امتلاك الحقيقة بين الدكتاتور ورجال الدين

من أهم وأبرز ملامح النظم الديكتاتورية، أن الحاكم يرى نفسه هو الذي يمتلك الحقيقة. والأمر نفسه نراه عند الكثيرين من رجال الدين، فهم وحدهم من يمتلكون الحقيقة. والتاريخ يلخص المسألة في أن الأول طبعا يفعل ذلك كي يوطد حكمه، فحكمه أهم من أي شيء آخر، ومن ثم يجد الطرق التي أولها القمع والسجون والمعتقلات، لأي صاحب رأي مخالف، والشعار طبعا ما أفعله هو الوحيد الصالح للبلاد.
ورغم أن كل من فعلوا ذلك ضاعت بلادهم في النهاية، لكن الديكتاتور لا يقرأ التاريخ، وإذا قرأ يختار منه ما يؤكد أفعاله، وعلى رأسها كم قتل فلان أو فلان حتى يبني بلده، ولا ينتبه إلى أن بلد كل منهما قد خربت تماما. أما الكثيرون من رجال الدين فهم لا يؤمنون أبدا بأن الإنسان البدائي حين بحث عن آلهة، فكان ذلك لضعفه عن أن يفهم ما حوله من ظلم، فاختار لنفسه إلها يعبده من أشياء أو كائنات يخشاها أو يحبها. ما يخشاه يرسم له الرسوم ويصنع له التماثيل يتقرب إليه بها، وكذلك ما يحبه، ومما يفعله جاء السحر الذي عنوانه أن يأتي الخصم بأثر من خصمه ليؤثر عليه بالسحر. كان الرسم أو التمثال هو الأثر، لكن لم يكن السبب هو الانتقام، بل المحبة أو اتقاء الشر.
لم نرَ على الأرض في أقدم الحضارات وأعني بها المصرية والسومرية والأشورية حروبا بين أتباع كل إله. رأينا ذلك في الأساطير فقط، حروبا بين الآلهة وحدها، وخلف كل أسطورة معنى الخلود أو الخصب والنماء، أو غيره من المعاني الإنسانية.
الحضارة اليونانية أيضا جعلت في أساطيرها الآلهة محركا لبعض الحروب بين البشر على الأرض، لكن طبعا من حاربوا لم يكونوا يحاربون من أجل الآلهة، بل كانوا مرغمين على الحرب كأنها قدر، ولم يكن وراءها أبدا شيء غير التوسع في الغزو، حتى لو قيل ما قيل عن أثر الآلهة، وحتى لو حمل الإسكندر على يده تمثالا صغيرا لآلهة الإخلاص «نايكي» علامة على ما سيفعله في البلد الذي يقوم بغزوه.
رجال الدين الذين لن يقتنعوا أبدا أن الأصل في البحث عن إله معبود هو الرغبة في العدل، وحتى إن كتب الإنسان القديم عن يوم الآخرة، فمن أجل استكمال العدل، لو لم يتم في الدنيا، ومن أجل أن يعرف الإنسان الضعيف أمام رغباته، أنه وإن هرب من حكم الدنيا، فالعدل في الآخرة، ومن ثم لا يظلم ولا يرتكب جريمة في حق البشر، الذين خلقهم الله متساوين. رجال الدين يسمون أنفسهم العلماء، بينما العلم تشخيص يقوم على التجربة، ولا أحد في الدنيا عاد من الآخرة، وقال ماذا رأى، لكنه الاعتقاد من أجل العدل فقط، مصدر الاقتناع ، وحتى النظريات العلمية فالصادق منها هو ما يقبل الكذب، أو يتم تطويره، إن لم يكن تغييره، فما بالك بالفكر الذي هو ابن عصره ومكانه وزمانه. ما علينا، المهم أن لهم مريدون كثيرون يردون على أي صاحب رأي بأنهم علماء درسوا في المدارس والمعاهد الدينية، فكيف تنتقد آراءهم أنت الذي لم تدرس مثلهم.

التاريخ يحدثنا أن الدكتاتور ورجل الدين وجهان لعملة احدة، كل منهم يخدم الآخر في إيقاف قدرة الشعب على الخيال من ناحية، وعلى الرأي من ناحية أخرى.

من أكثر انتقادات رجال الدين انتقاداتهم للفنون والآداب، ولا يقول لهم أحد أن الأديب أو الفنان قرأ ودرس ذلك، فكيف تحكم أنت عليه يا من لم تقرأ تاريخ الأدب ولا تاريخ الفن. الأمر نفسه بالنسبة للديكتاتور، لا يقول له أحد كيف تفتي في كل شيء بينما للجوانب الأخرى من الحياة أهلها. طبعا كل منهم يجد من يحيط به ويصور له أن ما يفعله هو الحقيقة المطلقة ونهاية العالم، ولا يدري أنه بهذا يُنهي البلاد نفسها.
في أمر الفن والأدب لا يقتنع رجال الدين وقادتهم أبدا بأن معيار العمل الأدبي هو الصدق الفني، فليس من المقبول فنيا أن تتحدث بائعة الهوى بلغة العالم، ولا القاضي بلغة بائع العرقسوس مثلا، إلا على سبيل السخرية، وهذا التنوع اللغوي وهو يعكس الشخصية هو ملمح أساسي في العمل الفني، بل لعله الملمح الأهم، فرواية بلغة واحدة تعني صناعة المؤلف، وهي صناعة فاسدة أو لا قيمة فنية لها، وكل ما تقوله الشخصيات وتفعله ليس مسؤولية المؤلف، لكن مسؤولية الصدق الفني. الأمر نفسه في السينما، فالممثلة التي تقوم بدور العاهرة في الفيلم ليست هي التي تراها بعد الفيلم. بعد الفيلم أنت ترى الممثلة الحقيقية وفي الفيلم أنت ترى شخصية تحمل اسما آخر، ويكون على الممثلة إتقان دورها لتبدو كما كتب السيناريست وأخرج المخرج، ومن ثم لا تستطيع أن تحاسب ممثلة على دور من هذا النوع، ولا ممثلا يقوم بدور قاتل أو لص أو حتى تاجر مخدرات، وإلا كنا حاكمنا الفنانين جميعا ومنعنا السينما أصلا. والأهم هو أن ما تراه على الشاشة ليس حقيقة، فكل ما تراه خيال أقرب إلى العالم الافتراضي. الأمر نفسه في الفنون التشكيلية، فحين تنظر إلى لوحة لامرأة عارية إن لم تنتبه إلى الجمال الساكن فيها وتراها جنسا أو شكلا من أشكال البورنو فهو أحد أمرين، إما أن اللوحة فاشلة، أو أنك تفكر ليس بروحك، لكن بغريزتك، وفي كل الأحيان اللوحة معلقة على الحائط، لن تمشي في الطرقات. ينقلني ذلك إلى أن أحدا منهم، الديكتاتور ورجاله، ورجال الدين من هذا النوع ومن معهم، يتجاهل أن الفنون والآداب حين يمارسها الأديب أو الفنان تكون بالنسبة إليه مقدسة، لكن بعد أن ينتهي منها تصبح سلعة ـ الرواية أو ديوان الشعر مثلا – يمكن لك أن تشتريها وتعيدها أو تبيعها أو تُلقي بها إذا لم تعجبك، أو تكتب تنتقدها. والأمر نفسه للوحات التشكيلية فلا أحد يأخذك بالقوة إلى معرض للفنون، لكن من يذهب إلى معرض ولا تعجبه اللوحات، يمكن أن لا يذهب مرة أخرى، وكذلك السينما من لا يعجبه الفيلم لا يتردد عليه ولا يدعو إليه، ويمكن أن ينتقده.
الفنون والآداب بعد انتهاء الأديب أو الفنان منها تصبح سلعة كما قلت منها، التفاح ومنها الجميز وكل الفاكهة التي يحبها. وكل الفنون والآداب في النهاية لا تجد لها نصيبا من الحكم، فلا حاكم ديكتاتور أو غير ديكتاتور يحكم أي بلد وفقا لرواية قرأها. إذاً لماذا أجمع الاثنان معا، الديكتاتور ورجال الدين من هذا النوع معا؟ ليس لأن أغلب رجال الدين هم هكذا، لكن لأن التاريخ يحدثنا كيف أنهم وجهان لعملة احدة، كل منهم يخدم الآخر في إيقاف قدرة الشعب على الخيال من ناحية، وعلى الرأي من ناحية أخرى. وبعيدا عن هذا الحديث الفكري فالسياسة تفرض سؤالا هو لماذا لم يخرج كثير من الدول المتخلفة من تخلفه رغم مضي السنين؟ الإجابة واضحة أنها دائما كانت تُحكم بهذين النوعين من الناس ولا تزال، والذي نجا منها هو من جعل حرية الرأي والاعتقاد والإبداع أساسا للحكم والحياة.
روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية