«ما تقدمه فلسطين للعالم» معرض في معهد العالم العربي مفتوح من أربع مناطق هي فلسطين وحيويتها
بيروت ـ «القدس العربي»: في الثلاثين من أيار/مايو الجاري يفتتح معهد العالم العربي في باريس إحدى أكبر فعالياته الثقافية، والمتمثّلة بأربعة معارض تنضح منها حيوية فلسطينية ذات حضور باهر. معرض يستمر لستة أشهر قابل للتمديد عنوانه «ما تقدمه فلسطين للعالم» يجمع بين التشكيل والفوتوغراف، والشعر والموسيقى والأفلام وحب جان جينيه لفلسطين.
إنه العام 75 لنكبة الشعب الفلسطيني واستعمار أرضه وطرده منها. كان رهانا استيطانيا احلاليا بمسح كلمة فلسطين من الوجود. لجئوا لوسائل كثيرة بدأت وتستمر بالمجاز والقتل. استعانوا بالزمن فلم يُسعفهم، فإذا بأجيال الشتات واللاجئين تزداد التصاقاً بالجذور، وتفعل المستحيل لتأكيد انتمائها لفلسطين أولاً وثانياً وثالثاً. فلسطين الآن كلمة وشعباً وحقاً وثقافة ترفرف في كل العالم. مؤيدوها هم غالبية الناس الرافضين للاستعمار والفصل العنصري والقتل. والراغبون بتجاهلها قلة من السياسيين والمؤثرين والحكّام معروفون بمعاداتهم للقضايا الأخلاقية في العالم.
مع السفير الياس صنبر المفوض بتنظيم المعرض هذا الحوار:
○ «ما تقدمه فلسطين للعالم» عنوان لفعاليات كبيرة في معهد العالم العربي. ماذا ستقدمون للناس مع مرور 75 سنة على النكبة؟
•»ما تقدمه فلسطين للعالم» عنوان لمجلة صدرت في باريس شارك في انجازها عشرات الكتّاب. عنوان يعني فلسطين ك»هبة» للعالم. في السنة الـ 75 للنكبة سنقدّم فعالية ثقافية من أربعة أقسام، تحكي عن حيوية الشعب الفلسطيني في جوانب لم تلق الضوء الذي تستحقه. بالطبع يتداول الإعلام والناس بشكل عام بحيوية النضال الفلسطيني، والمجتمع المدني وحيوية الأبحاث. ولهذا من المهم وعلى مستوى الحياة اليومية أن نوجه إليها الأنظار. وفي الوقت نفسه نحن أمام رهان بدأ منذ سنة 1917 رغم تعدد الآراء وتفاوت التواريخ بهذا الصدد. بعضهم يعيد الصراع إلى بدايات المشاكل بين الفلاحين الفلسطينيين وموظفي مزارع روتشيلد في الجليل، والتي سبقت صدور كتاب هرتزل الذي أسس لفكرة دولة اليهود في سنة 1897. إذاً كانت اشتباكات اجتماعية بالأصل وتحولت لاحقاً لقضية وطنية وقومية. عمر القضية يفوق المئة سنة رغم تعدد التواريخ لبدئها.
○ ولهذا تحدثت عن الحيوية؟
•بالطبع، فهي نفس دون كلل، وصمود تجاوز القرن. إنها أطول قضية وطنية ضد الاستعمار عبر التاريخ. نحن شعب صغير في وطن مساحته صغيرة، وحتى الآن يتمتع بصمود تاريخي. الرهان على قوة الحياة، وهي أقوى من الرهان على سيطرة العدوان والظلم.
○ وكيف ستتجلّى هذه الحيوية في فعاليات «ما تقدّمه فلسطين للعالم»؟
•من خلال المعارض، وستنظم حولها تباعاً أنشطة واسعة جداً بإشراف الأقسام الثقافية في المعهد. منها السينما، والندوات وغيرها، وستتناول الجانب التاريخي من قضية الشعب الفلسطيني.
○ في مرحلة التحضير والبحث عن المراجع التي تصلكم بالتاريخ والحيوية هل سارت الأمور بسهولة؟
•لم نواجه مصاعب على صعيد المراجع، وتمثّلت الصعوبة في الاختيار.
○ إذاً ماذا عن تحديد الإتجاه وكيفية إبراز حيوية المعارض نظراً لدفق المواد؟
•التفويض الذي أولاني إياه مدير معهد العالم العربي جاك لانغ بإدارة الفريق أتى في سياق مهامي المتواصلة منذ خمسين سنة. فكتبي جميعها محورها الشأن الفلسطيني. وكان التركيز على الحيوية والرهان، فنحن حيال شعب حي أعطى الكثير للعالم. في حين يتحرك صلب المعرض ضمن أربع «مناطق».
○ لنضيء على «المنطقة» الأولى؟
•هذه «المنطقة» معنية بالفن التشكيلي. الخيط الأول هو «معهد العالم العربي في فلسطين وفلسطين في معهد العالم العربي». المجموعات الفنية من لوحات ومنحوتات بنيت على العلاقة بين عدد منها، وبين علاقتها بفلسطين. وهي جزء من متحف معهد العالم العربي. وأخرى تُشكل جزءاً من مجموعة المتحف الوطني المستقبلي للفن الحديث في فلسطين. وهذا المتحف يتشكّل من أكثر من 400 قطعة قدّمها أكبر الفنانين في العالم تضامناً مع شعب فلسطين وقضيته. ولهذا نحن مع مجموعة أعمال هائلة من فوتوغرافيا، ونحت، وتشكيل، وأفلام سينمائية قدّمها جان لوي غودار ومنحنا حق عرضها. إنها مجموعة فنية كبيرة من الهبات، لتأسيس متحف تضامني مع فلسطين، وفي مقابله علاقة مع متحف معهد العالم العربي.
○ وماذا عن المنطقة الثانية من المعرض؟
•إنها منطقة الشعر. بنينا في المعرض قاعة «القصيدة». عادة نُكرّم محمود درويش بعرض دواوينه. في قاعة «القصيدة» وعلى مدى ساعة وثلث الساعة سيكون زوّار المعرض مع أمسية شعرية مصوّرة، تعود لسنة 1983 وسيتابعها الجمهور ملازماً مقاعد خُصصت للمناسبة. إنه صوت درويش الذي يشكّل خيطاً بينه وبين محبيه. فهو عندما كان يُلقي الشعر أمام ثلاثين ألف شخص لم يكن يبيع 30 ألف ديوان. قاعة «القصيدة» جميلة وتتضمّن قطعاً للخطاط الكبير حسن مسعودي، وأخرى لرشيد القريشي، وجميعها ينهل من قصائد درويش. إذاً الأرض الأولى فنية تشكيلية يقابلها صوت الشاعر.
○ وكيف سيكون الانتقال للمنطقة الثالثة؟
•ستشكّل علاقة بين المتلقي ومجموعة كبيرة من الصور القديمة تُعرض للمرة الأولى، وتحكي فلسطين خلال مرحلة الاستشراق في القرن التاسع عشر. صور جميلة للغاية لكنّ الاستشراق سلخها عن واقعها، ووجدها تجسيداً للتورات والأناجيل. إذاً هي فلسطين المبتكرة، جميلة كما صوّرها الاستشراق، لكنّها غير موجودة في الواقع. «منطقة» ستُحاط بدائرة أوسع وأكبر من النهضة الفوتوغرافية للمصورات والمصورين الفلسطينيين حالياً. فنحن حيال إنتاج راهن خلاّق على مستوى الفوتوغرافيا. والصورة التي اُخذت في فلسطين وتركت أثرها في العالم، مثّلت بلداً غير موجود في القرن التاسع عشر. فثمّة أجيال في العالم ترى في فلسطين الصور التي أرادها الاستشراق. والصور التي سنعرضها تتميز بالمستوى الفني العالي والإبداع. ولافت فيها العدد الكبير للنساء المصورات. وفي هذا المعرض نركز على الأشكال الحيوية من فلسطين.
○ وأخيراً «المنطقة» الرابعة؟
•وخصصت للكاتب العالمي جان جينيه القريب جداً من فلسطين. صُدفة كان في زيارة لليلى شهيد في بيروت حين حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا. انتشرت أخبار المجازر في المخيمات وقصدت ليلى شهيد المستشفيات لمعرفة الواقع، وفي هذه الأثناء توجه جان جينيه إلى مخيمي صبرا وشاتيلا مشياً. قد يكون أول أو ثاني من كشف المجزرة، وكتب نصه العالمي «أربع ساعات في شاتيلا». ونشرته مجلة الدراسات الفلسطينية أولاً. ويُعرف أن جان جينيه كان على علاقة هامة بالفهود السود وبالفدائيين الفلسطينيين، وأنه لم يكن له طوال حياته منزلاً، فقط كان يمتلك حقيبتين، وقبل وفاته بأيام سلّمهما لمحاميه رولان دومان، الذي كان حينها وزير خارجية فرنسا. لم يبح دومان بأمر الحقائب فقد كان راغباً بإصدار كتاب حول مضمونها، ولم يفعل. وقبل سنوات تواصل مع مركز في مدينة كان يسلّمه الكتّاب الفرنسيون وغيرهم أوراقهم لوضعها بمتناول الباحثين. ولدى فتح الحقائب تبين حجم محتواياتها الثمين وخصص معرض لها. باغت وباء كوفيد الجميع، والمعرض بعد ثلاثة أيام على افتتاحه. ولأن علاقة خاصة جداً تربط جان جينيه بفلسطين، بات جزءاً من روحية ورؤية المعرض في معهد العالم العربي.
○ وكيف ستدخل الحقائب في روحية المعرض؟
•سنعرض محتوياتهما، والتي ستكون مُحاطة بكافة ما نُشر لجينيه في مجلة دراسات فلسطينية. وإلى جانبها مخطوطات له نحتفظ بها، فهو على سبيل المثال أنجز نصاً سنة 1970 إثر أحداث أيلول الأسود في الأردن وكان في زيارته الأولى لعمّان ومكث ثلاثة أشهر. وكتب نصاً عن فلسطين سبق صبرا وشاتيلا وهو «الأسير العاشق». الصدى سيربط بين كل ما سبق. فنحن مع أحد أكبر كتّاب فرنسا وعلاقته بفلسطين، والصدى ناتج عن تلك العلاقة.
○ وفي ظل تزايد الإجرام الصهيوني هل من أمل في افتتاح المتحف الفلسطيني المستقبلي للفن الحديث في القدس الشرقية؟ وإن نجحتم فهل سيسلم؟
•لهذا المتحف سُلالة بدأت منذ الديكتاتور بينوشيه في التشيلي، حيث قررت مجموعة من الفنانين إقامة متحف باسم سلفادور الليندي الذي اغتاله بينوشيه. وكان نداء لفنّاني العالم المتضامنين مع الشعب التشيلي ضد الديكتاتورية بتقديم عمل فني. ردد الناس ما تفكرين به «ما هذا الوهم في ظل الديكتاتورية؟». الآن المتحف موجود في تشيلي. ثم كان مشروع آخر في جنوب أفريقيا، حيث دُعي الفنانون المتضامنون ضد التمييز العنصري لتقديم قطعة من أعمالهم بهدف إنشاء مُتحف وطني للفن الحديث في جوهانسبورغ. كان نيلسون مانديللا محكوماً بـ25 سنة سجناً. وجاء اليوم الذي ركب فيها الفنانون الباخرة مع أعمالهم الفنية التي فاقت الـ1000 قطعة وسُلّمت لمانديللا نفسه. المتحف الوطني المستقبلي الفلسطيني للفن الحديث سيكون في القدس في يوم مقبل.
○ هل ستزور رئيسة المفوضية الأوروبية معرض «ما تقدمه فلسطين للعالم» لتعرف أنها كانت مأهولة ومزروعة قبل احتلالها؟
•نأمل ان تفعل لتنال بعض الثقافة، كي تمتنع عن إطلاق تصريحات تجافي الواقع. بعد النضال الفلسطيني، وبعد هذا الزمن من المعيب أن يتحدّث أحدهم خلافاً للحقيقة. والعيب الأكبر أن يصدر الكلام عن مسؤولة بهذا المنصب. هو كلام دعائي، ورئيسة المفوضية تعرف أن فلسطين كانت مأهولة ومزروعة. والجميع يعرف الحقيقة وفي طليعتهم الصهاينة يدركون أن شعباً كان في فلسطين وهم ارتكبوا المجازر بحقه وشرّدوه. تدعي الصهيونية عدم ارتكاب أي جريمة في فلسطين، لأنها لم تكن مسكونة. والمؤسف أن رئيسة المفوضية الأوروبية طلبت من منتقديها الاعتذار. إنها الوقاحة.
○ ماذا عن الصور التي تعود للقرن التاسع عشر «عن الأرض المقدّسة المجمّدة في الزمن» والمطبوعة بتقنية الفوتوكروم؟
•تعود الفوتوكروم لصاحب مطبعة سويسري، طبّق تقنية الليتوغراف الذي أتاح له التعامل مع 15 لونا مختلفاً. لجأ إليها لمنح الألوان للصور التي سبق وجمعها. كان نظاماً معقداً، باغتته سنة 1900 شركة كوداك بطرح أفلام الجيلاتين وبالألوان في الأسواق. وكانت بسطية الاستعمال ورخيصة الثمن. العودة إلى الليتوغراف وعرض مجموعة من الصور بهذه التقنية للتأكيد بأن كيان الحركة الصهيونية في فلسطين دون جذور.
○ منذ عقود والفعاليات الثقافية تتوالى بشأن قضية فلسطين. كم أدى هذا إلى تراكم الوعي ونشره؟
•في زمن إحياء ذكرى النكبة الـ75 ففي البدايات كان الخطاب السائد ما من أرض اسمها فلسطين. إسرائيل أطلقت علينا لقب اللاجئين فقط، ومن لم يطردوا اسموهم عرب إسرائيل. بعد احتلال الضفة الغربية تحدثوا عن عرب المناطق. وسوّق الصهاينة بأن هؤلاء الناس حاولوا الاعتداء علينا حين أسسنا دولتنا، وحاربناهم. وقالوا بأننا بدو رُحّل. كانت عبارات استشراقية بالكامل. وفي سنة 2023 ما من محتل في فلسطين يستطيع نفي وجودنا. إنه جوهر التراكم التاريخي. والناس ستعرف يوماً ما دور ياسر عرفات الكبير في إعادة اسم فلسطين والفلسطينيين. لقد خرجنا من الغياب منذ زمن بعيد.
○ تقدمون للناس فعاليات واسعة ومتنوعة هل سيتاح للزائر ايفاء المعرض حقه بزيارة واحدة؟ وهل يمكن للزيارة أن تكون برفقة الأطفال؟
•يفرحني أننا نستقبل عائلات بكاملها. كنا نقيم سنوياً معرضاً من مقتنيات متحف الفن الحديث في فلسطين، وبعد السؤال عن سبب فرح الأطفال، وجدتهم يفخرون بأنه لدينا متحفاً. وهذا ما أراه مكافأة. إنها مشاعر الكرامة الإضافية لدى الأطفال «نحنا كمان عنّا». يستمر المعرض لستة أشهر، مع احتمال التمديد في حال النجاح.
الياس صنبر تصوير: أليس صيدولي
المعرض تصوير: جويل بالي