والأحداث والأفعال اليومية، للكاتب نفسه أو للآخرين، الذين يلتقيهم في عالم الأدب أو فضائه اليومي، الدائر بين المقهى والشارع والقطار والسوق والسينما والمسرح، وغيرها من النشاطات الفنية، كالموسيقى والغناء اللذين يتطلبان الحضور والمشاركة مع الآخرين، في عالم الفنون المرهفة، التي تحتاج إلى اجتماع الفرد مع أشخاص يحلمون مثله برؤية مغايرة إلى العالم.
من بين هؤلاء منح الحظ ميلر شخصية مقاربة لشخصيته، قريبة من أهوائه وأحلامه وتطلعاته ومراميه، إنها الكاتبة أناييس نن، الفرنسية ذات الأصول الإسبانية، لتلتقيه هو الأمريكي ذو الأصل الجرماني، الجائل في العوالم والهائم في العواصم الأوروبية، بحثاً عن الذات والروح والإبداع، في وجود ومكان مغايرَين، فلم تكن أمامه في ذلك الزمن، زمن ما بعد الحرب العالمية الأولى سوى باريس، فغزا جمالها وفتنتها وأرصفتها ليكون في القلب منها، هائماً ومتشرّداً، مع الكثير من البوهيميين من أمثاله، في ذلك الزمن البعيد، والذي بدأت تدب فيه الروح الجمالية، روح ما بعد الحرب والخراب واللهب، التي دمرت أوروبا، ولم تتوقف وتيرتها إلا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
في رسالة مرسلة من أناييس نن إلى هنري ميلر، حين كانت في نيويورك لغرض يتعلق بالكتابة والرقص والأوبرا، في هذه الرسالة المكتوبة في فندق بلازا، والمؤرخة في عام 1934 تقول أناييس، حين حطت بها السفينة على الأرض الأمريكية: «وصلت مساء الأربعاء، ما منحني مشهداً عاماً لنيويورك أثملني في الحال، وربما إلى الأبد. كانت الأبنية تتلألأ وشعرتُ كأنني بلا قدمين، أرتفع من منتصف ألف ليلة وليلة بلونها الخبّازي.. يا له من وصول رائع والفرقة الموسيقية تعزف ورجل من الجنوب يغازلني».
وفي رسالة طويلة رد فيها ميلر عام 1934 حين كان يقيم في «فيلا سور»، على أناييس نن حفلت بالكثير من الحب والإطراء والشكر على مساعدتها له مالياً يقول: «أستطيع أن أقول لنفسي أنت امرأة وكل النساء كاذبات، كاذبات لا سبيل إلى إصلاحهنّ، وأنتِ أفضلهنّ، لكن الشيء الغريب في سلوكك، هو نبرة الصدق المستترة، الصدق العميق».