يصادف يوم الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول 2025، مرور عام على رحيل الأديب اللبناني المنتمي لفلسطين إلياس خوري. رحل خوري في زمن الإبادة والحرب الهدّامة، في الوقت الذي ما زلنا فيه فلسطينيا، نبحث عن تسمية وأوصافٍ لائقة بحجم الفاجعة التي نعيشها. رحل خوري في هذه المرحلة الحساسة والفاصلة، تاركا لنا إصداره الأخير «النكبة المستمرة» الصادر عن دار الآداب عام 2024، نستعيد فيه صوته الذي كان له وقعه، صوتٌ لطالما ساند ظهور وقلوب الفلسطينيين.
جامعا أحد عشر مقالا وكلمة، كتبها في فترات ومراحل مختلفة من عام 2004 وحتّى عام 2023، بعد روايات عديدة أشهرها «باب الشمس» وعشرات المقالات والدراسات المخصصّة للقضية الفلسطينية، مختتما مسيرته بهذا الكتاب. يبيّن الإصدار رؤية خوري للمراحل المفصلية في القضية الفلسطينية، وعلو وصمت الصوت العربي والفلسطيني حول النكبة وتبعاتها، وصمم الآخر الإسرائيلي في آدابه تجاه ذات الحدث. في الوقت نفسه يبرز الكتاب فصلا من قصة خوري مع فلسطين، وانتباهه إلى النكبة التي لم تنته بدءا من زيارته في 16 سبتمبر 1983 لمخيم شاتيلا، للمشاركة في الذكرى السنوية الأولى لضحايا المجزرة، ليجد أنّ وجود مقبرة يمثّل انتصارا عند سكان المخيم، بسبب عجز عن دفن أحبّتهم عام 1948. استمر تشكّل المفهوم لدى خوري مع إجرائه المقابلات لأجل روايته «باب الشمس» ثمّ « ثلاثية أولاد الغيتو». حاول التعبير عن هذه الحالة في مقدمة الكتاب، التي كانت محاضرة ألقاها في جامعة بنسلفانيا، في أبريل/ نيسان 2023:
«هل الماضي حاضر؟ وكيف نضع حدا فاصلا بين زمنيْن متداخليْن؟ ولماذا يعود الماضي حين نروي حكايات الحاضر؟ ولماذا نجد أنفسنا في الحاضر حين نتذكّر؟
عندما نتحدّث عن النكبة فإنّنا لا نتذكّر حدثا جرى وانتهى في سنة 1948، لكنّنا نشير إلى مسار طويل بدأ في تلك السنة، وامتدّ بأشكال متنوّعة ومتعرّجة حتى اليوم. فالنكبة هي الآن أيضا، وهي نكبةٌ مستمرّة».
نُسب طرح مصطلح «النكبة المستمرة» للمرّة الأولى لحنان عشراوي، مستخدمة إياه في كلمتها في مؤتمر للأمم المتحدة عام 2001، ثمّ عمل جوزيف مسعد على تحليله في مقالة في صحيفة «الأهرام ويكلي» عام 2008، ثمّ استخدمه إلياس خوري في مقال يحمل هذا العنوان عام 2012، وبعدها تكرّر استخدامه وتوظيفه عند عدد من الباحثين والأدباء. نشهد تكريس هذا المصطلح مع تتويجه عنوان كتاب عند خوري، واصفا النكبة على أنّها حدث مستمر، لم تنته تبعاته مثلما كان حال الكارثة التي سببتها النازية، والتي جاء تعويضها بإقامة دولة لليهود، ممّا جعل الفلسطينيين في حالة أشبه بـ»يهود اليهود» حسب وصفه. فيما بقيت النكبة حاضرة كصدمة في الذاكرة والمخيال الفلسطيني دون معالجة بتوقف الألم وجبر الضرر، بل تعود للتمظهر بتشكلات جديدة في أربع مراحل لاحقة؛ من الاحتلال عام 1967، إلى اجتياح بيروت 1982، إلى الانتفاضة الثانية 2002، ثم حرب الإبادة 2023. وهذا الحدث لم يبق محصورا في الشأن الفلسطيني، بل له تأثيراته على الدول العربية المحيطة. والفشل العربي في احتواء النكبة برؤية خوري أثّر على النهضة العربية، لتتحوّل إلى عصر انحطاط جديد، والاستبداد قام بتحطيم المراكز المدينية، وأخذ المشرق العربي إلى الحضيض، التي وصلت إلى اتفاقيات إبراهام.
كرّر خوري في مقالاته ذكر المؤرخ السوري قسطنطين زريق، الذي كان أول من أطلق تسمية «النكبة» على الكارثة التي نزلت بفلسطين، عبر كتابه «معنى النكبة» المنشور عام 1948، هذا المصطلح الذي استعصى على الترجمة وصار مفردة في كلّ اللغات. وجد تسمية زريق نابعة من وعي عميق بالعجز العربي والفلسطيني عن مواجهة «الغزوة الصهيونية»، وضرورة الإصلاح السياسي والمجتمعي. منتقدا تسمية هيكل لهزيمة 1967 «النكسة»، التي هي نكبةٌ مخففة يمكن الخروج منها، متسائلا عن السبب الذي دفعه لهذه التسمية بدلا من الهزيمة؟ وشدّد خوري على مصلح «الحاضر الغائب»، الذي تحوّل إلى تعبير قانوني في إسرائيل، وأبعاد الإجحاف الذي يحمله المعنى. مشيرا إلى مصطلحات أخرى ولّدتها التجربة الفلسطينية، في المراحل اللاحقة مثل «الفدائي، الانتفاضة، الشباب، الشهيد». في إفراده مقالة عن إدوارد سعيد، ورؤيته لمسألة فلسطين كجزء من المشروع الكولونيالي في القرنين 19 و20، ووجوب قراءتها في إطار الخطاب الاستشراقي الذي شرقن الشرق، دون أن يحلّل أسباب النكبة، وإنّما تعامل معها كجزء من الغزو الكولونيالي. رأى خوري أنّ سعيد انطلق من مستويين في كتابه عن فلسطين، الأول: السعي لإظهار التجربة الفلسطينية بصفتها جزءا ملموسا من التاريخ، «جزء جرى تجاهله من قبل الصهيونيين والامريكيين والأوروبيين الذي لم يعرفوا ماذا يفعلون به». أمّا الثاني: اكتشاف الذات والعالم، كما وصفه سعيد «حاولت أن أصف ليلنا ويقظتنا البطيئة».
في استشهاده لما ذكره سعيد في الاستشراق، حول وصف المستعمِرين لحالات من سوء تفاهم، أو عدم المعرفة، حول ضحاياهم من المستعمّرين، واصفا عدم المعرفة كأداة سيطرة، من أجل صياغة صورة لحضارات حُرمت من هوياتها. رأى خوري أن فكرة فلسطين لا يمكن الوصول إليها إلّا بعد تحليل السرد الصهيوني، ووضعه في إطاره التاريخي، حتى يروي الفلسطينيون حكايتهم المضادة ويبنون وطنهم وهويتّهم.
بالتالي ووفقا لهذه الرؤية استشهد بالعديد من النماذج من الأدب الإسرائيلي، معاينا شكل ظهور وإقصاء الفلسطيني فيها، وأبعاد ذلك كأداة سيطرة. أشار إلى رواية الكاتب الإسرائيلي س. يزهار «خربة خزعة» الصادرة عام 1949، مبرزا صمت الضحية، لتبدو كشخصية فيلم صامت لا يخرق الصمت، إلّا صوت امرأة فلسطينية فقدت السيطرة على أعصابها. مقدّما نماذج أخرى، مثل رواية «إزاء الغابات» لـ «أ.ب. يهوشع»، الذي حضر عنده نموذج لعربي لا اسم له في القصة، وقريته الأصلية المدمرة فوقها غابة. و»رواية البستان» الرمزية لبنيامين تموز»-، فيها يقوم صراع بين شقيقين على امرأة خرساء ترمز للأرض. ورواية «ميخايلي» لعاموس عوز»- أظهر الضحايا فيها، أشباحا. تكرّر التركيز على النطق والسمع عند خوري في تحليله للسرد الإسرائيلي والفلسطيني؛ من إخراس الفلسطيني، والصمم الاختياري عند الإسرائيلي، الذي لا يريد أن يسمع، وظهور الفلسطيني كشبح، أو عدم ظهوره في الروايات الإسرائيلية. ومرور فترة أولى من الصمت الفلسطيني في الرواية، هذا الصمت الذي رآه خوري يتجلّى في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، والسؤال الكبير لماذا لم تقرعوا الخزان؟
فيقول خوري: «الألسنة لم تُقطع لكنّ الآذان اختارت الصمم، ربّما قد قرعوا ولم تسمعوا؟» ها نحن نشهد مقولته في نكبتنا المستمرة في غزة، فالألسنة أعيت لكثر ما نطقت واستصرخت، لكنّ الآذان صمّاء.
يأتي تميّز الكتاب بتكريسه لمصطلح «النكبة المستمرة»، وإعادة قراءة معاصرة وتحليلية للنكبة وأثرها، ولو لم يسارع أديبنا لأسباب شخصية في إصدار هذا الكتاب، ومنحه وقتا أطول في المراجعة والتحرير، لتجاوز بعض تكرار المعلومات في المقالات التي كُتبت في فترات مختلفة.
يُلحظ تكرار الاستشهاد بدرويش وسعيد وكنفاني في المقالات من بين الأدباء والمفكرين الفلسطينيين، وتلوح العلاقة الشخصية والصداقة، التي جمعت خوري بدرويش وسعيد في مقال «موت الشاعر»، الذي كتبه راثيا درويش، ومستذكرا سعيد، وصديقه سمير قصير اللبناني الفلسطيني الانتماء، معتبرا موتهم، موت أجزاء منه. بعد عام من موت الأديب إلياس خوري، تستشعر الثقافة الفلسطينية والعربية فقد جزء منها، وما هذه المراجعة إلّا محاولة وفيّة لاستحضاره.
كاتبة وباحثة فلسطينية