الوليمة

حجم الخط
1

ايها الغالي
لا اعرف ماذا اقول لك، ليس هناك من كلمات تعبر عن الحقيقة القاسية التي نحيا فيها بعيدين عن انسانيتنا. أأقول لك كما يقول كل أب لأبنه، افنيت عمري مع كل الحب لأجلك؟ وأنا اعرف انني لم أفعل. كنت استطيع ان اقول لك ذلك، لو انني فعلا فعلت.
كان تقاعصي وخذلاني عن افناء عمري لاجلك ليس الا محض انانية، او قلة وقت في سقف هذا العمر الذي امضيته ولا زلت، في انشغالات اخرى، او ربما عدم معرفتي بعد معنى كلمة الحب، او انني لم استطع ان افهم او اقبل فكرة ان اكون أب .
ايها الغالي
انني كنت اتأمل في الوقت الذي أٌكفر به عمّا اقترفت يداي بحقك انت، وانت فقط. الان وقد حان الوقت، لكي اجلد نفسي امام تلك الايام والسنين وامامك. وان هذا الضوء من الذنب الذي يحرق الممرات الى خلايا دماغي يصفعني ويلسعني بقدر هذا البعد عنك .
ولكن هل هذا يكفي؟ هل هذا التأنيب يكفي لاثبت لك انك مركز حياتي؟
اليوم وانا امسك هذا الوعاء المعدني المهترئ اقف على طابور المساعدات الغذائية -المتوفرة- تماما كما كنا نقف لاستلام وجبة الطعام في غير موعد افطار او غداء او عشاء، في معسكرات التدريب وفي مواقع الاشتباكات، ايام التحاقنا بالثورة. كانت تقدم لنا متى لاحت الفرصة لذلك. كانت التحركات الفجائية، لا تجعلنا نعرف متى سنحصل على الوجبة التالية، لذلك كنا نسعى دوما للحصول على اكبر كمية من الطعام، حتى اننا كنا نتمنى ان يتوسع هذا الوعاء اكثر. ورغم ذلك كنا نوسعه بكفينا، ويسكب لنا الطباخ في الوعاءين مبتسما.
ولكنا وقفنا في ذلك الصف شامخين، كبرياء مقاتلين، قوة جبال في داخل كل واحد فينا، نأخذ وجبتنا لنواجه الموت والعدو.
لماذا اقول لك هذا الكلام؟ لا اعرف.
اهو نوع من التعبير والترويح عن الذات، عن نفس اكتشفت انها حرقت نفسها للمجهول؟ ام للتعبير عن نوع من انواع البطولة اتفاخر بها؟ ام عن تضحية كنا جاهزين لان نقدم ارواحنا فداء لها؟ على طول تلك الحدود الممتدة امامنا بامتداد البصر؟
لا زال هذا الضوء من الذنب يحرق الممرات الى خلايا دماغي يلسعني بقدر هذا البعد عنك !
اقف ضمن هذا الصف اليوم هزيل ، كلي ضعف كباقي الواقفين، وبالكاد نستطيع الوقوف. هياكل عظمية مكتسية الجلد، ورائحة الموت تنبعث من مسامات هذه الهياكل، عدا عن الخوف والترقب في كل لحظة، لان نكون هدفا على دائرة قناص او من الغام سماوية.
اليوم لم نعد نميز رائحة اي طعام، فكلنا على الاغلب فقدنا حاسة الشم، والتي فقدنا قبلها شعورنا باننا ننتمي الى جنس الانسان. والاوعية بين الايادي تشير على ذلك وتقول لنا تذكروا الانسان في العصور القديمة. نقف وبالكاد نستطيع الوقوف كما قلت لك سابقا، ولا وجود لطمع لدينا في وجبة اخرى، ننهي مهمتنا ونرجع لنملئ امعائنا ونواصل القتال. هنا على الاغلب ستكون وجبتنا الاخيرة، لو استطعنا الحصول عليها، قبل ان ينفد الطعام، او قبل ان نفارق هذه الحياة .
عرفت الان، ايها الغالي ، حين بدأ هذا التزاحم بالتفرق والعودة الى الخلف بخطى متثاقلة، دون اي صوت، بصمت يكاد يكون قاتلا، يوحي بأن الموت قد دنا، ونظرات الوداع بدأت تخيم على الوجوه، ربما ليست وداعا ولكنها على الاغلب كانت تعبر عن ذلك ولو حاول الجميع اخفائها، او عن خيبة امل تقول لا طعام، بكل حزن وبكل بساطة.
جلست مقرفصا، وتركت هذا الوعاء على التراب، وتيقنت بأن كل الصفعات لذاتي مهما كانت قوية وقاتلة لن تضع لك في هذا الوعاء لقمة ترد بها حياتك. وهذا الضوء من الذنب يحرق مركز اعصابي، لا يرحمني، ينبعث بقوة ويتكسر في دماغي بقوة اكبر وسرعة اعظم . وجدت بجانب الوعاء قطعة من القماش تحسستها بإصبعي، نعم قماش بعض منها ظاهر فوق الارض، والاخر دفنته الاتربة والاوساخ، سحبتها بكل القوة التي تبقت، ونظفتها بما بقي من لحم وجلد على اصابعي .
كنا ايها الغالي قد تدربنا على الاسعافات الاولية البسيطة، في معسكرات التدريب، نعم كانت تدريبات بدائية لا تمنع الموت ‘ربما’ ولكنها تؤجل لقاءه نوعا ما، تساءلت دوما هل كان استخدام هذه الطرق قد يزيد من الالم على المصاب في حال لم يفارق الحياة؟ او انه كان مجرد الحلم بنوع من الامل، الذي يشبة قطعة القماش التي بين يدي؟ على اي حال قد تعلمنا ان نستخدم هذه الادوات وهذه الطرق، سواء كانت للعيش تحت رحمة الالم، او تأجيلا لمواجهة الموت، او املا جعل منا اكواما عظمية تقف وبالكاد تستطيع، في طوابير للحصول من اهل الخير على قطعة لحم لحيوانات نافقة، تبقينا على قيد الحياة، ليوم او اكثر !!!
وها هوا الطابور يعود ادراجه وقطعة القماش التي كانت املا يوما ما على خط المواجهة، من الممكن ان تستخدم لنفس الهدف في يومنا هذا ..
ايها الغالي
اريدك ان تعرف كم احبك، وانك انت مركز حياتي، وسـأٌبقي هذا السر بيني وبين نفسي. حتى ولو سيختلط عليك طعم اللحم، بين الحيوانات النافقة من قطط وكلاب، وبين اللحم البشري، الذي سأقدمه لك، علك تحيا ليوم اخر وتشهد فك الحصار عن المخيم !
لا اعتقد ان طعم اللحم مهما كان نوعه، يختلف كثيرا عن لحم الانسان، لو طٌبخ جيدا ! لن تلحظ انت ذلك واعيش على امل ان لا تلحظ ذلك. ولا اعرف ايها الغالي ان كنت سأقول لك بأن هذا اللحم الذي اكلته هو قطعة من فخذي .. هل ستدرك بعدها من انت بالنسبة لي؟ وكم انت مركز كل حياتي ؟!!
ام ستقول لي، وان كنت لا تقوى على الكلام، بأنني لست انسانا، واطعمك لحما بشريا ؟
لهذا قررت ان ابقي ذلك سرا بيني وبين نفسي !!
في طريق عودتي الى المخبأ، بيدي قطعة لحمي، وعلى فخذي تلك القطعة من الامل ملفوفة باحكام، اشعر انها تلاصق عظمي. هذا المخبأ الذي يعلو على جانبيه كوم من التراب، وبقايا طلقات فارغة وصلت الينا لا نعرف مصدرها، واكوام من فرو القطط، تحللت وجفت ورحلت عنها الذباب، الذي اقلق راحتنا، اثناء نوبات الم امعائنا.
انا متأكد انك ستفهم، وان كلام رحمة جدك لي في زياراته المتقطعة لنا في المعسكر، كان يخبرني دوما كيف كان يعلمك ان تتفاخر بين الناس وبين طلاب المدرسة، وبين اهل امك، التي تركتك تنمو في حضن جدك، وفارقت الحياة شابة اهلكها المرض. كان يقول لك حين تسال عني اين انا وماذا اعمل؟ ويقول لك : ابوك فدائي بحارب من شان نرجع على فلسطين !!
والان عليك ان تتفاخر امام الموت وتعلن نصرك عليه بقطعة اللحم التي في صحنك. وان احصل انا على نوع من الرضى على نفسي ..
ايها الغالي
هل تعرف مدى سعادتي وسروري، ان اقطع من لحمي لاعيد الحياة الى كوم من العظام؟ اليك انت الى عظامك انت .. هل تعرف مدى بهجتي حين تفتح عينيك، وتنظر الي ؟! هل تعرف انك ان فعلت اي انتصار تعطيني؟ وكانني عبرت الحدود واكثر .. هل تعرف مدى تلك السعادة بقطعة القماش التي تغطي جزءا من جسدي وانها اغلى قطعة قماش لبستها في كل عمري؟ لانها امدتك ببعض من الطعام، وكثير من الامل، وربما تباعد بينك وبين الموت، ربما !! حتى غد او بعد غد ..
ولكنك ايها الغالي لم تنتظر …
قبرص 2014

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية