«الياقوتة» قصيدة بشرى البستاني نموذجاً: الشعر الحر والترف الثقافي

عبد الواحد لؤلؤة
حجم الخط
2

قارئ الشعر العربي الجاد ليس به حاجةٌ للتذكير بتعريف الشعر المتوارث من القرن الثالث- الرابع الهجري، بأنه الكلام الموزون المقفّى الذي يُفيد معنى، فإن لم يُفِد معنى فهو «تقطيعٌ وأوزانُ» مثل: كأننا والماء من حولنا/ قومٌ جُلوسٌ حولَهم ماءُ. ولكن أنواعاً جديدةً من الشعر الذي يخلو بعضه من الوزن أو من القافية، أو من كليهما معاً، بدأت بالظهور في الثقافة العربية في أواسط القرن العشرين، تأثّراَ بالغرب وبخاصة بالشعر في أمريكا وفرنسا. ففي عام 1855 ظهر في أمريكا كتاب بعنوان «أوراق العشب» من عمل والت وِتمَن قال إنه «شعر حُر» وهو كلام جميل يعّبر عن مشاعر شخصية منها ما يتعلق بمحبة الوطن أو الطبيعة، لكنه يخلو من الوزن والقافية وينتظم أسطراً متلاحقة تطول وتقصر حسب ما تتطلّبه الصورة أو الفكرة. إستهوى هذا النمط الجديد من الكتابة الشعرية بعض شعراء الحداثة في العالم العربي وبخاصة في بلاد الشام، فظهر في لبنان «جماعة شعر» في خمسينات القرن الماضي وراح بعضهم يكتب «قصائد من الشعر الحر» مثل توفيق صايغ، الفلسطيني-اللبناني، وجبرا ابراهيم جبرا، الفلسطيني-العراقي، وغيرهم. والملاحظ في كتّاب هذا النوع الجديد من الشعر أنهم يتمتعون بثقافة عالية ويتقنون لغة أجنبيةً أو أكثر وأغلبهم درس في جامعات أوروبية أو أمريكية. وكانت هذه القصائد تعتمد بشكل كبير على الأساطير من شرقية وغربية وعلى كثير من الرموز، مما جعل كتاباتهم تستعصي أحياناً على القارئ العربي متوسط الثقافة.
وقد انتشر هذا النوع من الكتابة إلى أوروبا في نهايات القرن التاسع عشر وبخاصة في فرنسا، فتطور على أيدي شعراء مثل بودلير ورامبو ومالارميه وظهر ما يسمى «قصيدة النثر» وهو كلام جميل بشحنة شعرية عالية ينتثر على الصفحة انتثار النثر، ولا ينقسم إلى أسطر، بل قد يتوقّف لبداية فكرةٍ في مقطع جديد. وقد أطلق الفرنسيون على هذا النمط الجديد من الكتابة الشعرية إسم poème en prose ترجَمَه أصحاب «جماعة شعر» اللبنانية إلى «شِعر بنثر» لكن هذه التسمية لم تستمر طويلاً فانقلبت إلى «قصيدة النثر» وبقيت كذلك إلى اليوم.
وقصيدة «الياقوتة» مثال ممتاز على قصيدة الشعر الحُرّ التي تتشكّل أسطرا ًمتلاحقة؛ وقد حسِبها بعضُهم من نمط «قصيدة النثر» وهذا غير صحيح، لأنها لا تنتثر على الصفحة طولا وعرضا كما تفعل قصيدة النثر. فالشاعرة الدكتورة بشرى البستاني، الأستاذة بجامعة الموصل بالعراق، تكتب قصيدة الشعر الحر هذه وتأخذنا في سياحةٍ مُدوّخة من الرموز والإشارات والإحالات التي لا تكاد تُمسك بأطراف بعضها حتى تجد نفسك في تلابيب رمز آخر، أخطبوطي الأطراف، مما يجعل قراءة الشعر عملاً ذهنياً مُتعِباَ لكثير منّا، ولكنّه يشجع على العودة إلى القصيدة مرّاتٍ ومرّات، لمواجهة التحدّي الذهني عند القارئ.
وعنوان القصيدة «الياقوتة» يثير السؤال الأول: ما هو الرمز في هذه الكلمة؟ يقال إن هذه الحجارة الكريمة تثير العاطفة وتقوّي الدم للحفاظ على الحياة. ولكن هل نقبل بما «يقال» ونحاول سبر أغوار الرموز الكثيرة في هذه القصيدة في محاولة للوصول إلى صورة متكاملة من الفهم؟ موضوع الحب لا يغيب عن هذه القصيدة التي تصوّر حبيباً يخاطب حبيبته، أو حبيبةً تُخاطب حبيبها، لكن الحبيب يتماهى مع المحبوب: الوطن، كما في الكثير من قصائد الشاعرة. ولكن الرموز لا تبقي على ما توحي به من معاني، إذ «تجلّت سماء /وغامت سماء -ويبقى أيها الوطن- الحبيب/ صدرك مُتكئي وملاذي». ويتطور الوطن المحبوب ليتخذ صورة إنسان لكنه يبقى وراء الغمام وتبقى العاشقة الشاعرة حريصة على جهلها برقم هاتف الحبيب لكي لا تسمع صوته فتَعتاده! أي شعر «ماورا طبيعي» تمثل هذه القصيدة، التي دونها قصائد جون دَن وأتباعه من الشعراء الإنكَليز في القرن السابع عشر؟
يقول الناقد الانكَليزي وليم إمبسن (1906- 1984) في كتابه بعنوان «سبعة أنماط من الغموض» إن النوع الأول هو استعمال المجاز في شكل الاستعارة التي تقدِّم شيئين أو شخصين في صورة واحدة، على أنهما شبيهان، لكنهما في الواقع مختلفان. والثانية تقديم اثنين من المعاني في صورة واحدة أي أنهما استعارتان في الوقت ذاته. نجد شبيهاً بهذا في قصيدة «الياقوتة» التي تبدأ «من جذور الكون» أي منذ بدء الخليقة، حيث كان الخروج من الجنّة هو «الهزيمة المظفّرة». كيف يجتمع الضدان في استعارة واحدة! لكن المعاني تتغير لأن ليس لها من معنى ثابت في حياتنا المعاصرة، لأن ليس فيها من تناسق ولا من حقيقة ولا من أمان. فالعاشقة تنادي الحبيب، الوطن، ولكن يضيع النداء. ولغة العاشق لا تبتعد عن اللغة المألوفة في كلام العشاق البعيدة عن الرموز. هنا وقوف على الشرفة بانتظار الحبيب، ورمي وردة حمراء على نافذة الحبيب إمعاناً في «أنسَنة» الوطن فيغدو كلام الحب مفهوما من دون استعارات.
لا أحسب أن هذه القصيدة «تعطي نفسها» للقارئ الجاد من القراءه الأولى، وأكاد أقول: من القراءة العاشرة! فازدحام الاستعارات وتكرار الصور وتنوّعها بالإشارة إلى الحبيب والمحبوب يكاد يغيّم على الصورة الرئيسة في القصيدة فيضطر القارئ إلى العودة إلى الاستعارات السابقة في محاولة لإيجاد نوع من التسلسل في تشكيل الصورة الكاملة. والسؤال الكبير هنا: هل أن هذا السعي في سبيل الإحاطة بثقافة شعرية، من الإتساع بحيث تستوعب مثل هذه القصيدة، يقع في متناول القارئ العربي متوسط الثقافة أو ما دون ذلك؟
كانت مسألة الغموض في الشعر تشغل بالَ البلاغيين والنقاد وبخاصة في القرن العشرين وما بعده. فهذا البروفيسور آي. أي. رتشاردز يقول في كتابه «فلسفة البلاغة» الصادر عام 1936: «إذا كانت البلاغة القديمة تعُدّ الغموض عيباً في اللغة وتأمل في الحدّ منه أو إلغائه، فإن البلاغة الجديدة ترى فيه نتيجةً محتومةً لقدرات اللغة ووسيلة لا غنى عنها في أكثر ما نقوله أهميةً، وخاصةً في الشعر والدين». ويقول أبرز تلامذته وليم إمبسن في كتابه «سبعة أنماط من الغموض»: «إن طرائق الغموض تقع في اللبّ من جذور الشعر». وقال ت. س. إليوت عام 1921 في مقالة بعنوان «الشعراء الماورا طبيعيون» في كتاب «مقالات مختارة»: «إن الحياة في القرن العشرين قد غدت معقّدةً بشكل خاص، فكان على شعر القرن العشرين أن يعبِّر عن ذلك التعقيد»… فما بالك أيها القارئ العربي المعاصر بتعقيدات القرن الحادي والعشرين! وفي مقالة بعنوان «وظيفة الشعر» يقول إليوت: «القارئ الأكثر نضجا ًلا يَحفل بمسألة الفهم، أو قُل ليس من أول قراءة. إن بعض الشعر الذي شغَفني هو شعرٌ لم أفهمه من أول قراءة، وبعضه شعرٌ لا أحسبني أفهمه حتى اليوم، مثل شعر شكسبير».
تُرى أين نحن من هذه المواقف لنقاد وشعراء من العالم الغربي، هم الذين صنعوا الحداثة في الشعر، ونحن الذين أخذناها عنهم، مثلما سبق أن أخذوا عنّا الكثير، بَدءاً بالشعر الغنائي في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، تحت مظلة الموشح والزجل، بمِهاد الشعر العربي المشرقي، وطوّروا فيه وصولاً إلى شكسبير وشعراء الرومانسية من بعده؟ ولكن في هذا الزمان العربي اللا يوصَف، هل لنا أن ننعم بمثل هذا الترَف الثقافي؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية