كان العنوان الذي وضعته حالما أنهيت هذا المقال هو «السوريّة التي فقدت ظلّها»، ثمّ عدّلته والعنوان «سيّد الدوالّ»؛ على النحو أعلاه «هل تفقد السوريّة ظلّها؟»، عسى أن أخفّف من نبرة اليأس من أيّ تغيير منشود، في بلد عظيم زرته غير مرّة وأحببته وكتبت عنه وفيه شعرا ونثرا، كان آخرها قبيل «الربيع العربي» بحوالي ستّة أشهر، بلد أنهكه الاستبداد والفساد والحرب طوال أكثر من نصف قرن. وثمّة دائما أمل بمعزل عن الاعتقاد في كمال الآلهة، فالنقص الأبدي فينا وفي الأشياء التي تحفّنا، هو الرجاء في ما يأتي؛ ونحن نشارك السوريّين محنتهم طوال ثورتهم، وما آلت إليه اليوم؛ ونأسى عندما نرى الذين لا يتعاطفون معهم، من بني قومنا أو من غيرهم. وربّما وقع في الظنّ أنّ الحياة بداهة لا تحتاج إلى تعليل، أو أن تكون موضوع قصد؛ وإنّما هي فقط مجال تُلتَقط منه الحكمة. غير أنّ هذه الحياة تعلّمنا فعل تحويلها إلى موضوع للإرادة. وها هي ذي «سوريا الجديدة» تعزّز هذا الاتّجاه سواء تلقّفنا «الإرادة» مؤسّسةً على الأخلاق، بحيث نردّها إلى العقل؛ أو من حيث هي تعبير عن جوهر إنسانيّ كامن لا يمكن تفعيله إلاّ إذا فهمنا الإرادة من حيث هي قوّة للعقل، حيث لا إمكان للفرد في أن يكون حرّا إلاّ على قدر ما يكون فردا في إنسانيّته التي تلزمه الوقوف إلى جانب الضحايا والمغلوبين، وفي الصدر منهم المرأة.
ما هي أسباب إقصاء المرأة عن حقّها في تولّي المناصب الحكوميّة والسياسيّة؟
أكاد أقطع بأنّ المفارقات التي يعيشها المجتمع السوري، أشبه في حدود ما أعرف، بمفارقات المجتمع التونسي؛ وإن كانت سوريا استقلّت عام 1946 أي قبيل تونس بعشر سنوات، فالمرأة حاضرة حضورا لافتا في مؤسّسات التعليم والصحّة والآداب والفنون عامّة مثل المسرح والسينما والمسلسلات، بل في مجال النضال من أجل الحرّيّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان؛ إلاّ أنّها أقصيت إقصاء شبه تامّ عن سلطة الحكم والقرار، ما عدا حالات نادرة هي لتزيين الحكم والديكور السياسي وأداء دور رمزيّ للدعاية والإيهام بالتمدّن لا غير؛ حتى وإن شغلت منصبا مثل وزارة الثقافة أو رئاسة الحكومة أو حتى نائبة للرئيس. لأقل هي حاضرة نسبيّا في مجتمعاتنا الذكوريّة على اختلافها، غائبة مغيّبة في مواقع السلطة السياسيّة رغم كفاءتها. وأقدّر أنّ السوريّين المستنيرين وهم كثر في سوريا وخارجها، هم الأقدر على معالجة هذه الظاهرة تاريخيّا ونقديّا وسياسيّا وشرعا وقانونا؛ ولعلّ بعضهم فعل كما هو الشأن في تونس، من منطلق الإيمان بحقّ المرأة في أداء دورها السياسي بدون مصانعة الحكّام ومداهنة الأحزاب؛ وهو الحقّ الذي يردّ علينا إيماننا بأنفسنا وبالحياة، كلّما عرض لنا ما يعرض للناس من ريْب وضعف، بل يمكن أن يصوغ ذواتنا ويشكّل سلوكنا وأخلاقنا. وثمّة بحوث مستفيضة وقفت بنباهة ومهارة لافتتين على الإرث السياسي المزدوج في حقبة ما بعد الاستقلال، مثل حقّ المرأة في التعليم وحقّها في التصويت عام 1953؛ فحقبة حكم البعث من عام 1970 ونشأة الاتحاد العامّ النسائي الموالي للسلطة كما كان الشأن في تونس، إلى بدايات الثورة 2011 التي كان فيها للمرأة دور بارز؛ وإن كانت سوريا عانت من اضطراب سياسيّ وانقلابات متعاقبة، لم تعانِ منها تونس إلاّ بعد تجربة الراحل الكبير أحمد بن صالح «اشتركيّة الأرض الفلاحيّة» في ما سمّي بـ«التعاضد». وهو النقابي الذي قاد الاتحاد العام التونسي للشغل بعد اغتيال فرحات حشّاد، وضخّ دما جديدا أنعش الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم وحده وقتها بزعامة بورقيبة، وربّما أضفى على الحكم بعض الشرعيّة وبعض المصداقيّة التي تؤكّدها إنجازات الرجل (التعليم والاقتصاد).
هي ظاهرة شائكة معقّدة في العالم العربي والإسلامي خاصّة، مردّها إلى عوامل تاريخيّة ودينيّة واجتماعية وثقافيّة واقتصاديّة، حيث لا يزال الموتى يأخذون بتلابيب الأحياء ومجْمع ثيابهم ويجرّونهم. وربّما خفّت الظاهرة في بعض الدول فكانت استثناء، وتفاقمت في أخرى فتعزّزت القاعدة: إقصاء المرأة عن حقّها في صناعة الفعل أو القرار السياسي. والسوريّة كانت حتّى في ظلّ الاستبداد وفي أتون الثورة جزءا حيّا نابضا في نسيج سوريا التربوي التعليمي والاجتماعي والثقافي.
صحيح أنّ هناك أمثلة في بعض البلدان الإسلاميّة تسنّمت فيها المرأة ذروة المناصب السياسيّة: بناظير بوتو التي كانت رئيسة وزراء باكستان مرّتين، والشيخة حسينة رئيسة وزراء بنغلاديش سابقا، وميغاواتي سوكارنو التي كانت رئيسة إندونيسيا منذ عقدين… وتركيا وتونس. أمّا في العالم العربي، فالرجل العربيّ والمرأة العربيّة، هما ما تعلّق الأمر بالسياسة بالمعنى الحصري للكلمة أي «المنصب السياسي»: «عدوّان لدودان، لكنّهما يتقاسمان سريرا واحدا». والتفسير السائد أنّ مردّ الظاهرة إلى «البطريركيّة» التي تعني في أصولها اليونانيّة «سلطان الأب». وكان هشام شرابي قد استخدم «البطركيّة» بدل «البطريركيّة» كما في كتابه «البنية البطركيّة» المنشور في أواخر الثمانينات متخيّرا صيغة صرفيّة عربيّة مناسبة، فضّلها على «الأبويّة» أو النظام الأبوي. وكذلك فاطمة المرنيسي في «الحريم السياسي» و«ما وراء الحجاب»، وهي تستخدم المصطلح «بطريركيّة» بمعنى «أبوّة»؛ وتسلّم به في صيغة تنمّ عن «تعميم» ما، لا يأخذ بالحسبان حجب الزمان والمكان، أو هي تأخذ بقوانين كليّة، أو هي تُعنى بالقيمة في ذاتها ولذاتها، وتراعي المعادلة الصعبة بين الخاصّ والعام. ولعلّه ثمرة إحساسها وتفكيرها، وليس من حقّنا أن نطالبها بعرض الأنساق في تراتبها الزمني؛ وهي التي تكتب تاريخ الحريم، بوعي تاريخيّ حادّ أعني وعي المستقبل؛ أو الاتجاه الذي يتّجهه التاريخ. وكتابة التاريخ قد لا تجري إلاّ على هذه الوتيرة حيث ينطوي الاتجاه على رغبة في التغيير. وربّما يتجلّى هذا في قراءتها الذكيّة لبعض الأحاديث النبويّة التي تمنع في الظاهر تولّي المرأة الولايات العامّة، أو مشاركة المرأة في العمل السياسي أو الشأن العام، بعبارتنا اليوم. والمقصود في السياق الذي أنا به، الحديث الذي رواه الصحابي أبو بكرة الثقفي (ت.51 هـ)، عن النبي لمّا بلغه أنّ أهل فارس ولّوا أمرهم بنت كسرى. وهو عند البخاري «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، وباختلاف يسير في مسند أحمد «لن يفلح قوم تملكهم امرأة». ولم يروِه سواه. والمرنيسي لا تقبل بهذه الرواية، وتسوق حجّة منع الخليفة عمر شهادة أبي بكرة في شبهة زنى أبي المغيرة، وحرصه على بناء الأسرة الإسلاميّة من منظور بطريركي؛ وتعتبر ذلك ضربا من التحديث.
وهذا استثناء لا غير، ولا يصلح للقول إنّ الفكر الديني السائد طريق سالك لتمكين المرأة من حقّها السياسي كاملا. وصورة المرأة أو الأنثى عامّة، تتلبّس في تراثنا، وفي تراث شعوب أخرى كثيرة، بلَبُوس الاستعارة؛ فهي تحطّ من شأن المرأة على قدر ما تُعلي منها؛ وتنتقم للجسد الغائب أو المستلب في البنى والعلائق الاجتماعيّة ـ الثقافيّة السائدة، فتضخّمه وترفعه إلى مستوى الألوهيّة؛ وفي السياسة تنزل به سهل الأباطح. وقد يحمل ذلك على أنّه صقل للذات النسويّة وإعادة اعتبار للشخصيّة الفرديّة المطموسة حيث لا سلطة إلاّ سلطة الذكر، أو على أنّ في فكّ العلائق الاجتماعيّة؛ إقرارا بالحريّة الفرديّة وبسلطة المثل الأعلى. وإذا كان ثمة اعتراض وجيه على هذه الصورة، فمردّه إلى مظاهر التضخيم التي كثيرا ما تتخذ طابعا سحريّا، وفي القول بانقلاب الأعيان بدل نمائها وتطورها. وفي أواخر القرن الماضي، رفعت حركة نساء اليوم الفرنسيّة شعارا مثيرا، ولكنّه سائغ أو مقبول في مجتمع علماني: «هل يخشى الله المرأة؟» وهذا الشعار، إدانة لا تخفى، لرؤية مسيحيّة للمرأة. وبيّنت ماري دالي في كلامها على اللغة الواصفة أو «الكلام على الكلام»؛ في الكتب الدينيّة المقدّسة، كيف أنّ الخطاب الديني هو مسند أبدا إلى ذكر أو مذكّر، وموجّه إلى مخاطب ذكر.
في بعض الأساطير، يُحكى أن الشيطان قايض رجلا ظلّه مقابل كيس من الذهب. وفرح الرجل بالثروة، لكنه سرعان ما اكتشف أنه أصبح منبوذًا، وكلّ من ينظر إليه يُدبر هاربا مذعورا، ويمتلئ قلبه فزعا، لهول منظر كائن بلا ظلّ. واختيار سيّدة سوريّة واحدة، أو إظهارها في المشهد السوري الجديد، ليس أكثر من الأثر أي أثر القدمين الذي يدلّ على الوجهة والمسير، والأثر يظهر على قدر ما يخفي.
*كاتب من تونس