صدرت مجموعة «الأرواح الحائرة» لنسيب عريضة بطبعتين. الأولى في نيويورك بعد وفاته بأسابيع عام 1946. وقد خانه الحظ ولم يكتب له رؤيتها، وستضاف هذه الغصة لجملة من الخسارات، التي جعلت نعيمة يطلق عليه لقب «شاعر الطريق».
أما الثانية فصدرت في بيروت عن مكتبة بيسان، مع مقدمة مهمة لميشال جحا*، وأقل ما يقال عنها إنها توضيحية، وضعت الشاعر الراحل في مكانه الصحيح بين أدباء المهجر، وشعراء سوريا، وداخل المؤسسة التي حملت على عاتقها هم تحديث العقل العربي وتوطينه.. وأقصد هنا الرابطة القلمية.
ومثلما جاء في المقدمة تضافرت عدة ظروف لتدفع بعريضة على طريق تقاسمته أسباب الإنكار الإيماني. بمعنى أنه كان ينكر ما يعتقد به ولسبب واحد: أن عقله في مكان وقلبه في مكان آخر. فقد كان متعلقا ببلاده سوريا، ولكنه مضطر في الوقت نفسه للحياة في الغربة. ولي ملاحظتان حول هذه النقطة.
*الأولى أنه لم يكن من وجود لسوريا بالمعنى الحديث لهذه الكلمة، فالجغرافية الوطنية والسياسية للشرق الأوسط لم تكن حينذاك مستقرة، وكلمة سوريا قد تعني بالتخصيص بلاد الشام، وبالتعميم شرق المتوسط. وبالنظر لتاريخ ولادة عريضة عام 1887 في حمص ثم تاريخ هجرته منها عام 1905، يتأكد لنا هذا الالتباس بالحدود. زد على ذلك أن يوم الوفاة تصادف مع يوم استقلال سوريا، ويمكن القول إن ظهور مجموعته كان نتيجة هذا المخاض العجيب، فقد أشر إلى موت إنسان مغترب، وولادة شاعر، وتأسيس جيوبوليتيكا جديدة. وإن لم تكن القصائد بحد ذاتها ذات أهمية فائقة، فهي على الأقل مؤشر إلى بداية مشروع سيبدل من تاريخ ومصير المنطقة كلها.. بعبارة أوضح: هذه المجموعة نقطة تحول من تفكك سنجق سوريا العثماني، إلى ولادة الحدود الإدارية لدولة برلمانية ناشئة.
وإذا لم تسعف نسيب عريضة أدواته الشعرية للتعبير عن هذا المخاض، فقد تكفل بالمهمة آخرون من داخل الرابطة، مثل نعيمة، ومن خارجها مثل أمين الريحاني. وربما تجد الصورة أوضح ما يكون عند الريحاني، في روايته «كتاب خالد» – وهي رحلة تبدأ من الشك إلى الإيمان. بطريقة تجليات الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال». فالريحاني كان دائما يتبع نقطة النور التي تنبلج من داخله، والتي قادته نحو المعرفة «الغرب الأمريكي» ثم نحو الذات «الوطن الأم»، عن السياسة وهمومها، ويعبر عن حالة فقدان وضياع، أكثر مما يدل على موقف كفاحي أو انتماء وطني. وبتعبير جوليا كريستيفا: لم يكن عريضة يدرك معنى الوطن إدراكا كاملا، ولكن فهمه بطريقة جزئية، وبشكل هدف نرجسي يصعب تحقيقه (كما ورد في «الشمس السوداء»). وأفهم من ذلك أنه كان يعاني من حالة وجودية، وليس حالة وطنية، حتى أنه كان يتردد في كتابة اسم بلده الغالي والمحبوب (مرة سوريا – بألف ممدودة. ولها مدلول حضاري – ومرة سورية – بتاء مربوطة – وهي ذات مضمون أو محتوى سياسي حديث).
وغني عن القول إن العنوان يدل أيضا على هذا الإبهام والتردد. وأغلب الظن أنه محاكاة لكتاب جبران «الأرواح المتمردة» الذي صدر عام 1908 مع استبدال الثائر والمعارض بمفردة عدمية تدل على الشك فقط. وعموما كان نسيب عريضة مغرما بجبران، وخصص له، في مجموعته، عدة قصائد تراوحت بين المديح والرثاء، مثل قصيدة «الشاعر» التي يبارك فيها بصدور «دمعة وابتسامة»، وقصيدة «عم صباحا»، التي ألقاها في أربعينيته .
بوجيز العبارة لا يوجد أي وعي هوياتي ولا حضاري عند نسيب عريضة، ورسالته لم تكن معرفية على الإطلاق، ولم تحمل أي أجندة سياسية. وبلغة النقد الكلاسيكي يمكن أن تقول إنه شاعر مطبوع أو شاعر «اللحظة». ولو استمر على قيد الحياة، أعتقد أنه سيكون مشاركا في مشروع مجلة «شعر» التحديثي الرائد، ولن يدخل في إطار المشاريع الوطنية الملتزمة مثل مدرسة مجلة «الآداب» لسان القوميين العرب، أو «الثقافة الوطنية» لسان حال رابطة الكتاب السوريين.
كان عريضة شاعرا شموليا تحركه ألغاز وجودية غامضة، وليس مشاكل مجتمعانية محددة. وبسهولة يمكن أن تقارن بين ذاته الشعرية مع الذات السردية لكامو، وبالأخص في «الغريب» و»الموت السعيد».
وكما لاحظ ميشال جحا كان عريضة شاعرا شموليا تحركه ألغاز وجودية غامضة، وليس مشاكل مجتمعانية محددة. وبسهولة يمكن أن تقارن بين ذاته الشعرية مع الذات السردية لكامو، وبالأخص في «الغريب» و»الموت السعيد». فحياته تجري بطريقة أوتوماتيكية، بدون أي مضمون كأنه يبني قصرا من الرمال. وكانت تفترسه آفتان: الشك الوسواسي واللامبالاة، مثل كل أبناء جيله من المحدثين العدميين، ولكن إن وجد كامو طريقة ليرد بها على سوء تفاهمه مع وجوده، واختار التمرد على قوانين حضورالواقع، ليهرب من مشكلة التفكير بالموت، اختار نسيب عريضة أن يتوقع موته، وأن يكلمه كما في قصيدة «على قبري»، و»صلاة الأموات» التي ألقاها في عيد الراقدين، وأخيرا «ركب النفوس»، وهي لوحة متشائمة وحزينة عن لياليه المتسارعة، التي يتوسل إليها كي تتمهل. وخلال هذه الحواريات كان يعنى عناية خاصة بالاختلاف، مع الرتابة على حد تعبير ميشال جحا، وذلك بتنويع الإيقاع وبتناوب المشاهد (من واقع موضوعي مشرق – لواقع نفسي مضطرب).
*النقطة الثانية أنه كان شاعرا مألوفا، لم يأخذ الدنيا غلابا. ولا أقصد أنه ابتعد عن المكافحة في سبيل البقاء، بل لم يحدد مصيره. ويلخص ذلك ببيت شعر واحد في قصيدته «صرخة إلى الوادي» وفيه يصور حياته مثل: شراع أمل ممزق – والرياح عليه تعدو. ويكفي أن نعلم أنه حجز تذكرة سفر إلى موسكو، ثم سافر إلى أمريكا بسبب اندلاع شرارة الحرب العالمية.
كتب عريضة قصائد المجموعة كلها في بلاد الغربة (أمريكا – الطوف العائم كما أشار لها في أكثر من مناسبة) وذلك بين عامي 1912 و1936. وخصص حوالي ربعها الأخير لرثاء أخيه، وما تبقى توزع على الموضوعات التالية: سوريا وقد وردت 4 مرات بمعنى الأم والعائلة والبيت الدافئ.. حمص ذكرها مرتين..
جبران وقد ورد 3 مرات في سياق تراجيدي.. وفلسطين مرة ببكائية تكسر القلب. والشيخ عبدالله البستاني مرة يتيمة أيضا، وهو روائي ولغوي لبناني مجدد توفي عام 1930. ووليم كاتسفيلس، وهو مستشرق ورحالة لبناني من أصول يونانية، وكان من بين مؤسسي الرابطة. وما تبقى توزع على شعراء روس ترجم قصائدهم (بطريقة تمصير المنفلوطي لعيون الأدب الفرنسي). ولكن يجب أن لا يفوتني هنا التذكير ببيضة الديك، وهي قصيدة «احتضار أبي العلاء»، فهي في رأيي أول دراما شعرية مكتملة الأركان بعد «المروءة والوفاء» لخليل اليازجي. كتب اليازجي مسرحيته عام 1876وعريضة عام 1927 وتكونت من 76 وحدة حوارية ذات حبكة وشخصيات وخاتمة وأحداث، تتطور بشكل فصول ومشاهد على التسلسل.
وأعتقد أن هذه هي أول نقطة اختلاف منهجية بين عريضة ومعلمه جبران. وعموما كان انحيازه لجبران عاطفيا وليس عقلانيا. كان هدف جبران الرسالة الروحية للشاعر النبي أو الرسول، فقد حمل قناعة عميقة أنه صاحب رؤية، وكان حريصا في كل مناسبة على مخاطبة أرواح غيره لتبديل قناعاتهم، لكنه كان نبيا محكوما بالموت سلفا، ومخلوقا للتضحية، وليس وراءه مشروع سردي (على غرار زرادشت نيتشة مثلا)، بل اكتفى بخطاب مونولوجي تجريدي يكتشف فيه خبايا روحه. وعليه لم يكن جبران، كما تروج بعض القراءات، واعظا ومربيا، ولكن حاملا للوصايا أو للتعاليم الانقلابية التي تذكرنا بكل دين جديد وبإشكالية تجلياته وظهوره. أما عريضة فقد كان على الضد منه، اعتمد على الطريقة الروسية في المتابعة والمشاهدة، ولم يعول على بصيرته. وهذه هي نقطة التقائه الوحيدة مع رفيق دربه الثاني نعيمة، فقد اهتم مثله بالتفاصيل، وتحرر من لامحدودية ولا تناهي الأرواح، واستبدلها بتعبير أوضح وهو النفس. وكان يؤمن إيمانا لا يطاله الشك أن الروح ميتافيزيقا والنفس مادة. وفي رأي ميشال جحا هذا موضوع في غاية الأهمية، فقد وردت كلمة نفس 9 مرات في مجمل القصائد، ولكل مرة سياق أو دليل إن استعملنا مصطلحات النقد البنيوي. ومن هذه الدلائل: نفس الشجاع، نفس الجبان، نفس المنادى، نفس المتكلم، إلخ..
ومن الواضح أنها كانت مقسمة بين صفات سلبية وصفات إيجابية، أو بين الأسود والأبيض. وربما أراد من وراء ذلك أن يرمز لصراع الغرائز المدمرة والبناءة ولأصل الحياة ونهايتها. وهذا، كما يضيف جحا في خاتمة مقدمته، يرفع نسيب عريضة من مصاف الشعراء العاديين لمستوى ابن سينا الشيخ الرئيس.
وإذا كنت لا أستطيع أن أقبل وجود علاقة فلسفية وذهنية بين الاثنين، لكن ابن سينا، وبتعبير ميشال جحا حرفيا، هو الوحيد الذي سبق عريضة لهذه الاستعمالات في قصيدته المشهورة «هبطت إليك من المحل الأرفع» حيث أن النفس لعبت دور مرآة يرى بها الشاعر ما يدور في داخله من تناقضات وعجائب.
«الأرواح الحائرة» تقديم ميشال جحا ـ مكتبة بيسان ـ 304 صفحات ـ بيروت ـ 2018.
كاتب سوري