انتحار وتهديد بالقتل على المباشر … لا لقنوات العنف وبرامجها

من قسنطينة شرقا إلى الغزوات غربا حتى الأغواط عند تخوم الصحراء الجزائرية، المأساة واحدة عبر ما تحمله منصات التواصل الاجتماعي عن انتحار شباب وأطفال لم تفتح لهم الحياة يديها أو لم يرغبوا هم في احتضان الحياة، الحياة الصعبة المرة.
بعد التذمر والعتاب والتعب من الحياة ومنغصاتها، وأن لا أحد مرتاح فيها، وبعد التأفف الذي لا ينقطع لسبب أو بغير سبب، نتوقف عند حجم هذه المآسي التي جعلت هؤلاء ينتحرون. ولا أحد يمكنه معرفة لماذا ينتحر المنتحرون. هم  فقط من يحملون علب أسرارهم السوداء ويتركون وراءهم أحزانا وتأويلات لا ترحم، لكن تخفي هذه الحوادث المتناثرة هنا وهناك عمق المشاكل، التي يعيشها المجتمع والتي تتضافر وتتكاثر لدفع الناس للتفكير في انهاء حياتهم، فلا المدرسة ولا الأولياء قادرون على خلق محيط تربوي وأسري آمن في ظل التغيرات التكنولوجية التي يعيش معها وفيها، الصغار وحتى الكبار،  ومن خلال فضاءاتها العنيفة، أكثر من عيشهم على الأرض. هل الإدمان الإلكتروني من يقتل أبناءنا أو زاد من وتيرة الإقدام على الموت بكل الطرق؟  المتاعب كبيرة جدا وفضاءات الاستماع والتوجيه صارمة ومؤذية وتقويمات وتنمر باتت منعدمة في زمن «يالله نفسي». وكل جهة ترمي المسؤولية على الأخرى. إلى أن يقع ما لاتحمد عقباه. فكيف تسقط الأمطار وتنمو الخضرة والأشجار. وتتفجر الينابيع وتحيا الجداول، وكل المحيط طاقات سلبية، سوداء تكتم أنفاس البشر و الجماد. فمتى يعود الإنسان إلى رشده؟

تهديد بقتل النساء وفدية خطف الأزواج على التلفزيونات

في هذه السنة الجديدة عاد تصاعد الجريمة ضد النساء، وفي كل مرة تنقل لنا وسائل التواصل الاجتماعي، حادثة مقتل امرأة، على يد زوجها أو أحد اقاربها، حسب صفحة «féminicides Algérie»(النسوية الجزائرية)  على فيسبوك، فإن عدد النساء المقتولات منذ بداية هذه السنة إلى 6 الشهر الجارب، هن خمس نساء. آخر الضحايا فاطمة رحماني، وتبلغ من العمر 34 سنة، استاذة لغة عربية في ثانوية «بحيرة قرار» الرمشي، ولاية تلمسان، كانت حامل وقتلها زوجها بضربات على الرأس. ومما جاء في الصفحة أيضا: «كانت تحب الأدب وتحب الحياة، تزوجت عندها 5 أشهر مع رجل في مجال التعليم هو أيضا، كونه مرشدا تربويا في الثانوية. بقيت معاه 5 أشهر من سوء المعاملة، مع العلم أن الكثير من الناس يقولون إنه شخص طيب، مثل الكثيرين، ملاك في الشارع ووحش في الدار!
فاطمة كانت حاملا بابنها الأول حين ضربها زوجها بحمالة ملابس على رأسها عدة مرات حتى قتلها ثم رماها في عتبة باب بيتهم إلى أن اتصل بعض الناس بالإسعاف، لكنها توفيت».
أن يصل التهديد بقتل النساء علنا عبر القنوات التلفزيونية المعتمدة فهذا لعمري من الأمور الخطيرة، حسب الصفحة نفسها التي نقلت استجوابات «قناة متيجة» للناس في الشارع، وكيف أن أحد الشباب يحب فتاة ويريد الزواج بها، وأهلها لم يقبلوا به. الفيديو الذي تقول الصفحة إنه تمت مشاهدته أكثر من 200 ألف مرة على اليوتيوب ونشرته معظم الصفحات على فيسبوك. جاءت التعليقات كلها تحت عبارة «ياربي اجمع القلوب» أو «مسكين الراجل حبها» أو «أعطولوا الطفلة وخلوه يعيش» و«هذا هو الحب الحقيقي». تضيف الصفحة…الخ من التعليقات غير الواقعية. والناس كلهم سمعوا ماذا قال الرجل، لكن من جهة أخرى لا أحد يعرف رأي المرأة التي يريد الزواج بها. لا أحد يعرف إن قبلت به، أو غير قادرة أن تعيش حياتها بصفة عادية من أجله» و«الكل أصبح يخاطب والد الفتاة «مدلو الطفلة واش راك خاسر». وكأن الطفلة هذه شيء يمدوه ماشي إنسانة معنية بأمر الزواج وعندها رأي فيه». والشيء الآخر الذي دفعنا للكتابة عن هذا الموضوع، هو ذكر هذا الرجل في الفيديو لأشياء مهمة والتي لا بد من التطرق إليها ولا يجب أن نغفل عنها. أن المرأة خطبوها ويوم الكتابة (العقد) ذهب إليهم وقال لهم مهددا» لو كان تزوجوها نقتلها». تضيف الصفحة «لوكان يحبها لتمنى لها الفرح في حياتها معه أو مع غيره. عقلية أما أن تكوني لي إما لا تكوني لأي أحد. وهذا يسمى تملكا وليس حبا». و «هذا الشخص يتكلم عن القتل قبل أن يعيش معها، فلو كانت تعيش معه في بيت واحد كيف سيكون الأمر»؟!
حسب وجهة نظر « النسوية الجزائريةe» فإن كلام هذا الشاب «ذكر بحالات القتل العديدة التي شاهدناها في السنوات الأخيرة. مثل حالة فتيحة عنصر 30 سنة، من تيزي وزو، التي ذبحها رجل كان يعتقد أنها ملكه عندما رفضت أن تتزوج به. أو الممرضة، من الشلف، التي كان عمرها 27 سنة قتلها رجل بطعنات خنجر وسط الطريق وأمام الناس لأنها رفضت الزواج منه».
هؤلاء الرجال عندهم شيء مشترك هو التفكير في أنهم بمجرد الزواج بنساء سيصبحن ملكا لهم. وإن لم يتزوجوا بهن فيستحقن الموت. خطير أن يظهر الشاب على التلفزيون ويهدد بالقتل والناس تتفرج وتضحك وفرحانين فيه. ويرونه كالبطل الذي يحارب من أجل المرأة التي يحبها، وهو في الواقع فكره إجرامي ما عندو حتى علاقة بالحب». هل فعلا من الحب ماقتل؟ أم من الأنانية ما يقتل ويدمر؟

قناة النهار وسؤال دفع الفدية

في زمن الانفتاح الاعلامي، الذي نعيشه، كذلك تتهاوى القيم، لأجل سبق صحافي ولا تهم النتائج على المجتمع طويلة المدى. فلا يمكن أن يقف المرء ساكنا أمام تلك الأسئلة التي تغزو الشوارع الرئيسة في المدن الكبيرة، والتي تدخل المحظور اجتماعيا وأخلاقي،فما فائدة سؤال طرحه برنامج «صريح جدا» على «قناة النهار» على المارة في الشارع: «في حال اختطاف أحد الزوجين من سيدفع الفدية، إجابات صادمة» . تطرح الصحافية سؤال الحلقة من البرنامج «لو كان يخطفوا مرتك ويطلبوا منك فدية، شحال تقدر تمد؟ (لو يتم اختطاف زوجة ويطلبون منك فدية…كم يمكنك أن تدفع)؟  ونفس الشي بالنسبة للمرأة: « لو كان يخطفوا راجلك ويطلبوا منك فدية شحال تقدري تمدي»؟
هاكم بعض الإجابات الصادمة، حتى لا ندخل في نوايا القلوب والأفئدة، لكن، أول المجيبين من الشباب نوعا ما: «يا خويا يدوها والله يسهّل عليها» أي « هذا يسعدني…وانزيد انخلص. لو كان يدولي مرتي انزيد نخلص ياخو. أدولي مرتي وانخلص (خذوا زوجتي وأدفع لكم أيضا). ماذا بيا ياخويا «. هذا الزوج يفرحه أن تختطف زوجته والأكثر من ذلك سيدفع لهم بكل فرح. وسيدة عجوز، طرح عليها السؤال فردت: «ماعنديش أنا يا بنتي ربي اللي يعلم. أنا مربيا اليتامى وهذا كثير» أي أنها ليس لديها المال، وأنها تربي الأيتام». يبدو أن السؤال في واد والسيدة «المسكينة في واد آخر». وآخر أجاب بالفرنسية «بئس  المصير». وأضاف «الله لا يردها». وعادت للشخص الذي على ما يبدو، يسعده التخلص من زوجته فقال: «أدفع من أجل إبني» لكن يعيد بالدعاء على زوجته» إلى الجحيم». يبدو الرجل متحاملا على زوجته. لذلك، فهو لن يدفع ليفديها، بل يدفع للخاطفين لأنهم خلصوه منها! فأضافت المذيعة: «بالصح يقولولك نقتلوها؟ رد الرجل: «أي أنا من سيعطيهم المقصلة».
يا إلهي. ألهذا الحد وصل تدهور العلاقات بين الأزواج وعلى الملأ؟ سيدة أخرى، تبدو في العقد الخامس من العمر. تقول «إذا طلبوا الفدية من امرأة ليس لديها المال ولا تعمل…أنا لو لدي المال ليس خسارة في الأخ أو الزوج أب أولادك (تخاطب الصحافية)».
رجل آخر أجاب على السؤال الصادم «إذا حكمت الظروف. للضرورة أحكام. أنا أفضل إنقاذ زوجتي. الأموال تعوض وزوجتي لا تعوض». رجل مسن آخر، يرتدي قبعة «مصيبة يدولي مرتي واش بيك. مصيبة والله غير مصيبة» تقاطعه الصحافية «تخلص عليها «(هل تدفع من أجلها). أجاب: « انخلص عليها» (أدفع لأجلها) وتضيف «شحال تخلص عليها» (كم ستدفع من أجلها؟) يجيب الرجل متعجبا: «كيفاش شحال انخلص عليها (كيف كم سأدفع من أجلها؟). سأعطيها كليتي. طبعا زوجتي رغم كل شيء. تواصل الصحافية «تفعل كل شيء لتخليصها» يرد الرجل: « ما تتمسخريش واش بيك…انعلي ابليس…هذه حاجة منك». ثم قلبت السؤال على الرجل، الهيبة الذي كان متغلبا على مشاعر الشهوانية والغضب: لو كانت هي (زوجتك) هل ستدفع من أجلك؟ أجاب: أعتقد ذلك (بالفرنسية)…لو تكون بنت أصل ستفعلها. إحنا كي تزوجنا على الحلو والمر. أعتقد أنها ستفعلها، على حسب معرفتي بها». أما زوجة شابة فقالت إنها ستبيع كليتها وتعيد زوجها. أفعل المستحيل لإرجاع زوجي. زوج آخر بين الجد والهزل: لا أعطي، زوجتي تلعب الكاراتيه. لا أعطي (المال) . أموت ولا اعطي. وهي الله يسهل عليها. في هذا الزمن أرواح أعطي المال. كورونا، الوباء، الغلاء. الحالة مخلطة. وانزيد نعطي الدراهم ماكاش منها»!
البرنامج ليس «صريحا جدا، بل هو خطير جدا» يبين قيم الإنسانية التي تنهار يوما بعد يوم أمام «المال». بعدما كانوا يقولون «الدراهم وسخ الدنيا». على ما يبدو أصبح الإنسان هو « الملوث» مهدور الكرامة والقيمة.
برامج تبين عبقرية انحطاط القيم واحتضار علاقات المودة والرحمة، بل نشهد نهايتها تماما من خلال الفضائيات وأمام الملأ والأبناء. فعلا مالفائدة من هكذا إعلام!

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية