يمثّل الوعي الناقد بالتراث المرحلة الأخيرة لعمليات عديدة سابقة، فهو يشتمل في طياته على التنقيب عن التراث، والحفاظ عليه، وتحقيقه، ومن ثم نشره والتعريف به، ودمجه ضمن الدراسات الأكاديمية، وهذا أمر أساسي، لابد من الانتباه إليه؛ فقد عانينا – وما زلنا نعاني- من باحثين لم يعوا تراثهم حق الوعي، وولجوا فيه مستندين إلى بحوث وأفكار وقناعات سابقة، أي تتبعوا خطوات السابقين، وبنوا على آرائهم، واختاروا نماذج مشابهة لنماذجهم، وكثيرون اجترّوا نفس ما اجتره السابقون، ومن ثم تكررت استنتاجاتهم وتشابهت.
ومن هنا فإننا نطالب بأهمية تبني مفهوم الوعي الناقد واستراتيجياته، والتي تعني فهمه بمختلف تعابيره وأشكاله ومضامينه، وفي مختلف ملابساته الاجتماعية والتاريخية، وفي جذوره وامتداداته وصراعاته المتنوعة، فندرك أن في التراث معاني وقيما متصارعة، لا نصوص ميتة وآثار، وأن نتيح هذا الإدراك للناس، لا بنشر الكتب فحسب، وإنما بتقييمها تقييما نقديا تاريخيا، وإتاحتها واستلهامها وتجسيدها في حياتنا في مختلف وسائل الإعلام والتعليم والثقافة، والأمر أيضا يمتد أيضا إلى التراث الشعبي، فالتراث يعني الشعبي والرسمي، الشفاهي والكتابي والفني.

إن الوعي الناقد لا يعني توجيه سهام القدح، بل هو الدراسة المتعمقة، التي استوعبت وفقهت، ومن ثم قدمت قراءة نقدية تتوخى الوقوف على المضمون: بالنقاش المثمر لقضاياه وطروحاته، أما لو أضفنا مفهوم النقد الأدبي إلى قراءة الوعي الناقد، فإننا نجعل في القراءة الفلسفية شقا لا ينفصل عنها وهي القراءة الأدبية بكل ما فيها من جماليات: أساسها لغة النص، وأعمدته رؤاه وأفكاره.
وهي تشمل أيضا كلية المعالجة، وليست جزئيتها، كي لا نقف عند أحد المكونات الثقافية (الفقه، الشعر، الفلسفة…) والنظر إليه بمثالية، مما يفقد هذا العنصر علاقته الموضوعية بالمكونات الأخرى .
ويثور سؤال: ماذا عن دراسة التراث بوصفه تاريخا؟ إن الإجابة هنا تعيدنا إلى مفهوم التاريخ، الذي لا يعني أحداثا منقضية، وإنما يعني أن التراث اشترك مع التاريخ في كونه ماضيا، وأن التاريخ جزء منه، وليس كُلا، وفي الحالتين، فإن التاريخ يعيش بيننا في حاضرنا، سواء كان التاريخ البعيد أو القريب، أما التراث فنحن لا ننفصل عنه، وإنما هو يجري في دمائنا، لأنه ببساطة أساس تشكيل هويتنا، فدراسة التراث من المنظور التاريخي يعطينا أعماقا في الزمان، تجعلنا نفسر ونعي الكثير من ظواهر حاضرنا، فلا يمكن فهم الحاضر بمعزل عن التاريخ، فالتاريخ حي فينا، مثلما أن الحاضر امتداد للتاريخ.
يقال هذا مع الوعي العام لأبناء الجماعة الواحدة، وكذلك المجتمعات العربية والأمة كلها، لأن حاضرها ما هو إلا ناتج من نواتج تفاعل عوامل تاريخية عديدة: اجتماعية، أدبية، فولكلورية، ثقافية، دينية، لغوية، أحداث، شخصيات. وأيضا يقال مع الفرد، أيا كان مستواه المعرفي ووعيه الثقافي، فالتاريخ حاضر في شخصه، عبر النقل الشفاهي، والوعي الجمعي، والتأثير البيئي الثقافي والاجتماعي.
وعندما نقول إن التراث له بعد تاريخي، فهذا واقع فعلي، لأن التراث يعبر عن ماضٍ ولّى، فكل ما مضى صار تراثا، بغض النظر عن قيمته ومحتواه، والتاريخ أحد أجزاء التراث؛ الذي يحوي كل ما خلّفه السابقون في المجتمع من مكتوب وشفاهي، وهناك مكتوب تحوّل إلى شفاهي وانتشر (مثل الأغاني والحكايات والأشعار التي سجلها مبدعوها… إلخ )، ومثل الكثير من الشفاهيات التي تم تدوينها، فيما لا يمكن حصره، فيكاد التراث في مراحله الأولى أن يكون شفاهيا.
والبعض يرى أن العودة للماضي تأتي دائما في مرحلة الأزمات والتحولات، وتتخذ شكل التفسير وإعادة التفسير، وبل وإعادة التقييم في ضوء لحظات الحياة الراهنة، وبحثا عن مشروعية للسلوك في اللحظة الراهنة. ونحن نقول إن هذا حادث بالفعل، عندما يضطرب الحاضر، فإننا نهرع إلى ما كان عليه أسلافنا، خاصة النماذج الخالدة التي نفخر بها ونعتز، ولكن الأمم القوية تظل ترنو إلى التراث وليس إلى الماضي في جميع الأوقات. وشتان ما بين التطلع إلى “الماضي” بما يعنيه من تحجر ورفض للتقدم، والتغني بالأمجاد، والتحصن بما تركوه من تراث؛ وبين مفهوم الوعي الناقد الذي يعني الدرس، والاستفادة، والتمحيص، والتأمل، والخروج بثمار، تفيد في فهم الحاضر، ناهيك فهم المزيد عن الماضي، والأهم فتح مساحات جديدة من القضايا الثقافية، التي تثرينا بلا شك.
على جانب آخر، فإن التراث هو الوعاء الشعوري للأفكار والأحداث، ومن شأن هذا أن يجعل حركة التاريخ حركة حية على الدوام، وأن الفكر الإسلامي يعطينا أنماطا عديدة وهي: النقلي، العقلي، الحدسي الكشفي (الصوفي) الاختباري التجريبي، ونضيف لها النمط الجمالي.
فعندما ننعت التراث بأنه “الوعاء الشعوري للأفكار والأحداث” فإنه يجعل التراث متحركا حيّا متدفقا، وليس مجرد كلمات مسطورة في كتب صفراء، فالتراث وعاء لأنه حوى كل مشاعر، وأفكار، وأحلام، ورغبات، وآلام، وأحداث، فيتحول من كتابات الماضي بمفهومها الجامد إلى كونها كتابات حية في تدفقها ووحيها وإيحاءاتها، مثلما هي معبرة عن حياة وأحياء، وهذا يضيف لنا، ولا ينقص منا كما يتوهم البعض، حينما يرون أن الماضي ذهبَ واندثر، وأنه مجرد كتب صفراء قديمة، ومن غير المعقول أن نكون في إسارها، وتكبل حياتنا المعاصرة. ومن ثم ينادون بالتخلي عن التراث (بإطلاقه) لصالح الدعوات الجديدة، والأفكار العصرية، ولو تأمّل هؤلاء قليلا، لوجدوا أن ما من أمةٍ متقدمة أو حضارة زاهرة إلا وكان التراث ركنا مكينا لها، لأنها لو تخلت عن تراثها، فستقف أمام الأمم الأخرى بلا جذور، وربما بلا سيقان أو ثمار، وستسقط حتما أمام أي مؤثرات أجنبية.
على جانب آخر، وبالنظر إلى الجانب اللغوي، فإن التراث وعاء اللغة، واللغة تمد الحاضر من تراث الماضي، وتجعل الحاضر في حالة قراءة وتواصل مع الماضي ليس على مستوى البحث العلمي فقط، وإنما على مستوى الناس جميعا، خصوصا أن العربية لغة مستمرة باستمرار القرآن الكريم في القلوب.
إن النظر إلى التراث بوصفه حاويا للنقلي، والعقلي، والصوفي، وهو منظور شائع لدى البعض، يشوبه أوجه عدة للنقص؛ لأن منطلقه فلسفي، فالنقلي يقصد به المصدران الأساسيان للشريعة وهما القرآن الكريم والسنة المطهرة، ويشمل سائر العلوم الشرعية التي انبثقت للشرح والتفسير واستخلاص الأحكام والمقاصد والغايات والفقه وأصوله، أما العقلي فيعني العلوم العقلية مثل علم الكلام والفلسفة وما شابهها، في حين يشمل الصوفي علوم المتصوفة المتصلة بالكشف والإلهام، ربما نتحفظ بقليل أو بكثير على هذا التقسيم، كونه يتجاهل علوما أخرى هي تراثية مثل: التاريخ، العلوم الطبيعية: الكيمياء، الطب، الرياضيات.. إلخ، والجغرافيا، والفلولكور، ناهيك عن الشفاهيات المختلفة، التي دونت في مراحل تالية، وكثير منها مختلط باللهجات العامية، وأشكال مختلفة من التعبيرات، بعضها قولي: الأغاني والحكايات والأمثال، وبعضها: أدائي قولي: التمثيليات بكافة أشكالها، وأخرى: لونية ورسومات ومنحوتات وغير ذلك.
كما أن هناك تحفظا آخر، يتمثل في نعت العلوم الفلسفية والكلامية بأنها علوم عقلية، وحصر العلوم الشرعية بنعت “النقلي” فالأمر هنا مستغرب، ذلك أن المصادر الشرعية اقتضت عقولا وتفكيرا ومنهجية علمية وبراهين واستدلالات خلال قراءتها وتكوينها للعلوم الشرعية، أي أن هناك عقلا مفكرا نما وتطور واكتمل مع النص المقدس (القرآن الكريم) والهدي النبوي (الحديث الشريف) وهو بارع في القياس والاستدلال والاجتهاد وقراءة الوقائع والأحداث والنظر في المستجدات وفق مقاصد الشريعة، كما أن له سبله في البرهنة اتضحت في علم أصول الفقه.
ونفس الأمر مع ما يسمى “الحدسي الكشفي (الصوفي)” فله أيضا عقله الذي انطلق من أسس التصوف، وطورها، وجعل لها مؤلفاتها وعالمها الخاص بها وتلاقت مع العلوم الشرعية فيما يسمى التصوف السني، وإذا كان هناك تجاوز فيما يسمى بالكشف والحدس، فهو في نهاية الأمر محدود ولا يرقى لدرجة أن نصم به علما بأكمله، فالتصوف أساسه القرآن والسنة وعلوم الشريعة وأسسها العقلية، وفي مراحله المتأخرة صار أقرب إلى الفلسفة والإشراق، وكما يذكر المؤرخ الكبير عمر فروخ فإن علوم التصوف اكتملت في القرنين الثالث والرابع الهجريين، فصار التصوف على اتجاهين: الأول قريب إلى العبّاد والزهاد الأوائل، يستند إلى الكتاب والسنة (التصوف السني) وتزعم هذا الاتجاه أبو القاسم الجنيد بن محمد ( ت 297هـ ) الذي شدد على أن التصوف مربوط بالقرآن والسنة والفقه ومن لم يعلم ذلك، فلا يقتدى به ، والثاني شبه فلسفي إشراقي وتزعمه ذو النون المصري (ت 245هـ)، وثوبان بن إبراهيم المصري (ت 246هـ ) وهذان تكلما عن المقامات والأحوال.
فلا يمكن إطلاق الوصف بالنقل على العلوم الشرعية، ولو على سبيل التمييز بينها وبين الفلسفة، فيمكن أن نسمي العلوم بأسمائها، وننعتها بما فيها من مصطلحات، مما يعزز التفريق بين هذه العلوم، التي تتفق جميعها في امتلاكها لتنظيرات وأدبيات عظيمة الثراء في المبنى والمعنى.
ومن هنا، ننادي بأهمية النظر إلى علوم التراث بعيدا عن التقسيمات النمطية أو العمومية، وتبني قراءات عديدة للنظر إلى التراث.
فالتقسيم السابق للتراث وغيره من التقسيمات للعلوم والفنون يمكن أن يطلق عليها تقسيمات رأسية، تحاول أن تميز بين العلوم التراثية، لتسهيل دراستها بشكل مستقل عن بعضها، ولكن لو نظرنا إليها من زوايا أخرى، فسنجد أن الإحاطة بمختلف العلوم أي الدراسة الأفقية، والتعاطي الإيجابي في النظر إلى ما بين العلوم المختلفة من وشائج وصلات، تساهم في تفسير كثير من الظواهر العلمية والمجتمعية والثقافية والفنية والأدبية، فنحن مثلا في حاجة إلى دراسة الكتب الجغرافية القديمة لفهم سرديات أدب الرحلات على نحو ما نجد في كتاب تحفة النظار لابن بطوطة، ورحلة ابن جبير. وفي حاجة إلى دراسة علوم التصوف للتعرف على سرديات عديدة عن حياة المتصوفة، وزهدهم، وكيف أنهم شكّلوا عالما روحانيا، بجانب إسهاماتهم العقلية، وبنفس حاجتنا إلى فهم الفلسفة الإسلامية كي نعي عملا رائعا مثل كتاب حي بن يقظان لابن طفيل، وهكذا مع سائر العلوم.