الوجه أرنب والقفا شيطان!

كنت يافعا حين قرأت بعضا من نصوص «العجوز والبحر» للقاص والروائي الأمريكي المتنوبل (أي المتحصل على نوبل) أرنست همنغواي، وأنا لا أنوي الرجوع إلى هذا النص البديع بالمعاول ذاتها التي حفرته، ولا إلى الأخاديد والأحافير التي أعملت فيه، فقد اهترأ القول العادي فيها، كما صنع الزمان والصبر بسانتياغو البطل العجوز، وهو يبحر لثمانين يوما تزيد أربعة دون صيد.
صبرنا اليومي على الحيتان من صبره، ولكن ذكاء الصنارة أحيانا قد تعييه حماقات السمكات الفتيات التي تستطع أكل الطعم، ولكن خفتها وسنها تساعدنها على الهرب، فليس في الأمر ذكاء ولا فطنة، بل المسألة مسألة زمان.
أعود إلى النص الشهير حتى أبين أمرين مترابطين أولهما، لساني قالت به العرفانية، ويتمثل في التعامل بين الوجه والخلفية. والثاني سردي وصفي يتعلق بالطريقة الفريدة التي يوظف فيها همنغواي وجه المشهد وخلفيته.

ثنائية الوجه – الخلفية، هي ثنائية أخذتها اللسانيات العرفانية من علم النفس وبالأساس من نظرية الجشطلت Gestalt ملخصها، أننا ندرك الأشياء إما على أنها وجه فيه بؤرة، أو على أنه خلفية تكون إطارا لتلك البؤرة المدركة. معلوم أن ضوءا مقبلا من بعيد في ليل مظلم يكون هو البؤرة والوجه، ويكون الليل الخلفية. ويصدق هذا على العبارات اللغوية البسيطة أو المركبة، فإنها دائما ما تدرك على أنه وجه في خلفية فعبارة سمكة مثلا تعد بؤرة بالنسبة إلى محيط كامل من الأسماك في محيطها، أو في سلة السمك المشحون بالأسماك. ما نجده في مقاطع كثيرة من «العجوز والبحر»، أن الخلفية والوجه يعاملان في النص معاملة فيها تبادل حر ورمزي من أجل بناء حقيقة لا يمكن أن تدركها من الوجه فقط، بل يحدث لها تعاكس خلفي ترى في الخلف أشياء رأيتها في الوجه، وأخرى لم ترها فيه تكمله وتبني المشهد السردي كاملا، لذلك سأضطر إلى استعمال عبارة قفا للخلفية تيسيرا للوصف.
يوصف سانتياغو وصفا تقليديا بأن يقول عنه السارد «كان العجوز نحيفا ونحيلا» في هذه الجملة تُدرك عبارات «عجوز» بما هي وجه في خلفية السن، وتُدرك عبارتا «نحيف» و»نحيل» في خلفية عامة هي، الفضاء ذو الأبعاد الثلاثة التي يرى فيها الشخص على أنه بُعد.

غير أن: «عليه تجاعيد كأخاديد سكين على الرقبة». التجاعيد في الوجه هي بؤرة الانتباه وهي «الوجه» الذي علينا أن نراه، صحيح أن خلفية التجاعيد هي وجه الشيخ، لكن القفا يذكر في سياق يمثل خلفية فنية ندرك من خلالها وبشكل تقريبي مشهد التجاعيد، وكيف وزع على الجبهة. هذه الخلفية الفنية المصطنعة التي دخلت المشهد بجواز سفر فني هو التشبيه باتت استبدالا لصورة الوجه، الذي هو وجه المشهد. إن هناك عكسا تصويريا لمعنى الوجه والقفا: جبين في الوجه يكون في أعلى الرأس ورقبة تكون في أسفله، فهذا تصوير مقلوب يخلق مشهدا موازيا بين فضاء سردي أب (تجاعيد الصياد العجوز) وفضاء سردي ابن (أخاديد القفا) الأول له صدقية سردية وللثاني إسقاط فني بعنوان التشبيه.
لا شك في أن ما يشد في هذا التشبيه ليس اللعب على التصوير التقابلي بين الوجه والقفا، والبحث بواسطة تعاكس المرايا على خطوط مصطنعة توضع على الرقبة، ليس هذا فقط، بل في ضرب من الالتفات الذي يجيده من يدير لك الرأس كلما شاء وأنت صاغر مطيع لا تتحرك. لا يكون ذلك حين تصور وأنت في التحقيق من الأمام ومن الجانب وربما من الخلف، يصور الرأس في جميع الاتجاهات حتى يمكن أن يُتعرف عليه من الأمام من الجانب، لكن أن يتعرف عليك من الخلف فهذا من الخُلف الذي لا يصنعه إلا الفن في الأدب، حين تصبح التجاعيد لعنة من الزمان وعقابا كعقاب من طعن من الخلف.. يطعن الزمان من الأمام حين يترك على جبهتك خطوطا لا تقرأ إلا في معنى واحد: أنك هرمت وعندها تكون إما هازما أو مهزوما.

التلازم بين الوصف في الوجه والوصف في القفا نجده بشكل آخر في المقطع التالي: «كانت يداه تحملان الشقوق العميقة التي أحدثتها الأسلاك التي على طرفها كافحت السمكات الثقيلة. لكن لم يكن أي من هذه الشقوق حديثا: لقد كانت قديمة مثل انجراف صحراء بلا أسماك».

التلازم بين الوصف في الوجه والوصف في القفا نجده بشكل آخر في المقطع التالي: «كانت يداه تحملان الشقوق العميقة التي أحدثتها الأسلاك التي على طرفها كافحت السمكات الثقيلة. لكن لم يكن أي من هذه الشقوق حديثا: لقد كانت قديمة مثل انجراف صحراء بلا أسماك». يد البحار هي التي تقودنا إلى خارج جسده، تقودنا إلى مهنته، ولكن يشاء المبدع، أن يترك لنا آثارا لليد التي حزتها أسلاك الصنارة وهي تجذب سمكا يصارع من أجل الحياة. الشقوق المحفورة في اليد هي أحافير ترسم لا بإزميل الزمان، بل بمعاناة الإنسان في سبيل كسب هو كالانتصار. لتكسب عليك أن تصارع في عالم «همنغواي»، فإما أن تصرع وإما أن تصرع حين تعلق السمكة في الصنارة فإنها لا تسلم الروح بسهولة، وحين تمسك اليد الشبكة فإنها لا تقلع السمكة بيسر، وحين ترسل الخيوط وتعود في حركة استرجاعية تكون الحركة عنيفة حتى تحدث ما تحدث في اليد كل يوم تحدث الشقوق في اليد حتى تصبح آثارا مثلها مثل طعن من طُعن قفاه بسكين. ليس الزمان هو الذي يترك الأثر، ما يتركه هو جهادنا في الحياة من أجل الانتصار والكسب هذا هو الوجه، لكن القفا أن تظل آثار الشقوق في أيدينا تدل علينا.

صورة البحر هي صورة الوجه لكن صورة القفا هي التي يطلبها همنغواي هنا: نحن نرى في الوجه صراعا لصياد مع أسماك تدمي مع الشص يده، ولكن الكاتب يسلمنا في النهاية إلى تشبيه يصنع من القفا: هي صحراء بلا أسماك لكن عليها تجاعيد الانجراف. ليست الطبيعة إلا صورة للبشر الكادح: الطبيعة تقسو عليها عناصر منها وتترك عليها خطوطا من الانجراف والمرء يسعى فتقسو عليه الحياة لتترك في يده شقوقا ليست يد الإنسان الكادح والصياد الفاني إلا صحراء حززها الانجراف، هذه صورة من القفا، أو لنقل هي القفا الذي يعكس الوجه. إن الأمر ليشبه مرآة يكون فيها الوجه عاكسا ملامحك ببعدها الحقيقي، ويكون القفا عاكسا ملامحك بوجه مختلف، تتطلع فبدلا من أن ترى يدا شققتها أسلاك الصنارة أثناء الصيد في البحر، ترى آثارا لتعرية الصحراء بفعل الريح ترى الصحراء ولا ترى سمكا. وحين تعود إلى صنارتك الذكية لن يكون هناك سمك مثل الذي كان في البحر، سيكون هناك شيء لا تمسكه صنارة الأسماك، بل يمسكه انعكاس مقعر لصورة فارة من الأمام إلى الخلف من البحر إلى الصحراء ثم ترتد.

يقول عن الشيخ في مقطع آخر: «هو وحيد أوحد، لقد غابت الأرض عن عينيه، وها هو يتشبث بأكبر قطعة وجدها على الإطلاق. لم يحدث أن سمع قط عن قطعة مثل هذه. وتَقَبضَتْ يدُه اليسرى عليها مثلما تَقْبِضُ مخالب نسر على أرنب» في هذا المقطع الذي يصف فيه كيف تمكن الصياد بعد أشهر من القبض على سمكة عظيمة، نجد أيضا الوصف الذاهب من الوجه إلى القفا والعائد إليه بخيرات المعاني، لكن بعد حركة انتشارية يملأ فيها الوجه محيطه المباشر ثم ينقلب عليه. في البحر يغيب مرأى الأرض، لكنه وفي اللحظة التي يطمئن فيها المرء إلى أن العالم كله محيط بالرجل الواحد الأوحد، ينجيه التشبيه ويعيده على أعقابه إلى اليابسة. لكن في الصورة انقلابا وقفا لوجه. كان الصياد يحاول التحكم في سمكة عظيمة جدا جذبت قاربه بعيدا هي صورة على النقيض من صورة النسر العظيم الذي يقبض على أرنب، كان هو الأرنب والسمكة نسرا هكذا يريد لنا العالم الممكن أن نفهم الأشياء بالمقلوب: على الصياد الأرنب أن يكون نسرا، وعلى السمكة النسر أن تكون الأرنب ويمكن لو تعددت العوالم لصار الوجه أرنبا والقفا شيطانا.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية