محاولة لتلمس بعض فنه الغزير وشخصيته الإنسانية
بيروت-“القدس العربي”:ما من رحيل لقامة فنية كبيرة كما الياس الرحباني. نغمته التي تنثر الفرح علينا وتتغلغل في مسامنا، تقول أنه بيننا يمزح ويضحك ويحب. حضور نحسه، بألحانه المنغرسة في الذاكرة، وكلماته البسيطة المنسابة. حضور مستمر عبر الإعلانات المتعددة التي وقعها وكانت الأجمل والأقرب للعائلة جميعها.
يكفي الياس الرحباني أنه مهّد طريقه الفني ووسع آفاقه بالتدريج، وهو الذي كبر صغيراً بين عملاقين شغلا لبنان والعالم العربي وتمددا نحو العالم، هما الأخوان رحباني. لم يقف مكتوفاً متسائلاً ما العمل؟ لم يقلد ولم يكن ظلاً. كان نفسه بكل ما تشرّبه من نغمات في نشأته الموسيقية المنزلية، وفي دراسته. ابتكر خطّه وراح يطوره. تجاوز نقد البعض بأنه غربي الهوى أكثر منه شرقي. وأجاد في اللحن الشرقي والغربي منفردين، وفي مزجهما. غنّى له الكبار من فيروز، ووديع الصافي، وصباح، ونصري شمس الدين، وملحم بركات، وهدى وآخرون.
في كل زيارة له في استديو الياس الرحباني في النقّاش تميّز بغزارة الأفكار وقوة الحجة. في البدايات كان يسأل عن منتقدي الأغنية الشبابية ورميهم بالائمة عليه. أغنية الياس الرحباني الشبابية عابقة بالفرح والحب وصامدة إلى اللحظة. ولم تذبل كما أغنيات من تاجروا زوراً بالتسمية وكانوا يدركون ركاكة فعلتهم. “حنا السكران” الذي اخترعه الياس الرحباني كان بريئاً منهم. ولم يكن “بومرعي” يسمع بهم أو يشعر بوجودهم.
لقب “صانع الفرح” وجد لأجل الياس الرحباني واستحقه، ظلّ فرحاً ضاحكاً على الدوام. رحّب بكل حوار طلبته منه، وبكل رأي سألته عنه. في سرده لحياته الفنية أذكر كم كان يحزنه أن المبدعين في وطننا العربي غير مكرّمين. بمزيج من الأسى والندم ذكر مرّة أنه ربما خسر لرفضه عرضاً فرنسياً بالإقامة الدائمة والتفرغ لكتابة الموسيقى الكلاسيكية التي أحبّ. حدث ذلك حين غادر لبنان مع عائلته خلال الحرب الأهلية سنة 1976. وعاد بعد استقرار الأحوال، فجذوره المنغرسة عميقاً في انطلياس، والموزعة في الوطن أرجعته للديار.
مع بدء الحرب الأهلية وحين كان الفرقاء اللبنانيون يحبون بعضهم بالنار والخطف والقتل على الهوية، كان للياس الرحباني أسطوانة بعنوان “ألحان حكايات وأغاني للأطفال”. الطبعة الأولى من تلك الأسطوانة صدرت سنة 1976 وبعد سنوات فُقدت من الأسواق ولم تُطبع مجدداً. ولدى ولادة حفيدي الثالث أهداني غسان الرحباني مشكوراً نسخة مطبوعة في استوديو الياس الرحباني. موسيقى الياس وكلماته علّمت حفيدي الإصغاء والحركة مع النغمة واللغة العربية. بقيت تلك الأغنيات رائدة. اشترك في تسجيلها غسان وجاد وكانا طفلان، وساهم بالتسجيل كذلك عايدة “رونزا” وأمال طنب.
عن فرادة الياس الرحباني هذا التحقيق يبدأ مع المؤلف الموسيقي جان ماري رياشي قارئاً في نغمته وابتكاره للأغنية الشبابية: تتمز أغنية الياس الرحباني بتوزيعها الموسيقي، وريادته في استعمال آلة “سينثيسايزر” ودرامز إلكترونيك، في حين كانت الأغنيات جميعها تُسجّل بآلات كلاسيكية. موسيقاه عرّفت عن نفسها. لقد اخترع لذاته صوتاً موسيقياً خاصاً.
وعن مرونته في مزاوجة الموسيقى الشرقية مع الغربية والعكس قال رياشي: الأستاذ الياس الرحباني من أكثر المؤثرين بي موسيقياً. وفي السنوات العشرين الماضية زرته كثيراً في الأستوديو. ميزته تكمن في إجادته اللعب على البيانو، ودراسته للموسيقى الغربية، وتلحينه لعدد كبير من الأغنيات الغربية. امتلك قدرة المزج الموسيقي، كالتلحين بإيقاع التانغو. أغنية “عم احلمك يا حلم يا لبنان” بكل بساطة يمكنها أن تكون لحناً لكلمات ايطالية، أو فرنسية. وكذلك الأغنيات التي لحنها لسامي كلارك. شكّل الياس الرحباني رائداً لحقبة كاملة من أغنيات البوب التي نالت شعبية واسعة. خطه الموسيقي رائع. اختار آلات موسيقية محدودة، وأغنية قصيرة ضمن أجواء جميلة.
ويتابع رياشي قارئاً في مراحل الرحباني الفنية: عندما توليت مسؤولية برنامج “ذا فويس” تفاجأت أن أغنية “يا قمر الليل” لوديع الصافي من ألحانه. لمرحلة محدودة كان الياس الرحباني متأثراً بالأخوين، وفيما بعد ابتكر خطه الخاص، وهنا كانت عظمته، حيث كان نفسه. شخصيته المرحة نلمسها في ألحانه، “كان الزمان وكان” مثلاً أغنية فيها ضحكة. إن اغمضنا أعيننا سنسمع الضحكة مع الموسيقى. هو موسيقي غزير، فإلى الموسيقى التصويرية للأفلام والمسلسلات، صنع كماً كبيراً من الإعلانات باتت ملازمة للناس في لبنان وباقي الدول العربية. وكان المنتج الذي يعلن عنه يستمر لسنوات طوال نظراً لنجاحه كلاماً وموسيقى وتصويرا.
*كيف تمكن من نسج شخصية فنية كبيرة إلى جانب أخوين عملاقين في الفن؟
**يقول جان ماري رياشي: نعم تميز. وجد الأخوين ولبنان يحتاجهما فنياً، وفي أجمل الأوقات. فالموسيقى تحتاج الاستقرار وتشكل صورة عن المجتمع. في ربوعهما نشأ الياس، وكبر متلمساً نقصاً في زاوية موسيقية ما. وفي حين كان إنتاج الأخوين بمعظمه لفيروز، لمس الياس طلباً على نوع من الموسيقى لم تقدّم بعد، وفتح بابه لعشرات الأصوات ومئات الأغنيات التي حملت صفة السهل الممتنع. فكان إنتاجه عظيماً في الأغنيات وموسيقى الأفلام والمسلسلات.
متواضع والنكتة رفيقه
رونزا الأستاذة في المعهد الوطني للموسيقى والفنانة اللبنانية التي بدأت أولى خطواتها مع الياس الرحباني صنّفت الأغنيات التي اختارها المعهد من ريبرتوار الياس الرحباني ضمن المنهج “تقع ضمن خانة الأغنيات اللبنانية التي وجدت طريقها للشهرة منذ حوالي الخمسة عقود”.
وعن لقائها بالياس الرحباني تقول رونزا: بدأت عبر قريب لوالدي على صداقة حميمة معه. كانت شقيقتي أمال طنب بصدد تسجيل معه في استوديو بعلبك ورافقتها لكوني في عطلة مدرسية. كان بصدد تسجيل أغنية لمغني فرنسي من أصل لبنان، واحتاج لـ”إيفيه” فوكاليز. أخبره شقيقي بإجادتي للطبقات العالية وقدرتي للإيفاء بالمطلوب. تفاجأ، عندما نظر لي ووجدني صغيرة جداً. علّمني ما يريده وسجلته. وهذا شكل لقائي الأول به. ومن حينها بدأ يطلبني لتسجيل أغنيات للأطفال وسجلت صولو أغنية “فصول السني” أو اسكتشات لطيفة للإذاعة اللبنانية. كما سجلت معه بعض الإعلانات.
وتعود رونزا بالذاكرة إلى لقائها بعاصي الرحباني وتقول: خلال زيارتي الأولى لأستوديو بعلبك وتسجيل الـ”ايفييات” صدفة، كان عاصي بصدد عمل في الأستوديو نفسه فعرض عليه الياس أن يسمع صوتي وشكلت مفاجأة له. وكانت شقيقتي أمال قد بدأت العمل مع الأخوين رحباني في مهرجانات بعلبك، فطلب منها أن تأذن والدي انضمامي للعمل معهم. وكان ذلك في مسرحية “ناطورة المفاتيح”. وهكذا شكّل الياس المقدمة للعمل مع الأخوين رحباني. كما سجّلت مع الياس العديد من الأغنيات في الإذاعة اللبنانية وبخاصة في برنامج “ساعة وغنِّية”.
تصف رونزا علاقة الياس الرحباني بالفنانين بالقول: يشبه بطيبته ما كتبه ولحنه في سي دي الأطفال. إنسان لم يخلق الله مثيلاً له في السلاسة. شخصية بسيطة، متواضع والنكتة رفيقه الدائم. لم تكن اللقاءات بيننا كثيرة، وحين حصولها بحضور زوجته وولديه يغلب عليها الطابع العائلي. لدى الياس الرحباني قلب يفيض طيبة، وفاض أثر مع تقدمه بالعمر.
وكأستاذة في المعهد الموسيقي تصف رونزا الياس الرحباني بالقول: نجح في خلق شخصية فنية مستقلة له عن أي شخص آخر. استقلاليته صنعت شهرته إلى جانب أخوين كبيرين في الشهرة. باتت له نغمته التي نعرفها مباشرة. حكى الياس وصاغ الأغنية الشبابية العابقة بالفرح والبراءة والتفاؤل. حتى أغنيته الحزينة فيها لمسة تفاؤل لأنه كذلك.
مبدع استثنائي
حضرت عبير نعمة متبارية في برنامج سوبر ستار أمام الياس الرحباني كرئيس للجنة التحكيم. حكم لم يجرّح بأحد. درب عبير الفنية معه امتدت لسنوات، وتركت لديها أثراً كبيراً. تقول: الياس الرحباني صنع الموسيقى والفرح معاً، مبدع استثنائي وصاحب إرث وقلب كبيرين. هو فنان كبير ميزته وجهه الرضي وقلبه المُحب. وجهه دائم الضحكة والبسمة، وله قلب طفل. قد يكون الفنان الذي حقق هذا القدر من الشهرة بخيلاً في عاطفته حيال الآخرين. وقد يكون فوقياً أو متنمراً في رأي يُطلب منه. بينما الياس الرحباني كان فائق التواضع مع الكبير والصغير، يعطي رأيه بمحبة. معادلته الذهبية أنه يعامل الآخرين كما يحب أن يعاملوه. ترك إرثاً هائلاً من الأعمال الموسيقية والمعزوفات. إلى جانب عدد مماثل من الأغنيات والألحان من فرانكو أراب أو عربية أو غربية. سبق ووصفت اختباري الموسيقي معه بالقول أنه قدّم لي ما لا يمكن لغيره فعله. كنت في خطواتي الأولى حين حقق حلمي بأن أمثِّل وأغني معاً. حمّلني مسؤولية عمل مسرحي غنائي كبير “الأندلس جوهرة العالم” الذي عُرض في قطر. ومن ثم أولاني بطولة مسرحية “إيلا” التي عُرضت في لبنان. وهو من مهّد لي الطريق نحو أعمال مسرحية أخرى، ومنحني الثقة بالذات.
ما هي النصيحة التي لا تزال ماثلة أمام عبير من الياس؟ تقول بعد تنهيدة حزينة: كان كريماً في تعبيره ويحب صوتي. ليس لي تكرار ما قاله فصعب أن يحكي الإنسان عن نفسه. يمكن الاختصار بالقول أنه غمرني بتقديره ومحبته. لم يخف مشاعره حيال ما يحب، أو رغبته بالنقد البنّاء النابع من المحبة. كرم اخلاقه حيال من يتعامل معهم تميزت به عائلته الصغيرة من السيدة نينا إلى غسان وجاد.
وكما نشأت عبير نعمة على أغنيات الياس الرحباني للأطفال كذلك فعلت مع ابنتها. تقول: “عمي بو مسعود” لا حدود لجمالها. نجحت كافة أغنياته للأطفال ولم تذبل رغم مرور السنين. ففي داخل الياس الرحباني طفل كبير فرِّح.
كلمات مستوحاة مما يلعبه الأطفال
الأستاذ الجامعي ومؤسس مسرح الدمى في لبنان كريم دكروب تحدث عن من الفرح والتسلية التي قدمها صانع الفرح الياس الرحباني للأطفال من خلال الأغنيات التي كتبها ولحنها. قال: أتحدث عن ذاكرتي الخاصة خلال الطفولة وما تركه سي دي “حكايات وأغاني للأطفال” في نفسي. دخلت تلك الأغنيات في خانة الرديات التي سمعناها من أجدادنا كما “طاق طاق طاقية”. “عمي بو مسعود” تُشبه العديات الشعبية، فهي شكلت جزءاً من وعي الطفولة وما تزال. قلة من المبدعين تلتفت للأطفال على صعيد العالم أجمع، وحدهم الكبار يولونهم الاهتمام ويخصونهم بإنتاج، وهذا ما يُعتبر قوة وحكمة لديهم. فالعودة إلى أصول الأشياء وبساطتها ليست أمراً سهلا، وقلة تتمكن منها.
هل وجود الأطفال في حياة الفنان يُحفّزه لتقديم عمل لهم؟ يقول دكروب: لست مُطلعاً على حوافز الأستاذ الياس الرحباني، لكني أرجّح ذلك كون ولديه غسان وجاد شاركا في تسجيل بعض تلك الأغنيات. مراقبة الفنان لنمو أطفاله يمده بأفكار جمة دون شك.
ويقرأ كريم دكروب في كلمات اغنيات الأطفال للياس الرحباني ويقول: طابع الفن الرحباني بدءاً من الأخوين، إلى الياس وفيما بعد زياد، وهو البساطة الشديدة المعروفة بالسهل الممتنع. كلام بسيط ولذيذ وسهل ويشبه كلامنا اليومي، وفي الوقت عينه يحمل أبعاداً جميلة كما “عمي بو مسعود عيونو كبار وسود بياكل ما بيشبع عمي بو مسعود”. إنها كلمات مستوحاة مما يلعبه الأطفال، وفي الوقت عينه منسقة بجمال، لحنها لطيف والميلودي ناعم وسهل الحفظ. أعمال ليست بمتناول الجميع، وتحتاج لقدرات إبداعية كبيرة موجودة لدى الياس والأخوين رحباني.
وأضاف: من عاداتنا السيئة أننا نتذكر الأشخاص حين يرحلون. كان الياس الرحباني بيننا ولم نكن نذكر إنتاجه. ربما لطغيان فن الأخوين كونهما مؤسسة كبيرة دخلها أعمال لفيلمون وهبة، والياس الرحباني، وأيلي شويري، وملحم بركات وغيرهم من شعراء وكتّاب وموسيقيين. وصوت فيروز حقق حضوراً حال دون البحث عن مميزات هذا وذاك من الفنانين. ولدى البحث يدرك أحدنا مدى الحضور الجميل والخاص، والفرح والفكاهة والبساطة في إنتاج الياس الرحباني. الجميل نثره للفرح ظهر في العديد من الإعلانات التي ما زلنا نحفظها. فعالم الدعاية والإعلان في إنتاج الياس الرحباني كان محترماً وجميلاً.