اليمين المتطرف: سنستغل فترة “بطة بايدن العرجاء” لتهيئة التربة لاستيطان شمالي القطاع

حجم الخط
1

قبل بضع ساعات على فتح صناديق الاقتراع لرئاسة الولايات المتحدة، أمس، تحدث وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، هاتفياً مع وزير الدفاع الإسرائيلي غالانت. في البيان القصير الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية، تم تخصيص جملة واحدة فقط لالتزام الولايات المتحدة بالدفاع عن إسرائيل من الهجوم الذي تهدد به إيران. وخصص باقي النص للمشكلة التي تشغل الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط في هذه الأثناء، وهي عمليات الجيش الإسرائيلي شمالي القطاع، والتشويش على إدخال المساعدات الإنسانية إليه.
قبل ثلاثة أسابيع، أرسل بلينكن ووزير الدفاع الأمريكي لويد أوستنـ رسالة شديدة اللهجة إلى غالانت ووزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، طلبا فيها من إسرائيل تنفيذ الخطوات لتحسين الوضع الإنساني في القطاع خلال ثلاثين يوماً، وحذرا من أن لغياب هذا الوضع تداعيات شديدة على إرساليات السلاح لإسرائيل. بعد ذلك، أمر نتنياهو الجيش الإسرائيلي سراً بإدخال 250 شاحنة مساعدات في اليوم إلى القطاع وفقاً لطلب أمريكا، وهو العدد الذي لا ينجح الجيش الإسرائيلي في تلبيته.
في غضون ذلك، أجاز الائتلاف في الكنيست قوانين لإغلاق مكاتب الأونروا، الأمر الذي أغضب الإدارة الأمريكية التاركة. ولكن بلينكن يقلق من الوضع القائم في القطاع. جاء في بيانه أنه حث إسرائيل على اتخاذ خطوات تزيد حجم المساعدات – الغذاء، المياه وما أشبه من الأمور الضرورية، للمواطنين في أرجاء القطاع كله. ودعا إلى إنهاء الحرب في غزة وإطلاق سراح جميع المخطوفين وإيجاد مسار يمكن المدنيين في غزة من إعادة بناء حياتهم وإعادة إعمار القطاع. جرت المحادثة بين بلينكن وغالانت بعد شهر تقريباً على بداية العملية بمستوى فرقة للجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا شمالي القطاع. وحسب قوله، قتل نحو ألف مخرب في معارك دارت في المخيم، وتم أسر 700 شخص من السكان المشتبه بعضويتهم في التنظيمات الفلسطينية. وتم إخلاء حوالي 55 ألف مدني من المخيم، وبقي فيه بضع مئات إلى جانب مجموعات صغيرة من مسلحي حماس. بقي بضعة آلاف من المواطنين في المدن الواقعة شمالي جباليا، بيت حانون وبيت لاهيا. كان “الإخلاء بالقوة”، قال، لحماية السكان. وقد سبق ذلك في البداية محاولة تخويف من قبل حماس، التي أطلق رجالها النار على الناس وقتلوا وأصابوا من أرادوا الهرب.
انتقادات الولايات المتحدة وأوروبا من عملية الجيش الإسرائيلي ثارت إزاء تقارير واردة من الميدان، تشمل قتلاً جماعياً للمدنيين (يقول الجيش إن حماس تضخم الأعداد عمداً)، إلى جانب تدمير البنى التحتية. وقفت في الخلفية أيضاً منشورات إسرائيلية حول “خطة الجنرالات” التي بلورها ضباط كبار في الاحتياط، دعت إلى طرد كل السكان الفلسطينيين بالقوة إلى النصف الجنوبي للقطاع، جنوب ممر نتساريم (منطقة “ناحل عوز”)، التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. هؤلاء الضباط طلبوا أيضاً عدم إدخال المساعدات الإنسانية إلى شمال القطاع.
يتنصل الجيش الإسرائيلي من علاقته بخطة الجنرالات، التي لاقت انتقاداً دولياً، لكنه في الواقع ينفذ جزءاً كبيراً منها. السكان لم ينتقلوا إلى جنوب نتساريم، لكن تم طردهم فعلياً من ربع القطاع الشمالي إلى جنوب جباليا، وربما حتى إلى مخيم الشاطئ الواقع إلى الجنوب بقليل. ويرافق هذا النشاط تدمير كثيف للبيوت والبنى التحتية من جباليا نحو الشمال، الذي يبدو أن البعض منه غير مرتبط مباشرة بالقتال. هذه التغييرات لا يمكن إصلاحها، وستحتاج إلى سنوات لإصلاحها، هذا إذا تم إصلاحها. هذا هو الانطباع الذي تولد بعد زيارة للميدان.
أهلاً وسهلاً بالقادمين إلى “إيلي عزة”

بين كيبوتس “نير عام” و”سديروت” وعلى هامش الطريق تحت الجسر الذي يمر عليه القطار، يمكن رؤية منشأة وضعت فيها خيام. بنظرة أولى، تبدو المنشأة مثل مخيم للكشافة. وضعت لافتة كبيرة على مدخل هذا المخيم، كتب عليها “إيلي عزة”. وحظي هذا المكان بالنشر عنه في ويكيبيديا، الذي يدور الحديث بحسبه عن “مستوطنة غير قانونية أقيمت قرب “كيبوتس ايرز” على يد نشطاء من اليمين، الذين يريدون إقامة المستوطنات في قطاع غزة”.
منذ فترة غير بعيدة، كانت فكرة العودة إلى الاستيطان في غزة للمتطرفين في اليمين. “شباب تلال” ضائعون تركوا المزارع المعزولة والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية وجاءوا إلى الغلاف للاستفزاز والضغط على المستوى السياسي والعودة لإقامة المستوطنات التي تم إخلاؤها في عملية الاستيطان. ولكن ما ظهر كفكرة خيالية قبل سنة لعدد من المتطرفين، أصبح في الأشهر الأخيرة بؤرة يحج إليها الحاخامات وأعضاء الكنيست ونشطاء من اليمين المتطرف.
على مسافة غير بعيدة عن المخيم ثغرة في الجدار الحدودي الذي تدخل منه قوات الجيش الإسرائيلي إلى شمال القطاع. بعد السفر مئات الأمتار في أراضي القطاع، ظهر أن النشطاء في هذه الخيام قريبون أكثر من تحقيق الحلم مما يعتقد الجمهور الواسع. لم يبق في العطاطرة وبيت لاهيا أي بيت يمكن العيش فيه. المنطقة تظهر وكأن كارثة طبيعية حدثت فيها. ولا يظهر بين الأنقاض أي من المواطنين، وكجزء من محاولة لطردهم فإن الجيش يطلق النار من الرشاشات نحو المنطقة ليلاً وإلى مناطق مفتوحة. المواطنين الذين يريدون العودة لا يمكنهم ذلك لأن الجيش يمنع ذلك. باختصار، الاسم الذي يعطيه الجيش الإسرائيلي للعملية غير مهم. ولكن الجيش بدأ مرحلة التطهير في شمال القطاع من خلال الاستعداد للاحتفاظ بالمنطقة لفترة طويلة.
يمكن رؤية شاحنات ومعدات هندسية على طول الطريق تعمل على تدمير المباني القريبة من الشوارع، وشق طرق واسعة بدلاً منها تستهدف السماح بحركة أكثر أمناً وسهولة للقوات في المنطقة. العقيد ينيف بروت، قائد لواء “كفير”، تولى المسؤولية عن منطقة العطاطرة وبيت لاهيا، ويقول بأن المهمة التي تحملها هي مواصلة العثور على والمس ببنية حماس التحتية الإرهابية ونشطائها. وحسب قوله، لم يعثر في العملية الأخيرة على بنى تحتية تحت الأرض أو سلاح ثقيل أو مواقع لإنتاج السلاح. تمشط القوات الآن البيوت في محاولة للعثور على مسلحين وسلاح.
الواقع على الأرض يدل على أن الجيش الإسرائيلي ينفذ عملية تقسيم لشمال القطاع إلى قسمين على مرحلتين: الأولى شطر الجيش الإسرائيلي القطاع إلى شطرين في منطقة “ناحل عوز”. ويتم الآن في المرحلة الثانية تقسيم شمالي القطاع إلى قسمين. لا يسمح للسكان بالعودة إلى المناطق التي تم إخلاؤها، وحتى في المناطق التي انتهت فيها نشاطات الجيش الإسرائيلي.
تم تعزيز لواء “كفير” بالكتيبة 71 من اللواء 188، الذي يحارب على الحدود مع لبنان منذ كانون الثاني الماضي. حقيقة أن الجيش الإسرائيلي يرسل قواته للقتال في الشمال، خاصة كتيبة دبابات، لصالح السيطرة على المنطقة الموجودة في الجنوب، ربما تشير إلى نية المستوى السياسي التوصل إلى إنهاء القتال في الشمال والاستعداد لوجود طويل في الجنوب.
المحاكمة ومشكلات أخرى
بشكل عام، تدل عمليات الجيش الإسرائيلي على محاولة وضع حقائق على الأرض لفترة طويلة. لا يوجد في الجيش أمر ثابت أكثر من المؤقت. إضافة إلى التوتر المتزايد مع المجتمع الدولي، فمن المتوقع ازدياد التوتر في فترة “البطة العرجاء” للإدارة الأمريكية، بدون صلة بنتائج الانتخابات، واستمرار العمليات في شمال القطاع قد ينزل ضربة شديدة بالاتصالات حول عقد الصفقة، ما سيزيد الخطر على حياة المخطوفين المحتجزين في القطاع، الـ 101 جندي ومدني.

الجيش الإسرائيلي لا يعمل هنا في فضاء فارغ، بل حسب تفاهمات صامتة مع المستوى السياسي. ويتعزز الانطباع بأن نتنياهو يعمل بشكل متعمد لصالح شركائه في اليمين المتطرف. فقد أعلن قبل بضعة أشهر في مقابلة مع القناة 14 بأنه يؤيد إعادة بناء المستوطنات في القطاع، لكن هذا هو كل ما يهم حزبي “قوة يهودية” “الصهيونية الدينية” في الحرب، حتى بثمن حياة المخطوفين. وحقيقة أن هذه الأحزاب تستخدم ضغطاً مشابهاً لاستمرار الحرب في لبنان – التي يبث نتنياهو توقعات متفائلة حول إنهائها بعد بضعة أسابيع، إنما تدل على سلم أولويات هذه الأحزاب الحقيقي.
خضع نتنياهو لضغط المستوطنين لأنه -حسب رؤيته- لا يوجد أمامه خيار آخر. ويأمل أن يساعده التحالف السياسي معه في البقاء في الحكم، وفي الوقت نفسه تأجيل تقديم شهادته في محاكمته الجنائية المتوقع أن تبدأ مطلع الشهر القادم. ولتأجيل التجنيد، فقد تم حشد التهديد على حياته أيضاً، وهو الأمر الذي يحرص على التأكيد عليه منذ أطلق حزب الله طائرة بدون طيار تفجرت على نافذة غرفة النوم في منزله الخاص في قيساريا في منتصف تشرين الأول الماضي.
أثناء ذلك، يغرق نتنياهو ومكتبه في مشكلات أخرى. وليس واضحاً إذا كانت هذه المشكلات تعرض حكمه بشكل مباشر، لكنها بالتأكيد تزيد التوتر والخوف في أوساط مساعديه ومستشاريه. في التحقيق الذي أجراه “الشاباك” في قضية سرقة المعلومات الاستخبارية السرية من قسم استخبارات الجيش الإسرائيلي واستخدامها لغرض الحملة ضد عائلات المخطوفين، وقد تم حتى الآن اعتقال أحد المتحدثين وهو أيلي فيلدشتاين. وربما سيتم التحقيق مع مساعدين آخرين. اليوم، سمح بالنشر أن الشرطة تجري تحقيقاً يتعلق بأحداث حدثت منذ بداية الحرب في مكتبه. في الخلفية يوجد ما نشرته “يديعوت أحرونوت” عن شكوى في الشرطة قدمها السكرتير العسكري لنتنياهو في حينه، الجنرال آفي غيل، للاشتباه بمحاولة تغيير محاضر جلسات.
عاموس هرئيل وينيف كوفوفيتش
هآرتس 6/11/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية